Skip to main content

مورد حيوي مهدد.. كيف تغذي المياه الصراعات الجيوسياسية؟

الأربعاء 13 أغسطس 2025
يُؤدي تقلص إمدادات المياه العذبة إلى تصاعد الصراعات بين الدول- غيتي

لم يعد الماء مجرّد مورد أساسي للحياة، بل تحوّل سريعًا إلى واحد من أكثر الموارد إثارةً للتنازع على كوكب الأرض. ومع تفاقم أزمة المناخ وارتفاع عدد السكان، تتقلّص إمدادات المياه العذبة، ما يؤدي إلى تصاعد الصراعات بين الدول المتجاورة. ويحذّر خبراء من أن حروب المستقبل قد لا تدور حول النفط أو الأرض، بل حول الماء نفسه، وهو ما يُبرز الحاجة المُلِحّة إلى إدارة مستدامة للمياه، والتكيّف مع تغير المناخ، وتعزيز التعاون الدولي.

تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن حجم المياه في العالم يبلغ نحو 1400 مليون كيلومتر مكعب، لا تشكّل المياه العذبة منها سوى 2.5% تقريبًا، أي حوالي 35 مليون كيلومتر مكعب. غير أن الجزء الأكبر من هذه الكميات العذبة يوجد في القمم الجليدية والأنهار الجليدية أو في أعماق الأرض، ما يجعلها غير متاحة للاستخدام البشري المباشر. وتأتي المياه العذبة القابلة للاستخدام أساسًا من هطول الأمطار على اليابسة، في إطار الدورة الهيدرولوجية، التي يُعاد تدويرها باستمرار بفعل التبخر الناتج عن الطاقة الشمسية.

واقع المياه العذبة

وفقًا لآخر التقديرات العالمية لعام 2021، يستحوذ قطاع الزراعة على النصيب الأكبر من استهلاك المياه العذبة عالميًا بنسبة 72%، يليه قطاع الصناعة بنسبة 15%، ثم الاستخدام المنزلي بنسبة 13%. ويختلف حجم السحب المائي من قطاع إلى آخر تبعًا لمستوى التنمية الاقتصادية في كل دولة، فالدول ذات الدخل المرتفع تستهلك نسبًا أكبر من المياه في الصناعة، بينما تستخدم الدول ذات الدخل المنخفض 90% أو أكثر من مواردها المائية في الري الزراعي، وفق تقرير صادر عن الأمم المتحدة عام 2025.

كما تشير المنظمة الأممية إلى أن النمو السكاني ليس العامل الأبرز في زيادة الطلب على المياه، إذ غالبًا ما تكون الدول ذات الاستهلاك الأدنى للفرد هي الأسرع نموًا سكانيًا، مثل العديد من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتواجه 25 دولة، تمثّل ربع سكان العالم، إجهادًا مائيًا شديدًا سنويًا، فيما يعاني نحو 4 مليارات شخص – أي نصف سكان الأرض – من ندرة حادة في المياه لجزء من العام على الأقل.

يكمن جوهر هذا التوتر المتصاعد في تأثيرات تغيّر المناخ، إذ يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وتبدّل أنماط هطول الأمطار إلى جفاف الأنهار، واستنزاف الخزانات، وتعطيل شبكات المياه القائمة منذ عقود. وتقدّر الأمم المتحدة أن نصف سكان العالم يواجهون حاليًا ندرة شديدة في المياه لجزء من العام، بينما تدفع هذه الظروف الأسر في المناطق المعرّضة للخطر إلى النزوح مع انهيار البنى التحتية للمياه، ما يفاقم ظاهرة الهجرة المناخية.

يعاني نصف سكان العالم من ندرة شديدة في المياه لجزء من العام على الأقل- غيتي

تهديدات الأمن المائي

أصبح انعدام الأمن المائي العالمي تهديدًا قائمًا، لا احتمالًا بعيد المدى. فبحسب معهد المحيط الهادئ، شهد العالم 344 صراعًا مرتبطًا بالمياه في عام 2022 والنصف الأول من 2023 وحدهما، تراوحت بين نزاعات على حقوق المياه والوصول إليها، وهجمات على البنية التحتية المائية، ما يعكس بوضوح أن ندرة المياه باتت بؤرة للتوترات الجيوسياسية.

