احتاجت النسخة الأكبر في تاريخ البطولة إلى ثلاث دول و16 مدينة وأربع مناطق زمنية و48 منتخبًا كي تبلغ النهائي، حيث سجّل البديل فيران توريس هدف الفوز على الأرجنتين في الدقيقة 106.
لم يكن النهائي أجمل مباريات المونديال، لكنه منح الكأس للمنتخب الأكثر اكتمالًا واتساقًا فيه.
سيطرت إسبانيا على المباراة بأكثر مما توحي النتيجة، إذ سدّدت 20 مرة مقابل تسديدتين فقط للأرجنتين، ومنعت حاملة اللقب من أي تسديدة خلال الوقت الأصلي، في سابقة بنهائيات كأس العالم.
غاب ليونيل ميسي ولامين يامال عن التأثير المنتظر، قبل أن يغيّر توريس ونيكو وليامز إيقاع اللقاء من مقاعد البدلاء، فيما أنهت الأرجنتين المباراة بعشرة لاعبين بعد طرد إنزو فرنانديز في الوقت بدل الضائع.
أكمل اللقب المونديالي المسار الذي بدأته إسبانيا في كأس أوروبا 2024، ورفع سجلها إلى 38 مباراة من دون هزيمة. كما لخّصت الجوائز الفردية طبيعة تفوّقها الجماعي، بعدما فاز القائد رودري بجائزة أفضل لاعب في البطولة، وأوناي سيمون بجائزة أفضل حارس، والمدافع باو كوبارسي بجائزة أفضل لاعب شاب.
في المقابل، تحوّلت "الشمولية" التي روّج لها الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" إلى مفهوم انتقائي أحيانًا، إذ اتسعت فرصة اللعب، فيما ضاقت فرصة المشاهدة أمام جمهور اصطدم بأسعار غير مسبوقة وقيود التأشيرات والمسافات الشاسعة.
اختبار الـ48 منتخبًا
سبقت البطولة مخاوف من أن تنتج التوسعة مباريات من طرف واحد ومجموعات مثقلة بمنتخبات لا تملك مستوى المنافسة. لكنّ الجولة الأولى بدت وكأنها رد مباشر على هذه المخاوف.
- فرض الرأس الأخضر، في ظهوره الأول، تعادلًا سلبيًا على إسبانيا رغم استحواذ الأخيرة على 74% من الكرة.
- أجبرت جمهورية الكونغو الديمقراطية البرتغال على التعادل، رغم إكمال المنتخب البرتغالي 740 تمريرة، مقابل تسديدة واحدة فقط على المرمى للمنتخب الإفريقي.
- حصدت قطر أول نقطة في تاريخها المونديالي.
تكرّس الانطباع في دور الـ32، حين أقصت باراغواي ألمانيا، وأخرج المغرب هولندا بركلات الترجيح. أضاف الدور المستحدث مساحة فعلية للمفاجآت، وجعل وقوع الكبار في مباراة سيئة أكثر كلفة. لكن البطولة أعادت تثبيت هرمها القديم كلما اقتربت من النهاية، إذ وصلت إسبانيا والأرجنتين وإنكلترا وفرنسا، وهي المنتخبات الأربعة الأعلى تصنيفًا، إلى نصف النهائي، بعدما أسهم نظام القرعة الذي اعتمده "فيفا" في وضعها على مسارات منفصلة حتى الأدوار الأخيرة.[1]
أفرزت الصيغة الجديدة مشكلة أخرى في دور المجموعات. فمن أصل 48 منتخبًا، يتأهل 32 إلى دور الـ32: صاحبا المركزين الأول والثاني في كل مجموعة، وأفضل ثمانية منتخبات تحتل المركز الثالث. أبقى ذلك ثلثَي المشاركين في المنافسة حتى الجولة الأخيرة، لكنه عقّد حسابات التأهل وأخلّ بتكافؤ الفرص.
