السبت 18 أبريل / أبريل 2026

"مولانا" وجدل الخرافة والطغيان.. صورة مصغّرة عن سوريا تحت حكم الأسد

"مولانا" وجدل الخرافة والطغيان.. صورة مصغّرة عن سوريا تحت حكم الأسد محدث 15 مارس 2026

شارك القصة

مولانا من ابرز المسلسلات السورية في موسم دراما رمضان الحالي- موقع تيم حسن على فيسبوك
مولانا من ابرز الاعمال السورية في موسم دراما رمضان الحالي- موقع تيم حسن على فيسبوك
مولانا من ابرز الاعمال السورية في موسم دراما رمضان الحالي- موقع تيم حسن على فيسبوك
الخط
قراءة نقدية في مسلسل "مولانا" بوصفه دراما تستعيد سوريا تحت حكم الأسد، حيث يتجاور القمع مع الخرافة في قرية تبدو صورة مصغّرة عن بلدٍ مأزوم.

في مناخ درامي مشحون بالرموز، يطلّ علينا مسلسل "مولانا"ليقارب دراما الواقع السوري الحديث من زاوية مختلفة، تتصل بالخرافة وتوحش السلطة وصناعة الرموز في المخيال الشعبي لمواجهة الاستبداد.

لا يكتفي العمل الذي أخرجه سامر برقاوي وقام ببطولته تيم حسن وفارس الحلو ومنى واصف ونور علي وآخرون، بتقديم قصية رجل ينتحل هوية غيره ويهرب من ماضٍ مثقل بالعنف، بل يغوص في العمق السوري، ويطرح تساؤلاتٍ جوهرية حول كيفية تشكّل السلطة في المجتمعات المغلقة.

بهذا المعنى، يبدو "مولانا" محاولة درامية لالتقاط صورة مصغّرة عن سوريا في سنواتها الأخيرة تحت حكم نظام بشار الأسد، بين سلطة عسكرية قاهرة، ومجتمع محلّي منهك يبحث عن خلاصه في الأسطورة حين يعجز عن مقاومة الواقع.


يعاين مولانا جدل الخرافة والطغيان في اخر حقبة نظام الاسد- مواقع التواصل
 يعاين "مولانا" جدل الخرافة والطغيان في أواخر حقبة نظام الأسد

ومن هذه الفكرة تحديدًا، ينطلق العمل إلى مساءلة العلاقة الملتبسة بين "البوط العسكري" الذي يحكم الأرض، و"الخرافة" التي تستوطن الرؤوس حين يغيب الأمل، وبكلام أعمّ، بين الخرافة والطغيان. فهل نجح في تحويل هذه الفكرة إلى بناء درامي متماسك؟

يذكر أنّ "مولانا" كان من بين عدد محدود من الأعمال التي لم تتأثر بالحرب على إيران، إذ حظيت بنسبة مشاهدة مرتفعة قبل اندلاعها، وحافظت على مستوى متابعة معقول بعد ذلك.


"مولانا".. جدل الخرافة والطغيان


يبدأ "مولانا" بجابر، المواطن السوري البسيط، وهو يقصد زوج شقيقته معاتبًا إياه بعد ضربها، قبل أن يتحوّل العتاب إلى شجار ينتهي بمقتل الصهر على يد جابر، وهروب الأخير من مسرح الجريمة.

 

في هذه المشاهد القصيرة والمكثفة، نجد أنفسنا أمام طرفَي معادلة السلطة والمجتمع في سوريا خلال حكم الرئيس المخلوع بشّار الأسد. فالصهر ضابط في الأجهزة الأمنية، وعلى ذراعه وشم يحمل صورة الرئيس المخلوع، وجابر مجرد مواطن بسيط تعرّض للقمع والسجن على أيدي النظام.

يهرب جابر إلى منطقة حدودية سورية، وخلال رحلة هروبه يتعرّف في القطار إلى سليم العادل، العائد من كندا إلى ضيعته الحدودية الصغيرة لبيع بيت الأسرة الذي يعود إلى جدٍّ مبروك ذي كرامات.


