من قلب الصحراء الجزائرية، يواصل فن "التيندي" الحفاظ على حضوره بوصفه أحد أبرز ألوان التراث الموسيقي للطوارق.
ويجمع هذا الفن بين إيقاع المهراس والغناء الجماعي، مع حضور بارز للنساء، فيما تعمل فرق وفنانون من الجيل الجديد على مزجه بآلات وأنماط موسيقية حديثة ضمن ما يعرف بـ"بلوز الصحراء"، في محاولة للحفاظ على الموروث الطوارقي وتقديمه إلى جمهور أوسع.
وفي قلب هذا الفن آلة تحمل الاسم نفسه، تقوم على مهراس للحبوب يُشد الجلد على فتحته، ليتحول إلى آلة إيقاعية ترافق الغناء. وللنساء حضور أساسي في هذا الفن، من العزف إلى الغناء الجماعي، فيما ارتبط التندي بالمناسبات الاجتماعية والاحتفالات التقليدية، وظل جزءًا من الموروث الموسيقي الذي تناقلته المجتمعات الطوارقية.
ومن أبرز الأسماء التي حملت هذا الإرث بادي لالا بنت سالم، المولودة في عين قرام عام 1937، والتي عُرفت بعميدة وسفيرة فن التندي. بدأت مسيرتها الاحترافية في ستينيات القرن الماضي، وأسهمت على مدى عقود في التعريف بهذا الفن داخل الجزائر وخارجها.
وبرز أيضًا عثمان بالي، أحد أشهر وجوه الموسيقى الطوارقية وأيقونة فن التندي، فمزج النغم المحلي بالبلوز والجاز والآلات الحديثة، وحمل موسيقاه إلى مسارح عالمية.
واليوم، تواصل فرق من الجنوب الجزائري، بينها "تيكي باون"، استلهام التراث الطوارقي ومزجه بأصوات موسيقية معاصرة ضمن ما يعرف أيضًا بـ"بلوز الصحراء".
كيف حافظ التيندي على حضوره؟
وفي هذا السياق، قال الفنان حسين تكيت، في حديث إلى برنامج "ضفاف" على "العربي 2"، إن التندي "موسيقى أصيلة وطابع تقليدي معروف عندنا في الصحراء الجزائرية"، موضحًا أنه إيقاع تعزف عليه النساء وترقص عليه الجمال.
وأضاف: "ومن هذا الإيقاع استوحينا إيقاعات عصرية، وحولنا هذا الإيقاع إلى آلات عصرية".
بدوره، قال الباي دنة، رئيس فرقة تازيرت للفنون: "طابعنا صحراوي، ونطلق عليه بلوز الصحراء"، موضحًا أن الآلات المستخدمة بينها آلة أفريقية مصنوعة في السنغال، إلى جانب آلات أخرى تستخدم كثيرًا في المنطقة، فضلًا عن الطبول وآلات الإيقاع الأخرى.
وأضاف أن الفرقة تستخدم "ثلاث آلات رئيسية" في عروضها.
من جانبها، قالت الباحثة في التراث الأمازيغي سهيلة عدوى إن التندي ظهر لدى النساء الطوارقيات، إذ كنّ في أوقات الفراغ يمسكن المهراس ويضعن عليه الجلد، ثم يبدأن بالعزف.
وأردفت أن الجمال، عندما كانت تعود من المرعى وتسمع ذلك الصوت، كانت تقترب من المكان وتدور حول العازفات، "ومن هنا بدأ التيندي وأصبح جزءًا من الموسيقى الطوارقية".
كما عرف الطوارق لونًا آخر من الإيقاعات كانت النساء تؤديه في أوقات الحروب.
موسيقى تخرج من قلب الصحراء
من جانبه، أوضح الباي دنة، رئيس فرقة تازيرت للفنون، أنه يكتب الأغاني ويلحنها بنفسه، قائلًا: "نعيش في أجواء الصحراء التي تجعلك تشعر بأن كل مشاعرك تخرج. فتبدأ بكتابة ما تشعر به؛ إذا كانت لديك مشكلة في الحب تكتب عن الحب، وعن جمال الطبيعة، وعن بلادك".
وأضاف أن بعض الأغاني تُكتب بالعربية أيضًا، مشيرًا إلى وجود فنانين وملحنين معروفين في المنطقة.
ولا يقتصر حضور الموسيقى الطوارقية على الإيقاع والتراث، بل تعكس كلماتها قيم المجتمع وتطلعاته، من الحب والأخوة إلى السلام والمحبة والحرية.
ويصف الفنان الشعب الطوارقي بأنه "شعب مسالم ومحب للحياة ولكل شيء إيجابي"، ولذلك ظل الغناء لديه مساحة للتعبير عن الحب والأخوة والسلام والمحبة والحرية.
وهكذا يواصل التندي حضوره في الصحراء الجزائرية، محافظًا على إيقاع قديم، فيما تعيد أجيال جديدة تقديمه بآلات وأساليب موسيقية حديثة، لتبقى موسيقى الطوارق حاضرة بين ذاكرة الصحراء وصوت الحاضر.