لا تتبدّل موائد الطعام فقط في بداية شهر رمضان بل تتغيّر أيضًا ساعات العمل، وأنماط الإنتاج، وحتى المزاج العام داخل المؤسسات.
وفي عدد من الدول العربية، تُخفَّض ساعات الدوام رسميًا خلال الشهر، فيما تعمد شركات خاصة إلى تعديل جداول العمل لتتناسب مع أوقات الصيام.
لكن هل تتراجع الإنتاجية فعلًا في رمضان؟
تقليص الساعات… لا يعني بالضرورة انخفاض الإنتاج. ففي دول خليجية عدة، يُخفَّض الدوام في القطاع الحكومي عادة إلى خمس أو ست ساعات يوميًا. والهدف المعلن هو مراعاة خصوصية الصيام. غير أن تقليص الوقت لا يساوي تلقائيًا تراجع الإنجاز.
في السعودية، على سبيل المثال، ينصّ نظام الخدمة المدنية على تقليص ساعات العمل في القطاع الحكومي إلى خمس ساعات يوميًا خلال الشهر.
وفي الإمارات وقطر والكويت، تُخفَّض ساعات العمل عادة بين ساعتين إلى ثلاث ساعات في القطاعين العام والخاص.
ففي بعض القطاعات الحكومية، تُشير تقارير محلية في دول الخليج إلى انخفاض عدد المعاملات المنجزة يوميًا بنسبة تتراوح بين 10% و20% في الأسبوع الأول من رمضان، قبل أن تعود المعدلات إلى الاستقرار في منتصف الشهر.
وفي بعض القطاعات، يُلاحظ أنّ ساعات الصباح الأولى تكون أكثر تركيزًا وحسمًا في اتخاذ القرار، خصوصًا قبل الشعور بالإرهاق أو الجوع. وغالبًا ما تظهر المشكلة في الساعات المتأخرة من الدوام، حيث ينخفض مستوى الطاقة.
العامل الحاسم: النوم لا الصيام
وتُشير أبحاث في سلوك العمل إلى أنّ تأثير الصيام نفسه محدود نسبيًا على الأداء الذهني لدى الأصحاء، فيما يكون اضطراب النوم هو العامل الأكثر تأثيرًا.
كما يخلق السهر الطويل، ثم الاستيقاظ المبكر، نمطًا من الإرهاق المتراكم، خصوصًا في الأسبوع الأول من الشهر. بمعنى آخر، ليست المشكلة في الامتناع عن الطعام لساعات، بل في إعادة توزيع ساعات الراحة.
كما تُشير دراسات طبية وسلوكية إلى أنّ تأثير الصيام ذاته على الأداء الذهني محدود لدى الأصحاء، بينما يرتبط التراجع في التركيز غالبًا بنقص النوم أو اضطرابه.
وفي استطلاعات داخلية أجرتها بعض الشركات الخاصة في الخليج، أفاد موظفون بأنّ ساعات الصباح الأولى (من بداية الدوام حتى ما قبل الظهر) تكون الأعلى تركيزًا، فيما ينخفض الأداء في الساعة الأخيرة قبل انتهاء العمل.
قطاعات عمل نشطة
نجد في شهر رمضان أنّ هناك قطاعات تشهد نشاطًا أكبر في رمضان، مثل:
-
خدمات التوصيل،
-
المطاعم التي تعمل ليلًا
-
قطاع الإعلام والإعلانات.
وتُسجّل تطبيقات توصيل الطعام في السعودية والإمارات زيادة في الطلب تتجاوز 30% خلال رمضان مقارنة ببقية السنة.
وفي مصر، تشير بيانات شركات تجارة التجزئة إلى ارتفاع مبيعات المواد الغذائية بنسبة قد تصل إلى 40% في الأسبوعين الأولين من الشهر.
ويشهد قطاع الإعلانات ذروة إنفاق سنوية في رمضان، إذ يُعدّ الموسم الأعلى مشاهدة تلفزيونيًا في عدة دول عربية.
في المقابل، قد تشهد قطاعات إدارية تقليدية بطئًا نسبيًا في المعاملات، نتيجة تقليص الدوام أو تغيّر الإيقاع اليومي.
بين الانطباع والواقع
كما وهناك أيضًا عامل نفسي/ ثقافي. ففي بعض البيئات، إذ يترسّخ اعتقاد بأن رمضان شهر "انخفاض الإنتاج"، ما يؤثر على توقعات الأداء. لكن في مؤسسات تعتمد مؤشرات قياس واضحة، لا تظهر دائمًا فروقات كبيرة في النتائج النهائية، بل في توزيع الجهد على ساعات اليوم.
ومع توسّع الاقتصاد الرقمي، بدأت بعض الشركات تعتمد نمطًا أكثر مرونة في رمضان، يسمح بالعمل مساءً أو من المنزل. هذا التحوّل يخفف من ضغط الساعات الصباحية، ويعيد توزيع الإنتاج على فترة أطول.
إعادة توزيع الجهد
في مؤسسات تعتمد مؤشرات أداء واضحة (KPIs)، لا يظهر بالضرورة انخفاض في النتائج الشهرية، بل تغيّر في طريقة توزيع العمل:
-
تقليل الاجتماعات الطويلة
-
تركيز المهام المعقدة في الصباح
-
تأجيل بعض الأعمال غير العاجلة
بمعنى آخر، لا يتوقف العمل، بل يعاد تنظيمه.
الاقتصاد الليلي.. تعويض ضمني
وفي مدن تنشط ليلًا خلال الشهر، يتحوّل المساء إلى وقت عمل فعلي لبعض القطاعات، بدل أن يكون وقت استراحة فقط.
ففي مدن مثل دبي والرياض والدوحة، يمتد النشاط التجاري إلى ما بعد منتصف الليل خلال رمضان. وتفتح بعض المراكز التجارية حتى الساعة الواحدة أو الثانية صباحًا، ما يخلق دورة اقتصادية موازية خارج ساعات الدوام التقليدية.
هذا التمديد في الزمن الاقتصادي يعوّض جزئيًا تقليص ساعات العمل النهارية في قطاعات أخرى.
ومع ذلك يبقى الفارق الحقيقي في طريقة التنظيم. المؤسسات التي تعيد ترتيب الاجتماعات والمهام بما يتناسب مع ساعات التركيز الأعلى غالبًا ما تتجنب انخفاض الأداء. أما تلك التي تُبقي الجدول كما هو طوال السنة، فقد تواجه صعوبة أكبر.
وبالنتيجة، رمضان لا يوقف عجلة الاقتصاد، لكنّه يُعيد توزيعها. فالفرق لا يصنعه الصيام بقدر ما تصنعه طريقة إدارة الوقت.