لم تكن صفعة عادية، بل موقفًا سياسيًا سرعان ما تحوّل إلى رمز لمقاومة التطبيع في موريتانيا التي أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل عام 1999.
في الحادي عشر من يوليو/ تموز من العام نفسه، زار وفد طبي إسرائيلي العاصمة الموريتانية نواكشوط لإجراء عمليات جراحية لنحو مائة مريض. وقد جاءت الزيارة ضمن إستراتيجية إسرائيلية تهدف إلى "كسب القلوب"، وعدم حصر التطبيع في المجال الرسمي بين البلدين.
لكنّ فنيًا طبيًا شابًا يُعتقد أنه ينتمي إلى التيار القومي، سجّل موقفًا اعتبره كثيرون معبّرًا عن الوجدان الشعبي الرافض للتطبيع؛ فعندما وصل الوفد الطبي الإسرائيلي إلى المستشفى، رفض مديره مصافحة أعضائه، واضعًا يديه خلف ظهره.
وحين وصل الوفد إلى المختبر التابع للمستشفى، بادر مسؤوله، ويُدعى الزايد ولد الخطّاط، إلى طردهم. وإثر ذلك، اندلعت مشادة بين الجانبين، قام خلالها الفني الشاب بصفع أحد الأطباء الإسرائيليين.
وفي قسم الجراحة بالمستشفى نفسه، قوبل الوفد الإسرائيلي بالرفض مجددًا، حيث امتنع أحد العاملين في القسم عن فتح الباب أمامهم.
لكن، ثمّة من يحاول فتح الباب من جديد...
لقاء مفترض بين ولد الغزواني ونتنياهو
أحيطت زيارة الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني إلى واشنطن قبل أيام بالكثير من التكهنات والتسريبات، خصوصًا حول لقاء كان يفترض أن يجمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي كان موجودًا في واشنطن في الفترة نفسها.
وقد نفت نواكشوط رسميًا تلك الأنباء، لكنّ موقع سيمافور الأميركي أشار إلى أن ولد الغزواني كان ضمن الزعماء الخمسة الذين سيلتقون ترمب، مع ترجيحات بأن يُعقد لقاء جانبي بينه وبين نتنياهو.
من جانبها، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن إدارة ترمب رتّبت بالفعل محادثات سرّية بين مسؤولين موريتانيين وآخرين إسرائيليين، بهدف بحث إمكانية استئناف العلاقات الدبلوماسية التي قُطعت بين البلدين عام 2009. وأفادت الصحيفة، نقلًا عن مصادر وصفتها بالمطلعة، بأن هذه اللقاءات جرت على هامش القمة ذاتها.
والتقى ترمب في البيت الأبيض في التاسع من الشهر الجاري رؤساء ليبيريا والسنغال وموريتانيا وغينيا بيساو والغابون، بهدف تعزيز العلاقات الأميركية مع هذه الدول على الصعيدين السياسي والتجاري.
غير أن اللقاء تحوّل إلى مصدر جدل وسخرية عالميَّيْن، بسبب عدم تقيّد الرئيس الأميركي بالبروتوكولات الرسمية؛ إذ توجّه إلى الرئيس الليبيري جوزيف بوكاي مثنيًا على لغته الإنجليزية، وسأله أين تعلّمها، وما إذا كان قد تلقى تعليمه في ليبيريا.
وخلال حديث الرئيس الموريتاني، قاطعه ترمب بإشارة تطالبه بالإيجاز، مشيرًا إلى ضيق جدول مواعيده، ثم سأل عن الرئيس التالي الذي يفترض به التحدّث، وتوجّه إلى رئيس آخر بسؤاله عن اسمه وبلده.
وفي كلمته، تحدث ولد الغزواني عن ثروات بلاده، قائلًا: "لدينا معادن نادرة، لدينا المنغنيز، ولدينا اليورانيوم، ولدينا أسباب وجيهة للاعتقاد بأن لدينا الليثيوم ومعادن أخرى".
استغلال إسرائيل "الليثيوم" الموريتاني
تمتلك موريتانيا احتياطات ضخمة من مادة الليثيوم، التي تُعدّ عنصرًا حيويًا في الصناعات التكنولوجية والزراعية الحديثة.