اضطرت بعض المنتخبات إلى الانتظار أيامًا لمعرفة مصيرها، فيما دخلت منتخبات أخرى مبارياتها وهي تعرف النتائج المطلوبة منها. كما جعل استحداث دور الـ32 الطريق إلى الكأس أطول، إذ بات المنتخب الأقل ترشيحًا مطالبًا بتجاوز أربعة أدوار إقصائية متتالية، وهي مهمة تمنح الأفضلية تدريجيًا للمنتخبات التي تملك قوائم أعمق وخيارات أكثر.
هكذا زادت التوسعة فرص وقوع المفاجأة، من دون أن تزيد بالقدر نفسه فرص استمرار أصحابها حتى نهاية البطولة.
قدّمت المنتخبات الأقل ترشيحًا مفاجآت مبكرة في أول نسخة من كأس العالم بمشاركة 48 منتخبًا - غيتي
حضور أوسع.. وسقف لم يتغيّر
كانت إفريقيا المستفيد الرياضي الأوضح، إذ عبرت تسعة من منتخباتها العشرة دور المجموعات، باستثناء تونس.
بلغ المغرب ربع النهائي بعد إقصاء هولندا، فيما وصلت مصر إلى دور الـ16 وحققت فوزها الأول في تاريخ مشاركاتها، قبل أن تهدر تقدمها بنتيجة 2-0 أمام الأرجنتين في الدقائق الـ11 الأخيرة، وتخسر 3-2 وسط جدل تحكيمي.
عربيًا، حملت مشاركة ثمانية منتخبات قيمة تاريخية ورمزية، خصوصًا مع الظهور الأول للأردن وعودة العراق بعد أربعة عقود.
لكن الحصيلة التنافسية بقيت متفاوتة، إذ وصل المغرب ومصر والجزائر إلى الأدوار الإقصائية، فيما اكتفت بقية المنتخبات بلحظات متفرقة، من بينها نقطة قطر الأولى وهدف الأردن في مرمى الأرجنتين.
لا يقلّل ذلك من أهمية الحضور، لأنه منح اللاعبين والجماهير خبرة لا تُكتسب في التصفيات القارية.
وفي حين توسّعت المشاركة جغرافيًا، ازدادت منظومة إنتاج اللاعبين النخبويين تمركزًا، حيث أظهر تحليل لوكالة "رويترز" أن 464 لاعبًا من أصل 1248، أي 37% من المشاركين، ينشطون في الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى[2] (الإنكليزي والإسباني والألماني والإيطالي والفرنسي).
بطولة أطول وأثقل
رفعت الصيغة الجديدة عدد المباريات من 64 إلى 104، وأضافت أكثر من عشرة أيام إلى الجدول، وأصبح على طرفَي النهائي خوض ثماني مباريات للفوز بالكأس بدلًا من سبع.
لم يكن العبء حسابيًا فقط، إذ أُقيمت البطولة بعد موسم أندية طويل، وفُرضت على بعض المنتخبات رحلات بين مدن تفصلها آلاف الكيلومترات وفروق كبيرة في الحرارة والارتفاع والتوقيت.
لذلك، أدار المدربون الطاقة بقدر ما أداروا المباريات، واعتمدوا التدوير والحذر في أدوار كان يُفترض أن تدفعهم إلى الهجوم.
أدخل "فيفا" استراحتَي ترطيب إلزاميتين، مدة كل منهما ثلاث دقائق، في جميع المباريات، حتى تلك التي أُقيمت في أجواء معتدلة أو ملاعب مغطاة. احتاج اللاعبون إليها في الحر الشديد، لكن تطبيقها الموحّد قسّم المباراة عمليًا إلى أربعة أرباع وأثار اعتراض مدربين ولاعبين وجماهير.
لم يقتصر الخلاف على الشعور بالحر، وإنما شمل العتبة التي يصبح عندها اللعب خطرًا. فقد خلص تحليل لصحيفة "ذا غارديان" إلى أن قرابة مباراة من كل خمس أُقيمت في ظروف تتجاوز المستوى الذي ينصح اتحاد اللاعبين المحترفين "فيفبرو" عنده بالتأجيل.[4]
شكّلت العواصف وجهًا آخر للمشكلة، إذ توقفت مباراة فرنسا والعراق لنحو ساعتين بسبب البرق.