تدور احداث مولانا في قرية سورية حدودية محكومة بثكنة عسكرية- مواقع التواصل
تدور أحداث "مولانا" في قرية سورية حدودية محكومة بثكنة عسكرية - مواقع التواصل

غير أن الرحلة لا تكتمل إلا بحادث سير غريب يتسبّب به حمار تصطدم به سيارة الأجرة التي أقلّت جابر وسليم العادل، فيموت سليم والسائق، وينجو جابر الذي يجدها فرصة سانحة للإفلات من الجريمة التي ارتكبها، ومن عالمه القديم أيضًا، فيأخذ جواز سفر العادل وهويته ويتقمّص شخصيته، كأنه يولد من جديد باسم آخر وماضٍ آخر.

وما إن يصل إلى القرية حتى يجد نفسه أمام تنويع جديد للمعادلة التي كان محكومًا بها في عالمه القديم. لم تعد الحياة هناك محكومة بالقمع وحده، ولا بالصراع السياسي المباشر فحسب، بل بالقمع معطوفًا على "الخرافة"، حين تغدو آلية الدفاع الوحيدة عن النفس في المجتمعات المحلية الصغيرة الواقعة على الأطراف، لا في متن المجتمع وصراعاته السياسية المباشرة والدامية.


في انتظار المخلّص


يصل جابر إلى القرية فيجدها تنتظر مخلّصها من "الثكنة"، وهي تمركز لقوات النظام استولت على أرض مزروعة بالزيتون تعود إلى أسرة العادل، وتفرض النظام بطريقتها، وتمنع المتسللين من عبور الحدود بإشاعة ثقافة الخوف والقمع حين يقتضي الأمر.

كانت القرية تنتظر أسطورتها التي تؤصّل وجودها من ناحية، باختراع ماضٍ تلعب فيه القداسة دور الحامي والراعي، وتنتظر من ناحية أخرى التحرّر من راهنها استنادًا إلى المقدّس نفسه، وقد تمثّل في سليم العادل، أو جابر بهويته الجديدة، بوصفه حفيد "العارف بالله سليم" الذي عليه أن يحقق النبوءة:

"مع أول مطرة،

"مع أول مطرة، من أول قطفة،

بعد أول عصرة، الزيت بإيده صار دوا (دواء)،

وصارت الناس تحلف باسمه وتناديه مولانا".

تلعب جورية، كبيرة القرية، التي تؤدي دورها منى واصف، دورًا حاسمًا في صناعة الخرافة التي يُراد لها أن تصبح أسطورة، من خلال استحضارها ماضي الجد المبروك العارف بالله سليم وكراماته، وإسقاطها على سليم الجديد.

وتساعدها في ذلك شهلا، التي تؤدي دورها نور علي، شقيقة سليم، لأسباب انتهازية تتصل بالإرث في البداية، قبل أن يحركها الحب لاحقًا، ضمن سياق مشدود إلى الخرافة، ويريدها قائمة حتى إذا لم توجد اخترعها.


فارس الحلو في دور العقيد في مسلسل مولانا- موقع الحلو على فيسبوك
فارس الحلو في دور العقيد في مسلسل "مولانا" - حساب الحلو على فيسبوك

لكنّ هذه القداسة "المدّعاة" سرعان ما تصطدم بالسلطة الخشنة، بالثكنة والعقيد كفاح، الذي يؤدي دوره بإبداع كبير فارس الحلو، ليأخذ الصراع بين "الخرافة" و"السلطة" أبعادًا جديدة تتحرّك على إيقاع الثورة الشعبية على نظام الأسد، من دون حضور مباشر لها في المسلسل، بل عبر إشارات متناثرة إليها.

يتحالف العسكر مع الخرافة ما دامت تخدمهم، ويتصارعون معها عندما تصبح عبئًا عليهم، لتنفجر التناقضات داخل سليم العادل، أو جابر سابقًا، وتبدأ رحلة انتقامه بوصفه ضحية من ضحايا هذا النظام.


ضيعة "عايشة" بين الدجل والعسكر


في أثناء ذلك، تشقّ طريقها قوى مهمّشة، صغيرة لكنها مثقفة ومتمسكة بالقانون، وسط ما يبدو قدر القرية الأزلي: العسكر والخرافة.

ومن هؤلاء مدير المخفر الذي يدخل في صراع مع الثكنة، وهاربون من التجنيد الإجباري، وضباط قلائل متذمّرون من غطرسة العقيد كفاح.

وكذلك، تبرز الطبيبة جمانة، المرتبطة عاطفيًا بضابط الحاجز أنور، والتي يلخّص سؤالها الاستهجاني له، جوهر أزمة القرية، وربما سوريا برمّتها.