وبعد تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين نواكشوط وتل أبيب عام 1999، وقّعت موريتانيا اتفاقية مع إسرائيل في العام التالي، للتنقيب عن الليثيوم، ضمن مسار تعاون اقتصادي كان يستهدف تعميق العلاقات بين الطرفين.
وبموجب هذه الاتفاقية، أنشأت إسرائيل 14 مركزًا لاستخراج الليثيوم في موريتانيا، تولّت إدارتها شركتا "بيليفون" و"أورانج" الإسرائيليتان للاتصالات، إضافة إلى شركات زراعية إسرائيلية، لتكون قاعدة تصديرية للتكنولوجيا الزراعية والاتصالات في القارة الإفريقية.
وقد استفادت إسرائيل من انخفاض كلفة الإنتاج وأجور العمالة في موريتانيا، لتصنّع معدات زراعية وبطاريات للهواتف المحمولة محليًا، في إطار مشروع اقتصادي واسع النطاق ارتبط بشكل وثيق بالعلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
نواكشوط والاتفاقيات الإبراهيمية
خلال ولايته الأولى، رعى ترمب ما عُرف بـ"الاتفاقيات الإبراهيمية"، وهي مسار لتطبيع العلاقات بين دول عربية وإسرائيل، بمعزل عن التقدّم في محادثات السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل. وقد انطلقت هذه الاتفاقيات في أغسطس/ آب 2020 بإعلان الإمارات إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، تلَتها البحرين، ثم السودان، فالمغرب.
ورغم أن المملكة العربية السعودية، وهي أكبر دول مجلس التعاون الخليجي وصاحبة ثقل رمزي كبير في المنطقة والعالم، لم تنضم رسميًا إلى هذه الاتفاقيات، فإنها كانت جزءًا من مشاورات مكثفة برعاية إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، هدفت إلى تطبيع تدريجي للعلاقات بين الرياض وتل أبيب، مقابل اتفاقيات أمنية وبرنامج نووي مدني.
لكنّ العدوان الإسرائيلي غير المسبوق على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وما تبعه من انتقادات دولية متزايدة، أدّيا إلى تجميد تلك المساعي. غير أنّ ترمب واصل، في ولايته الثانية، مساعيه لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، ضمن مسار يقوم على التقدم في جهود إدارته لوقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل، بما يفضي ضمنًا إلى حل إقليمي أوسع للصراع لم تتضح ملامحه بعد.
وفي هذا السياق شرعت سوريا وإسرائيل في مسار أذربيجان الذي أعلن الطرف السوري أنه يهدف لتثبيت اتفاقية فض الاشتباك عام 1974، والتوصل إلى اتفاقيات أو ترتيبات أمنية وليس سياسية، بينما تفيد تسريبات أن البلدين على مسار قد ينتهي بإعلان مفاجئ لتطبيع العلاقات بين البلدين.
كما تتردّد أنباء عن مساعٍ لإدراج دول مثل موريتانيا، ولبنان، والصومال، وحتى إندونيسيا، على أجندة الإدارة الأميركية لتطبيع علاقات الدول العربية والإسلامية مع إسرائيل.
استئناف مشروع ترمب
وتأتي التسريبات الأخيرة عن لقاءات تعقد أو ستُعقد بين ممثلي دول عربية وإسرائيل في سياق استئناف ترمب مشروعه الذي بدأه في ولايته الأولى.
وأقامت موريتانيا علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل عام 1999، خلال عهد الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، لتصبح بذلك ثالث دولة عربية بعد مصر والأردن تُقدِم على هذه الخطوة. لكنها جمّدت العلاقات عقب العدوان الإسرائيلي على غزة في 2008-2009، ثم قطعتها بشكل نهائي في عام 2010، إثر ضغوط سياسية وشعبية واسعة.
لكنّ مصادر إقليمية قالت إن العلاقات بين الجانبين لم تنقطع تمامًا، بل تواصلت سرًا في انتظار توفّر شروط أفضل لاستئنافها.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة "إسرائيل اليوم" في أبريل/ نيسان 2023 عن مصادر سياسية لم تُسمِّها، أن وزير الخارجية الإسرائيلي (في حينه) إيلي كوهين يعمل على تطبيع العلاقات مع موريتانيا والصومال والنيجر وإندونيسيا.