بلغت إعادة تشكيل اللعبة على الطريقة الأميركية ذروتها في النهائي، حيث امتدت استراحة ما بين الشوطين إلى 27 دقيقة لإقامة عرض موسيقي ضخم، فيما حصل لاعبو إسبانيا على خواتم تذكارية على طريقة أبطال الدوريات الأميركية.
بدت هذه التفاصيل احتفالية، لكنها انسجمت مع بطولة ازدادت فيها مساحة العروض والفواصل بقدر ازدياد عدد المباريات واتساع السوق.
نجاح جماهيري.. وتجربة غير متجانسة
استقبلت ملاعب كأس العالم 6,810,966 متفرجًا، بمتوسط تخطّى 65 ألف متفرج للمباراة، فيما شهدت البطولة تسجيل 308 أهداف.[5]
الرقم التراكمي قياسي حكمًا لأن عدد المباريات ارتفع من 64 إلى 104، لكن المتوسط المرتفع ونسبة الإشغال التي بلغت 99.7% في المباريات[6] يؤكدان نجاح الرهان على شهية السوق الأميركية.
غير أن "الاستضافة الثلاثية" لم تنتج تجربة متجانسة. استضافت الولايات المتحدة 78 مباراة في 11 مدينة، مقابل 13 مباراة لكل من المكسيك وكندا، واحتكرت جميع المباريات من ربع النهائي فصاعدًا.
تفاوتت الأجواء بين مدن احتضنت الجماهير في مراكزها، وأخرى بقيت ملاعبها معزولة وسط مساحات مصممة للسيارات. وسجّلت شبكات النقل العام أرقام استخدام مرتفعة، رغم أن الوصول إلى بعض الملاعب بقي طويلًا ومكلفًا.[7]
بدلًا من مونديال يستطيع الجمهور أن يعيش إيقاعه في مدينة أو إقليم، عاش كثيرون سلسلة رحلات جوية وحجوزات منفصلة.
كانت البطولة واحدة في جدولها، لكنها لم تكن تجربة واحدة لمن حضرها.
حتى العائد على الدول المضيفة لم يتوزّع بقدر اتساع الحدث. ففي المكسيك، حيث أقيم الافتتاح و13 مباراة، قدّر محللون الأثر الاقتصادي بنحو مليارَي دولار فقط، وجاء عدد الوظائف المؤقتة أدنى من المتوقع، فيما لم تستفد قطاعات الفنادق والمطاعم بالقدر الموعود.[8.
مونديال "القلة السعيدة"
لا يعني امتلاء الملاعب أن البطولة كانت متاحة للجميع. فقد بدأت أسعار تذاكر مباريات دور المجموعات من 575 دولارًا، أي أكثر من ضعفَي السعر المقابل للفئة نفسها في قطر، قبل أن يدفع التسعير الديناميكي الأرقام إلى مستويات أعلى.
وصفت منظمة "مشجعو كرة القدم في أوروبا" البطولة بأنها مونديال لـ"قلة سعيدة" تملك القدرة الشرائية وجوازات السفر المناسبة.[9]
في المقابل، قال رئيس "فيفا"، جياني إنفانتينو، إن إيرادات البطولة قد تبلغ 15 مليار دولار، متجاوزةً التقديرات الأصلية البالغة 11 مليارًا، مع استفادة "فيفا" من رسوم نسبتها 15% على كل من البائع والمشتري في سوق إعادة البيع.[10]
إلى جانب حاجز المال، جاءت قيود دخول الولايات المتحدة. فقد عجز مشجعون من دول مثل المغرب ومصر والأردن والعراق وأوزبكستان عن الحصول على تأشيرات، فيما حُرم الحكم الصومالي عمر عبد القادر عرتن من الدخول رغم امتلاكه تأشيرة صالحة.[11].
اتسعت خريطة المنتخبات المشاركة، لكن الوصول إلى المدرجات بقي محكومًا بالمال والجواز ومكان الولادة.