تتجذر هذه النزاعات في الجغرافيا السياسية، إذ تمنح الطبيعة الجغرافية بعض الدول ميزات على أخرى في الحصول على الموارد المائية. وتستغل دول المنبع هذه الأفضلية على حساب دول المصب، خاصة في زمن تغيّر المناخ الذي يبدّد كثيرًا من الثوابت البيئية.

الشرق الأوسط والصراع على المياه

لطالما كان الشرق الأوسط بؤرة ساخنة للتنافس على الموارد، لكنه شهد في السنوات الأخيرة تصاعدًا حادًا في العنف المرتبط بالمياه. ففي عام 2023، شكّلت الهجمات الإسرائيلية على البنية التحتية للمياه الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة نحو 25% من إجمالي أعمال العنف المائي في العالم، بحسب منظمة "إمبريس ريليف"، التي حذّرت من أن حرمان الفلسطينيين من المياه النظيفة يحوّلها إلى أداة سيطرة ويعمّق الأزمات الإنسانية.

وفي جنوب آسيا، أثار قرار الهند تعليق معاهدة مياه نهر السند - التي تغذي أكثر من 80% من الزراعة الباكستانية - مخاوف من اندلاع صراع سياسي مائي مع باكستان، لما يشكله من تهديد مباشر للأمن الغذائي والاستقرار الإقليمي.

نهر براهمابوترا.. بين الصين والهند

يمتد نهر براهمابوترا على طول 2900 كيلومتر، من منبعه في التبت مرورًا بولاية أروناتشال براديش الهندية، وصولًا إلى التقائه بنهر الغانغ في بنغلاديش قبل أن يصب في خليج البنغال في بنغلاديش.

يشكّل النهر شريان حياة لملايين السكان، وبحسب موقع "جيوبوليتيكال مونيتور"، يُوفّر موارد زراعية أساسية في الهند وبنغلاديش، إضافة إلى الطاقة الكهرومائية للصين التي أنشأت سلسلة محطات على هضبة التبت.

يُعتبر نهر براهمابوترا موردًا مائيًا هامًا للهند والصين وبنغلاديش- غيتي

لكن هذه المشاريع أثارت مخاوف من تقليص تدفق المياه، مما دفع الصين والهند إلى توقيع مذكرة تفاهم عام 2002 لمشاركة البيانات الهيدرولوجية، علّقتها بكين عام 2017 إثر اشتباكات حدودية، قبل أن تجدَّد آخر مرة عام 2018، دون التوصل لاتفاق شامل حتى الآن.

سد النهضة.. أزمة إفريقية ممتدة

يمثل سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق مصدر قلق بالغ لمصر والسودان، إذ تعتمد مصر على النيل لتأمين أكثر من 90% من احتياجاتها المائية. ومنذ إعلان إثيوبيا المشروع عام 2011، تصاعدت المخاوف من تأثيره على حصص المياه المقررة وفق معاهدتي 1929 و1959.

بدأ ملء السد عام 2020، وبدأ توليد الكهرباء عام 2022، بينما ما تزال المفاوضات حول اتفاق ملزم لملء وتشغيل السد متعثرة، إذ تتمسك مصر والسودان بالتوصل أولًا إلى اتفاق ملزم مع إثيوبيا بشأن ملء وتشغيل السد، ولاسيما في أوقات الجفاف؛ لضمان استمرار تدفق حصتيهما من مياه نهر النيل، فيما تؤكد أديس أبابا أن المشروع يمثل حقًا سياديًا في استغلال الموارد الطبيعية.

وفي يوليو/ تموز 2025، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد "إنجاز العمل" في مشروع سد النهضة، مؤكدًا أنه "لا يشكل تهديدًا، بل فرصة للتنمية المشتركة".

تستعد إثيوبيا لتدشين مشروع سد النهضة- الأناضول

العراق وسد إليسو

يعاني العراق - الذي يتجاوز عدد سكانه 46 مليون نسمة - من موجات جفاف وحرارة مرتفعة نتيجة انخفاض تدفق نهري دجلة والفرات.