وقالت الصحيفة إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو منخرط في هذه الجهود، إلى جانب وزير الخارجية الأميركي (السابق) أنتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي الأميركي (السابق) جيك سوليفان، والوسيط الأميركي آموس هوكستين، الذي توسط في الاتفاق الإسرائيلي–اللبناني لترسيم الحدود البحرية بين البلدين.
ووفقًا للصحيفة، فإن "المفاوضات مع موريتانيا كانت في حالة متقدمة"، كما ألمح كوهين خلال اجتماع مع وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بربوك، التي طلب منها رسميًا مساعدة إسرائيل في تحقيق انفراج مع موريتانيا والنيجر.
غير أن ألمانيا نفت وجود أي علاقة بين زيارة مساعدة وزيرة خارجيتها، كاتيا كول، إلى موريتانيا في تلك الفترة، والضغوط على حكومة نواكشوط للتطبيع مع إسرائيل.
ومن أصل 22 دولة عربية، تقيم 6 دول فقط علاقات علنية مع إسرائيل، هي مصر والأردن والإمارات والبحرين والسودان والمغرب، بينما لا تزال إسرائيل تحتل أراضي في كل من فلسطين وسوريا ولبنان منذ حرب 5 يونيو/ حزيران 1967.
ولد داداه: لن أصافح يدًا ملطخة بالدماء
تُعتبر موريتانيا مناصرة تاريخيًا للقضية الفلسطينية. ورغم تأخر اعتراف جامعة الدول العربية باستقلال موريتانيا عام 1960، لأسباب تتعلّق بقضية الصحراء، فإن نواكشوط حافظت على مواقف عروبية ثابتة من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.
ويُروى أن رئيسة وزراء إسرائيل السابقة، غولدا مائير، حاولت خلال تلك الحقبة مصافحة أول رئيس لموريتانيا بعد الاستقلال، المختار ولد داداه، أثناء تدشين جسر في العاصمة العاجية أبيدجان، فرفض ذلك، وقال:
"لن أصافح هذه اليد الملطخة بدماء الأبرياء في فلسطين، فنحن عرب، سواء قبِلنا العرب أو رفضونا".
وبعد حرب عام 1967 واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وشبه جزيرة سيناء، رفضت نواكشوط الاحتلال، ودعت الدول الإفريقية إلى قطع علاقاتها بإسرائيل، كما واظبت على طباعة عبارة "ممنوع دخول إسرائيل وجنوب إفريقيا" على جواز السفر الموريتاني. كذلك، قطعت علاقاتها مع الولايات المتحدة خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، احتجاجًا على الدعم الأميركي لإسرائيل.
ولد الطايع وتطبيع العلاقات
بدأت الاتصالات بين نواكشوط وتل أبيب في عهد الرئيس الموريتاني الأسبق معاوية ولد الطايع، في تسعينيات القرن الماضي، وذلك في وقتٍ كان فيه النظام الموريتاني يتعرّض لضغوط غربية بسبب اتهامات بارتكاب مجازر بحق الزنوج.
فُتحت قنوات الاتصال بين الطرفين بوساطة إسبانية سرّية، في كل من نيويورك ومدريد وبرشلونة، وتُوّجت بعقد أول لقاء رسمي بين وزيري الخارجية الموريتاني محمد ولد لكحل، والإسرائيلي شمعون بيريز عام 1995، برعاية وزير الخارجية الإسباني خافيير سولانا في مدريد.
كما عُقد لقاء ثانٍ بين الوزير ولد لكحل ونائب وزير الخارجية الإسرائيلي يوسي بيلين في العاصمة الأردنية عمّان، أسفر عن اتفاق رسمي على فتح مكاتب لرعاية المصالح المتبادلة في نواكشوط وتل أبيب في العام نفسه.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول 1998، قام وزير الشؤون الخارجية الموريتاني، شيخ العافية ولد محمد خونة، بزيارة إلى تل أبيب، بارك خلالها فوز نتنياهو برئاسة الوزراء، وأجرى سلسلة مباحثات سرّية مع مسؤولين إسرائيليين.