"شو هالضيعة اللي عايشة بين الدجل والعسكر؟!"

لكن هل وُفق المسلسل في مقاربة فكرته؟


بمشهديات باذخة الجمال، وزوايا تصوير بالغة الذكاء، أدار سامر برقاوي كادره ومشاهده في الحلقات الأولى التي بدت مكثفة ومتماسكة أكثر على الصعيد الدرامي، قبل أن ينفرط عقد التطور الدرامي مع التوسع في القصص الموازية، وبعضها بدا بلا ضرورة حقيقية، وكاد يكون مجانيًا.

ولعلّ الأسوأ من ذلك كان تراجع أداء تيم حسن، في دور سليم أو جابر سابقًا، على نحو مؤسف، مع تغليب نجوميته أحيانًا على مقتضيات الشخصية، سواء عبر إطلاقه بعض الجمل المصمّمة لتبدو لامعة بحد ذاتها (ما يسمّى "أفيهات" خاصة به)، أو عبر حركات وإيماءات بدا أنّها تهدف إلى تكريس صورة ما يعتقد إنه نمط شخصيته الجديدة.


مشهديات باذخة واضطراب في البناء الدرامي لمسلسل مولانا- مواقع التواصل
 مشهديات باذخة واضطراب في البناء الدرامي لمسلسل "مولانا" - مواقع التواصل

وفي هذا، بدا وكأنه يغازل المشاهد بوصفه "نجمًا"، لا ممثلًا يسلّم نفسه لشخصية لها إكراهاتها وبناؤها الدرامي الخاص، والمنفصل بطبيعته عن صورة الممثل المسبقة في ذهن الجمهور، والمتصل بالضرورة بالبناء العام للعمل.

وزاد الأمر سوءًا تعمّد الإطالة على حساب التطور الدرامي، بما أهدر ذروات كان يفترض أن تقود إليها الأحداث، لصالح وقائع صغيرة تتناسل من دون وظيفة واضحة داخل البناء.


فارس الحلو.. الشخصية الأكثر اكتمالًا في "مولانا"


لكنّ ذلك كلّه لا ينطبق على المشاهد الخاصة بالعقيد كفاح (فارس الحلو).

فبناء شخصية العقيد جاء محكمًا وذكيًا وحمّال دلالات، من دون أن يهدر واقعية الشخصية والأحداث المرتبطة بها، وبأداء فذّ من واحد من أهم ممثلي الدراما السورية، حتى لو لم تتوافر له شروط النجومية بالمفهوم التجاري، فالنجومية ليست الإبداع في نهاية المطاف.

يعود فارس الحلو الى الشاشة الصغيرة بعد نحو 15 سنة من الثورة والمنفى الاختياري- موقع الحلو على فيسبوك
يعود فارس الحلو إلى الشاشة الصغيرة بعد نحو 15 سنة من الثورة والمنفى الاختياري - موقع الحلو على فيسبوك

عاد الحلو بعد نحو خمسة عشر عامًا من الغياب عن السينما والمسرح والشاشة الصغيرة، بشخصية العقيد كفاح التي تتناقض تمامًا مع شخصيته الحقيقية، بما يؤكد قدراته الإبداعية الاستثنائية.

والحلو من أوائل الفنانين الذين التحقوا بالثورة على نظام الرئيس المخلوع بشّار الأسد، وتعرّض بسبب ذلك لتهديدات بالقتل، ما اضطره، إضافة إلى أسباب أخرى، إلى مغادرة بلاده وورشة البستان للثقافة والفنون التي أنشأها، إلى باريس، مواصلًا من هناك معارضته الجذرية لنظام الأسد.

وفي سجل الحلو، المولود عام 1961 في طرطوس، إضافة إلى المسلسلات، عدد قليل لكنه بالغ التميّز من الأفلام، وأبرزها دوره الذي يكاد لا يُضاهى في تحفة المخرج محمد ملص السينمائية "الليل"، إنتاج عام 1992.

وفي هذا الفيلم، يقدّم الحلو دور الثائر السوري الذي يلتحق في ثلاثينيات القرن الماضي بالمتطوعين للقتال في فلسطين، وصولًا إلى سقوط القنيطرة تحت الاحتلال الإسرائيلي، بلغة سينمائية تمزج بين الحلم والواقعية الخشنة، في عمل لا يزال حتى اليوم واحدًا من أهم ما أنتجته السينما العربية.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من