فاتورة السفر والمناخ
جنّبت الملاعب القائمة الدول المضيفة كلفة إنشاءات هائلة، لكنها لم تجعل البطولة منخفضة الأثر البيئي. فقد قدّرت منصة "غرينلي" للمحاسبة الكربونية انبعاثات المونديال بنحو 7.8 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون، أي أكثر من ضعفَي تقديرات نسخة قطر، فيما قد يكون السفر مسؤولًا عن 87% منها.
يمتد الانتقال من فانكوفر إلى ميامي مثلًا نحو 4500 كيلومتر، ولم تكن التجمعات الجغرافية التي اعتمدها المنظمون كافية لمنع الرحلات الطويلة للمنتخبات والجماهير والإعلام.[12]
ورغم أن دول أميركا الشمالية لم تحتج إلى بناء مدن وملاعب من أجل إقامة البطولة، فإنها قدّمت نموذجًا يعتمد على التنقّل الجوي المستمر داخل قارة.
ترمب.. المضيف الذي أراد مساحة أكبر
كانت البطولة مشتركة على الورق وأميركية في مركزها السياسي. لم يكتفِ الرئيس دونالد ترمب بدور رئيس الدولة المضيفة، بل تدخّل في واحدة من أكثر قضايا البطولة حساسية حين طلب من إنفانتينو مراجعة البطاقة الحمراء التي تلقّاها المهاجم الأميركي فولارين بالوغون أمام البوسنة والهرسك.
عُلّقت لاحقًا عقوبة إيقاف اللاعب مباراة واحدة بقرار غير مألوف، فيما أصرّ "فيفا" على استقلال لجنته التأديبية.[14]
امتد حضور ترمب من التأشيرات وحملات الهجرة إلى تهديده السابق بنقل مباريات من مدن يديرها ديمقراطيون، ثم اقتراحه أن تستضيف الولايات المتحدة نسخة 2038 وحدها،[15] قائلًا إن بلاده ستترك المكسيك وكندا خارجها في المرة المقبلة، بعد أيام من تبادل المديح مع إنفانتينو.
قدّمت المباراة النهائية الخلاصة الأوضح لذلك، إذ وصل ترمب إلى الملعب بمروحية، ودخل أرض الملعب إلى جانب إنفانتينو وسط صيحات استهجان مرتفعة. ثم وضع الميداليات في أعناق لاعبي إسبانيا وسلّمهم الكأس، في لحظة حملت مفارقة سياسية لافتة بعد هجومه المتكرر على الحكومة الإسبانية[16] في ذروة خلافهما بشأن الإنفاق الدفاعي والحرب على إيران.
- بقي ترمب في منتصف منصة التتويج بين اللاعبين الإسبان إلى أن طُلب منه التنحي جانبًا قبل لحظات من رفع القائد رودري الكأس.
- بهذا المشهد اختُتم المونديال كما بدأ سياسيًا، مع رئيس أراد أن يكون أكثر من مضيف، ورئيس اتحاد أتاح له تلك المساحة.
ماذا ربحت كرة القدم؟
لن يعود السؤال بعد هذه النسخة عمّا إذا كان ممكنًا تنظيم كأس عالم من 48 منتخبًا، إذ جرى ذلك من دون الانهيار الرياضي الذي توقّعه كثيرون. وقدّمت المنتخبات الجديدة مباريات وقصصًا تستحق مكانها، فيما جاء تتويج إسبانيا، بعد ثماني مباريات وأداء جماعي متماسك، منسجمًا مع المسار الرياضي للبطولة.
غير أن المشكلة ظهرت في نوع المونديال الذي أنتجه التوسّع، إذ كان أطول وأغلى وأثقل على اللاعبين والمناخ، وأكثر اعتمادًا على السفر والسوق والسلطة السياسية للدولة المضيفة.
ويدرس "فيفا" الآن فكرة توسعة البطولة مرة أخرى إلى 64 منتخبًا،[17] وستمنحه نسخة 2026 حججًا جاهزة: مدرجات ممتلئة، وإيرادات قياسية، ودول جديدة أثبتت قدرتها على المنافسة.
المراجع