وبعد ذلك بنحو أسبوعين، عيّن الرئيس ولد الطايع، الوزير ولد محمد خونة، رئيسًا للوزراء، وهو ما اعتُبر بمثابة مكافأة له على نتائج زيارته لإسرائيل. وقد أثارت تلك الزيارة آنذاك غضبًا عربيًا رسميًا وشعبيًا، لكنها لم تُبطئ من وتيرة مسار التطبيع السري والعلني بين البلدين، الذي تُوّج في 28 أكتوبر/ تشرين الأول 1999 بالإعلان عن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين موريتانيا وإسرائيل.
ويُشار إلى أن وزيرة الخارجية الأميركية حينها، مادلين أولبرايت، أسهمت بشكل مباشر في توقيع الاتفاق بين البلدين.
استمرار العلاقات رغم الغضب الشعبي
بعد اقتحام زعيم المعارضة الإسرائيلية، أرئيل شارون، باحة المسجد الأقصى في سبتمبر/ أيلول عام 2000، وما تبعه من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، رفضت موريتانيا قطع علاقاتها مع إسرائيل، رغم تصاعد الغضب الشعبي عربيًا وإسلاميًا، بل إنّ وزير الخارجية الموريتاني زار تل أبيب، والتقى شارون بعد انتخابه رئيسًا للوزراء.
وخلال هذه الفترة، وصلت العلاقات الثنائية بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق من الدفء، لدرجة أنّ السفير الإسرائيلي لدى نواكشوط، أرييل كرم، أقام احتفالًا بما تصفه إسرائيل بـ"عيد الاستقلال"، وهو يوم احتلال فلسطين عام 1948، وذلك في العاصمة نواكشوط، وبمشاركة واسعة من المسؤولين الموريتانيين.
هذا المستوى من الانفتاح بين الطرفين عُدّ سابقة بين إسرائيل ودولة عربية خارج إطار "السلام الرسمي"، وساهم في تعزيز الشراكة على مستويات أمنية واقتصادية متعددة، رغم اتساع رقعة المعارضة الداخلية في موريتانيا للتطبيع، وارتفاع منسوب الاحتجاجات الشعبية آنذاك.
الانقلاب وقطع العلاقات
بعد الانقلاب على الرئيس الموريتاني معاوية ولد الطايع عام 2005، شدّد المجلس العسكري الحاكم على التزامه بجميع المعاهدات والاتفاقيات السابقة، بما في ذلك تلك المُبرمة مع إسرائيل.
لكنّ الموقف الرسمي تغيّر جذريًا في يناير/ كانون الثاني 2009، إثر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وما أعقبه من احتجاجات شعبية عارمة اجتاحت مختلف المدن الموريتانية. تحت ضغط هذه التحركات، أعلنت نواكشوط تجميد علاقاتها مع تل أبيب، وسارعت إلى استدعاء سفيرها، كما طردت موظفي السفارة الإسرائيلية في نواكشوط، لتنتهي بذلك العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين بشكل رسمي اعتبارًا من 21 مارس/ آذار 2010.
وشهد البلدان خلال سنوات التطبيع بينهما تعاونًا وثيقًا على الصعيدين الأمني والاستخباري، وبلغ عدد الخبراء الأمنيين الإسرائيليين في موريتانيا في بعض الفترات نحو مائة خبير، بحسب تقارير متداولة، ما يعكس حجم التعاون الذي بلغته العلاقات الثنائية قبل أن تنقطع.
ورغم عودة القطيعة رسميًا، بقيت قضية التطبيع محلّ جدل داخلي واسع، فقد أصدر نحو 200 من العلماء والأئمة الموريتانيين في فبراير/ شباط 2021 فتوى جماعية تُحرّم التطبيع مع إسرائيل، وتُعدّ العلاقة مع من وصفوه بـ"الكيان الغاصب لفلسطين والمحتلّ لبيت المقدس وأكنافه" بأنها حرام ولا تجوز بأيّ حال من الأحوال. وطالب العلماء الحكومة الموريتانية بالالتزام بما سبق أن أعلنته من رفضها إعادة العلاقات مع إسرائيل.