ويتهم العراق تركيا وإيران بالتقليل من حصته المائية عبر مشاريع السدود، وعلى رأسها سد إليسو الذي افتتح عام 2019 ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول.

وبحسب موقع "جيوبوليتيكال مونيتور"، ينتمي السد إلى سلسلة طويلة من المشاريع التركية الهادفة إلى الاستفادة من الطاقة الكهرومائية لنهري دجلة والفرات، ومن المتوقع أن يُولّد 1200 ميغاواط، أي ما يُقارب 2% من احتياجات تركيا من الطاقة.

ويتضمن المشروع 22 سدًا و19 محطة كهرومائية، ما يشكّل صراعًا مائيًا إقليميًا طويل الأمد، يفاقمه تغير المناخ، إذ تُصنف الأمم المتحدة العراق خامس أكثر دول العالم تأثرًا بتغير المناخ، وتشير بعض التقديرات إلى أن نهر الفرات مُعرّض لخطر الجفاف التام بحلول عام 2040.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تعهد بتوطيد التعاون مع العراق في مجالي المياه والأمن خلال زيارته لبغداد في أبريل/ نيسان 2024، وعرض اتفاقية مدتها عشر سنوات بشأن إدارة الموارد المائية تأخذ في الاعتبار احتياجات العراق.

حوض الميكونغ.. صراع آسيوي معقّد

يمتد نهر الميكونغ لمسافة 4300 كيلومتر عبر ست دول في جنوب شرق آسيا، ويُعد مصدر حياة لأكثر من 70 مليون شخص بحسب موقع "جيوبوليتيكال مونيتور"، إذ يعتمد الكثير منهم عليه في الزراعة وصيد الأسماك ومياه الشرب. 

غير أن بناء الصين أكثر من 12 سدًا على الجزء العلوي منه منحها قدرة على التحكم بالتدفقات، ما أثار مخاوف دول المصب - تايلاند ولاوس وكمبوديا وفيتنام - من تداعيات على الزراعة والصيد، فضلاً عن مفاقمته فترات الجفاف.

يبرز حوض نهر الميكونغ السفلي كنقطة اشتعال لأزمة جيوسياسية تنخرط بها ست دول- غيتي

كما تحوّل الحوض إلى ساحة تنافس بين الولايات المتحدة والصين، حيث تسعى بكين لزيادة نفوذها الاقتصادي والسياسي في المنطقة عبر الاستثمارات، بينما تقدم واشنطن نفسها كبديل دبلوماسي وتقدم المساعدات لمراقبة مستويات المياه وتأثير السدود الصينية.

السنغال والنيجر وبحيرة تشاد

يشكّل نهر السنغال والنيجر مصدرًا حيويًا للزراعة والصيد والاستهلاك، لكن تغير المناخ والنمو السكاني يضاعفان الضغوط عليه، ما يؤدي إلى صراعات بين المزارعين والصيادين والمجتمعات المحلية، قد تُعرّض الأمن والتنمية للخطر، وفق موقع "لوتوديانت أفريكان". 

وفي حوض بحيرة تشاد، أدى انحسار البحيرة منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى نزاعات بين نيجيريا والكاميرون على الأراضي والجزر، بلغت حد اللجوء لمحكمة العدل الدولية التي أصدرت حكمًا بإعادة الأراضي الكاميرونية، وفقًا لموقع "قراءات إفريقية".

كما أدى تغير المناخ إلى تراجع الأراضي الزراعية ومناطق الرعي وتناقص الثروة السمكية، ما ساهم في النزوح والهجرة وتنامي أنشطة الجماعات المسلحة.

رغم أن ندرة المياه باتت سببًا متزايدًا للنزاعات المرتبطة بعوامل سياسية واقتصادية وأمنية، حيث تُستخدم المياه أحيانًا كسلاح أو أداة ضغط، فإن التعاون الدبلوماسي، والابتكار التكنولوجي، والحَوْكمة الرشيدة، ورفع الوعي المجتمعي، يمكن أن تشكّل طوق نجاة يجنّب العالم المزيد من صراعات الموارد في المستقبل.
المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة