الأربعاء 22 يوليو / يوليو 2026
Close

نتنياهو والثأر من العماليق.. الخطاب الديني الإسرائيلي لتبرير إبادة غزة

نتنياهو والثأر من العماليق.. الخطاب الديني الإسرائيلي لتبرير إبادة غزة محدث 02 يوليو 2026

شارك القصة

حوّل نتنياهو رواية "العماليق" إلى جزء من الخطاب السياسي الإسرائيلي خلال حرب غزة - غيتي
حوّل نتنياهو رواية "العماليق" إلى جزء من الخطاب السياسي الإسرائيلي خلال حرب غزة - غيتي
حوّل نتنياهو رواية "العماليق" إلى جزء من الخطاب السياسي الإسرائيلي خلال حرب غزة - غيتي
الخط
استُدعي مصطلح "العماليق" في الخطاب الإسرائيلي خلال حرب غزة، ليحوّل الفلسطينيين إلى عدو توراتي يُجرَّد من إنسانيته ويُقدَّم كتهديد وجودي.

في أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2023، ومع انطلاق عملية "طوفان الأقصى"، بدأت إسرائيل عدوانًا واسع النطاق على قطاع غزة. ومنذ اليوم الأول لهذه الحرب، لم يكن السلاح وحده حاضرًا في المشهد، بل رافقه خطاب رسمي وإعلامي وشعبي استدعى الروايات الدينية، واستخدمها أساسًا ومبررًا للعمليات العسكرية في غزة.

حوّل هذا الخطاب الديني الحرب إلى حملة أيديولوجية، تستند إلى سردية توراتية عمرها آلاف السنين، برز خلالها مصطلح "العماليق" بوصفه واحدًا من أكثر المفاهيم حضورًا في تبرير العنف الممنهج ضد الفلسطينيين.

وفي هذا الإطار، رصد فريق برنامج "مهمة صحفية" عبر التلفزيون العربي، في تحقيق مبني على المصادر المفتوحة، تصاعد الرواية الدينية في الإعلام الإسرائيلي والشارع ومنصات التواصل، وكيف انعكس هذا التصعيد على الحرب في غزة وخطابها وممارساتها.



الجذور التاريخية ومفهوم "العماليق"


تشرح مديرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية هنيدة غانم أن التأصيل الديني لمصطلح "العماليق" يعود إلى ذكرهم في أكثر من موضع في التوراة، حيث يُقدَّمون بوصفهم الشعب الذي هاجم بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر، وعُرف، بحسب الرواية التوراتية، بالشر والاعتداء على الضعفاء، لذلك ارتبط اسمه بأمر إلهي بالقضاء عليه وعدم إبقاء أي ذكر له.

وخلال الحرب على غزة، أُعيد إحياء "العماليق"، القبيلة التي ورد ذكرها في سفر التثنية بوصفها عدوًا أزليًا لليهود، واستُخدم المصطلح سلاحًا أيديولوجيًا لتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وتصويرهم كتهديد وجودي يجب محوه.

بهذا المعنى، ومن وجهة النظر الإسرائيلية التي يرصدها التحقيق، لم يعد "العماليق" اسمًا لقبيلة قديمة، بل تحوّل إلى صفة تُلصق بالعدو الذي لا تكفي هزيمته، بل يجب تدميره.

ويشرح أستاذ فلسفة القانون رائف زريق هذا التحول بالقول إن الفرق الأساسي بين العدو العادي و"العماليق" هو أن العدو العادي يجب الانتصار عليه، أما "العماليق" الذي يجسد الشر المطلق، فلا يُكتفى بالانتصار عليه أو هزيمته، بل تجب إبادته، وتصبح هذه الإبادة في الخطاب الديني والسياسي ليست أمرًا مسموحًا به فحسب، بل نوعًا من الفريضة أيضًا.


تصاعد الخطاب الديني في الأرقام


لفهم جذور تفاعل الشارع الإسرائيلي مع فكرة "العماليق"، توجّه فريق "مهمة صحفية" إلى فرنسا لمقابلة البروفيسور في الدراسات الإسرائيلية تمير سوريك، الذي يشير إلى أن من يتابع المجتمع ووسائل الإعلام الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يلاحظ موجة عارمة تدعو إلى تصفية الفلسطينيين في قطاع غزة وإبادتهم.

تفاخر الجنود الإسرائيليون بتدميرهم لغزة وقتلهم للفلسطينيين
تفاخر الجنود الإسرائيليون بتدميرهم لغزة وقتلهم للفلسطينيين - المركز الفلسطيني للإعلام 

يقول سوريك إن من المتكرر جدًا سماع مسوغات دينية مرفقة بهذه الدعوات، تُستخدم فيها آيات وقصص من الكتاب المقدس والتوراة، ولا سيما الحالة الأكثر شهرة، وهي حالة "العماليق".

وخلال الحرب على غزة، استخدمت مصطلحات مثل "الأرض الموعودة"، و"العماليق"، و"إسرائيل الكبرى"، وغيرها، على نطاق واسع، وعلى مستويات متعددة في إسرائيل.


راجع فريق التحقيق آلاف الحسابات الإسرائيلية على منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة لدراسة مدى شيوع استخدام الخطاب الديني لتبرير الحرب، وخلص إلى نتائج لافتة:

  • تضاعف استخدام تعبيري "الأرض الموعودة" و"إسرائيل الكبرى" لأكثر من أربعة أضعاف بعد السابع من أكتوبر.
  • ازدادت نسبة استخدام سردية "أبناء النور مقابل أبناء الظلام" بمعدل 240%.
  • ارتفع استخدام مصطلح "الفلشتيم" بمعدل 376%، في إحالة إلى قبيلة وثنية اصطدم بها بنو إسرائيل قديمًا، وجرى تحويل اسمها للإشارة إلى الفلسطينيين بهدف الربط بينهم وبين روايات توراتية عن وجوب قتالهم.
  • ارتفع عدد المنشورات العبرية التي استخدمت مصطلح "العماليق" من 32 ألف منشور قبل الحرب إلى 71 ألف منشور خلالها، بزيادة بلغت 122%.

ولم يكن الارتفاع في عدد المنشورات وحده هو المؤشر الأبرز، إذ قفز الوصول المحتمل لهذه المنشورات من 57 مليونًا إلى 350 مليونًا، أي بزيادة تجاوزت 514%، ما عزز فرضية الاستخدام الواعي والمقصود للخطاب الديني في إسرائيل.


ويربط تمير سوريك بين هذا الاستدعاء الديني والسياق الاستعماري الاستيطاني، قائلًا إن ما جعل هذه النصوص بمثابة توجيهات لكيفية التصرف في الأيام الحالية هو طبيعة المشروع الصهيوني بوصفه مشروعًا استعماريًا استيطانيًا يهدف إلى استبدال سكان بآخرين.

وفي الحالة الصهيونية، يضيف سوريك، كان من المفترض أن يحل الشعب اليهودي محل الجسد الفلسطيني، ولأن الديمغرافيا تتحول إلى سلاح، يصبح من الصعب جدًا التمييز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية، لذلك يطور مجتمع المستوطنين مستوى عاليًا من التوتر، لأنه يدرك أن أي فرد منه قد يكون هدفًا محتملًا.


نتنياهو والاستدعاء الرسمي للعماليق


كان الاستخدام الأبرز لمصطلح "العماليق" على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في خطاب ألقاه في وقت مبكر من عمر الحرب، في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حين قال مخاطبًا الإسرائيليين والجنود:

"نحن نتذكر ونحن نحارب، جنودنا الأبطال الموجودون الآن في غزة أو حولها.. اذكروا ما فعله بكم عماليق".

لم تكن هذه مجرد استعارة بلاغية عابرة، بل إشارة واضحة إلى تحويل الصراع إلى حرب ذات بعد ديني، وتوظيف النص الديني ليصبح أداة في يد الدولة.


ويقول رائف زريق إن توظيف الصهيونية للدين اليهودي ولأبعاد معينة من هذا التراث ليس جديدًا، ولا يقتصر على الصهيونية الدينية وحدها. فالصهيونية، بحسب زريق، أخذت اللب الديني وسكبته في وعاء علماني معاصر، لكن جوهر المشروع ظل إعادة إحياء للمشروع الديني واستمرارية له، إنما بحلة سياسية معاصرة وبلغة قومية.

من جهته، يوضح تمير سوريك أن القصة التوراتية عن "العماليق" استُخدمت في الخطاب الصهيوني منذ مراحل مبكرة. ففي عام 1936، عندما ثار الفلسطينيون في ثورة شاملة استمرت أشهرًا، أثارت هذه المقاومة لأول مرة استخدام قصة "العماليق" من قبل كتّاب صهاينة.

أما الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تشكلت في نهاية عام 2022، فقد ضمت لأول مرة قوى تغازل صراحة هذا الخطاب الإبادي. وهذا لا يعني أن الخطاب لم يكن موجودًا من قبل، لكنه أصبح، حتى قبل السابع من أكتوبر، ممثلًا بأشخاص داخل الحكومة معروفين بدعواتهم المتعمدة لطرد الفلسطينيين، وباستخدام خطاب إبادي ضدهم.

لذلك، يرى سوريك أن ما حدث بعد السابع من أكتوبر خلق "العاصفة المثالية": شخصيات في الحكومة تحمل هذه الأفكار وتروّج لها من جهة، وحالة توتر عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي من جهة أخرى، ما سمح للأفكار الإبادية بأن تنتقل إلى التيار العام.


نتنياهو العماليق.png

استجابة الشارع الإسرائيلي


وجد الخطاب الديني للحكومة الإسرائيلية صدى واسعًا في الشارع الإسرائيلي،
ويمكن رصد هذا التفاعل في ثلاث ذروات زمنية استخدم فيها مصطلح "العماليق" على نطاق واسع.
ثلاث ذروات للخطاب

 

  • جاءت الذروة الأولى بعد عملية "طوفان الأقصى" مباشرة، بواقع 3864 منشورًا خلال 24 ساعة فقط.
  • أما الذروة الثانية فجاءت بعد خطاب نتنياهو في الثامن والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حين استدعى رواية "العماليق"، وبلغ عدد المنشورات في يوم واحد 4187 منشورًا.
  • وجاءت الذروة الثالثة خلال يوم "بوريم" أو "المساخر" في مارس/ آذار 2024، وهو العيد الذي يحتفل فيه بانتصار اليهود على "هامان" المنحدر من سلالة "العماليق"، وبلغ التفاعل حينها 5200 منشور تحت وسم "محو العماليق".

وترى هنيدة غانم أن الحكومة الإسرائيلية تقوم بالدور الأساسي في الترويج لخطاب يتعامل مع الفلسطينيين على أنهم ليسوا بشرًا، بل شر مطلق وعدو كامل. وفي مثل هذا الخطاب، لا يبقى مجال للسياسة أو الدبلوماسية أو البحث عن حل، لأنه عندما يتحول الطرف الآخر في الذهنية إلى "وحوش بشرية" وإلى "عماليق"، تصبح الوظيفة الوحيدة هي سحقه.

وتعود أعداد كبيرة من الحسابات التي توظف الدين لإضفاء الشرعية على ما يجري في غزة إلى شخصيات في الصف الأول داخل الحكومة الإسرائيلية، من أعضاء كنيست ووزراء وصولًا إلى رئيس الوزراء.

  • عضو الكنيست ألموغ كوهين كتب: "لا تشكروني على واجبي، هدفنا سحق العماليق".

  • استشهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بجملة من المزامير قائلًا: "منحتني قوة للمعركة، تسقط أعدائي تحتي".

  • غرّد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قائلًا: "من واجبنا ألا نترك أي أثر للعماليق في غزة، هذا وعد لضحايا السابع من أكتوبر".

     

  • أما عضوة الكنيست تالي غوتليف فتوعدت بالقول: "كل من يدعم غزة هو عمليق ومصيره الموت".

وتشير هنيدة غانم إلى أن اختيار تفسير الخطاب الديني في هذه اللحظة بالذات، ليتجه نحو العنف من دون غيره، وترك آيات أخرى أو قراءات أخرى، هو في جوهره خيار سياسي واعٍ مرتبط بتلاقٍ خاص داخل المشروع الصهيوني بين الثيولوجيا الدينية والاستعمار الاستيطاني.


قراءة يهودية مناهضة للصهيونية


لمعرفة وجهة النظر الدينية اليهودية بشأن إسقاطات رواية "العماليق" على الفلسطينيين اليوم، قابل فريق "مهمة صحفية" الحاخام يسرائيل وايس، المنتمي إلى جماعة "ناطوري كارتا"  (Neturei Karta) الرافضة للصهيونية بأشكالها كافة.

لمعرفة وجهة النظر الدينية الإسرائيلية بشان الإسقاطات التوراتية للعماليق على الفلسطينيين اليوم، قابل فريق "مهمة صحفية" الحاخام يسرائيل وايس، المنتمي إلى جماعة "ناطوري كارتا" (Neturei Karta) الرافضة للصهيونية بأشكالها كافة.

سوت الحرب الإسرائيلية على غزة القطاع بأكمله تقريبًا بالأرض
سوت الحرب الإسرائيلية على غزة القطاع بأكمله تقريبًا بالأرض - غيتي 

يقول وايس إن الهجوم على الفلسطينيين وما يحصل في غزة عمل غير مقبول، معتبرًا أن الصهيونية، لأنها تخلت عن اليهودية الحقيقية، لا تجد حرجًا في استخدام التوراة كما لو كانت ملكًا لها، وتحويلها إلى أداة وسلاح للمطالبة بحقوق على حساب الفلسطينيين، ولاتهامهم بمعاداة السامية.

وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من أنها تفصل بين اليهودية بوصفها دينًا، والصهيونية بوصفها مشروعًا سياسيًا يوظف الدين في سياق استعماري. فالمشكلة ليست في النص الديني بذاته، بل في الطريقة التي يُنتقى بها، ويُفسَّر بها، ويُسحب إلى الحرب لتبرير القتل والتدمير.


من الخطاب إلى الميدان


لا يقف الخطاب الديني عند حدود المنابر السياسية والإعلامية. فنتيجته تظهر في الميدان، وفي الصور والمقاطع التي ينشرها جنود إسرائيليون من داخل غزة، متباهين بما يحدثونه من قتل ودمار، ثم يعاد تداولها على منصات التواصل المختلفة.

وفي هذا السياق، يروي إسلام أحد، وهو صحفي وأسير محرر، شهادته عن لحظات الاعتقال والتعذيب. يقول إن الاعتقال بدأ عند الباب الشمالي لمستشفى كمال عدوان، حيث جرى تجريد المعتقلين من ملابسهم بالكامل، في أربعينية الشتاء، وسط برد شديد، قبل أن تبدأ مرحلة العذاب.

ويضيف أن ما جرى لم يكن مجرد تنفيذ أوامر أو تعامل قاسٍ عابر، بل كان، في روايته، تلذذًا بالتعذيب. فبدل أن يستمر الضرب ساعة، كان الجندي يريده ساعات أطول. وكان الضرب يستهدف مناطق مؤلمة وحساسة في الجسد. وعند نقل المعتقلين من مكان إلى آخر، لم يكن يُسمح لهم بالسير في المنتصف، بل قرب الحائط، حيث كان الجنود يدفعون رؤوسهم نحوه ويضربونهم في كل خطوة.


تباهى جنود إسرائيليون بتدمير غزة
تباهى جنود إسرائيليون بتدمير غزة 

ويقول إسلام إن المعتقلين شعروا بأن الجنود يستمتعون بما يفعلون، إذ كانوا يضحكون ويسخرون أثناء الضرب، ولم يتعاملوا معهم على أنهم بشر، بل كأنهم خارج الإنسانية تمامًا.

هذه الشهادة لا تنفصل عن الخطاب الذي يصوّر الفلسطيني بوصفه "عمليقًا" أو "وحشًا" أو "شرًا مطلقًا". فعندما يُنزع عن الإنسان اسمه وحقه وصفته البشرية، يصبح إيذاؤه أسهل، وتعذيبه مبررًا، وقتله جزءًا من مهمة أكبر.

الطب الشرعي وشهادات الجثامين


قابل فريق التحقيق مدير دائرة الطب الشرعي في غزة أحمد ظهير، بعد بدء استلام جثامين الشهداء، وهي جثامين تشكل أدلة طبية وجنائية على ما قام به جنود الاحتلال من اعتداءات خلال الحرب.

يقول ظهير إن دائرة الطب الشرعي شاهدت خلال الحرب كل أنواع الجثامين؛ أطفالًا ونساءً وشيوخًا من مختلف الأعمار، وصلت إليهم وعليها آثار عنف شديد وحروق وإصابات متعددة.


 


ويضيف أن أول دفعة وثاني دفعة من الجثامين التي جرى استلامها حملت مؤشرات صادمة: أشخاص من دون ملابس أو بالملابس الداخلية فقط، ما يشير إلى تجريدهم من ملابسهم واستجوابهم، وبعضهم معصوب العينين، مع آثار قيود على المعصمين والقدمين. كما وصلت جثامين أخرى في حالة تحلل، أو عليها آثار أعيرة نارية وإصابات انفجارية متعددة.

وعلى صعيد المعتقلات، يقول أسرى ناجون إن الجنود والمحققين كانوا يخاطبونهم بعبارات تؤكد أن وجودهم نفسه يجب أن ينتهي، وأنهم لا ينبغي أن يخرجوا أحياء، وأنهم، إذا خرجوا، سيعودون "مخربين".

هذه الشهادات لا تعرض العنف بوصفه نتيجة عرضية للحرب، بل تكشف كيف يتحول الخطاب التحريضي إلى ممارسة: إذ لا يعود الفلسطيني خصمًا سياسيًا أو مدنيًا تحت الاحتلال، بل جسمًا مباحًا للتنكيل، وهدفًا مجردًا من الحماية والكرامة.

 التحريض الرقمي ومصانع الكراهية


بعد تتبع المنشورات التي استخدمت رواية "العماليق"، توصل فريق التحقيق إلى وجود محتوى عنيف صادر عن حسابات إسرائيلية تعيد نشر مقاطع تصور معاناة الفلسطينيين وقتلهم على يد الجيش الإسرائيلي، وتدعو صراحة إلى إبادتهم أو التعامل معهم بوحشية أكبر.

ومن أبرز هذه الصفحات صفحة "ياديديا إبشتاين" على تلغرام، التي يتابعها أكثر من 84 ألف شخص، حيث دعا الحساب في منشوراته الجيش إلى التعامل بقسوة أكبر مع أطفال غزة.

صفحة "ياديديا ابشتاين"  التي دعت إلى التعامل بقسوة مع أطفال غزة
صفحة "ياديديا ابشتاين"  التي دعت إلى التعامل بقسوة مع أطفال غزة

كما كتب الناشط اليميني "ياغال مالكا"، المعروف بنشر محتوى سياسي قومي متطرف، منشورًا في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2024 قال فيه:

"لا يوجد أبرياء في غزة، هذه المخلوقات يجب ألا يوجد لها مكان على الكرة الأرضية".

الناشط اليميني "ياغال مالكا"

ولا يمكن فصل هذه اللغة عن الإطار العام الذي تصنعه رواية "العماليق". فهي لا تكتفي بتبرير القتل، بل تنزع صفة البراءة عن المدنيين، وتلغي المسافة بين طفل ومقاتل، وبين امرأة وجندي، وبين إنسان و"تهديد وجودي". وفي هذا الخطاب، يصبح العنف استجابة طبيعية لعدو جرى إخراجه أصلًا من دائرة البشر.

وبحسب بيانات اعتمد عليها التحقيق، قتل الإسرائيليون 195 فلسطينيًا يوميًا تحت غطاء سردية محو "العماليق"، في مؤشر على حجم الكارثة البشرية التي رافقت هذا التحريض، وعلى خطورة انتقال اللغة من الشاشات والمنابر إلى ساحات القتال.


من التحريض إلى الميدان.png

غزة الغائبة عن الوعي الإسرائيلي


تقول هنيدة غانم إن هذا الخطاب يظهر بشكل مكثف في الإعلام الأكثر تجندًا واليميني القومي والديني القومي، حيث يتكرر إلى درجة تصيب السامع بالقشعريرة. أما في الإعلام الأقل حدة، فتحضر محاولة لإعطاء انطباع بالتوازن، لكنها تتم غالبًا عبر تغييب صورة غزة نفسها، إذ لا تُعرض صور التدمير والخراب والقتل كما هي.

وبالنتيجة، لا يرى الجمهور الإسرائيلي، في كثير من الأحيان، ما يحدث للفلسطينيين تحت القصف والحصار. وبذلك، لا يعمل الخطاب الديني وحده على نزع الإنسانية عن الفلسطيني، بل يترافق مع غياب صورته، وغياب بيته المهدّم، وغياب جسده، وغياب أسماء الضحايا.

وينعكس هذا الشحن الأيديولوجي على استطلاعات الرأي العام. فقد أكد تمير سوريك أنه أجرى استطلاعًا في مارس/ آذار 2025 على عينة ممثلة من اليهود الإسرائيليين، أظهرت نتائجه أن 82% منهم يؤيدون طرد الفلسطينيين من قطاع غزة بالكامل، و56% يؤيدون طرد المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل، أي عرب الداخل.

وتتوافق هذه النتائج مع استطلاع آخر أجراه معهد "ميدغام" في يناير/ كانون الثاني 2024، وجد أن 88% من اليهود الإسرائيليين يرون أن عدد القتلى الفلسطينيين مبرر، وأن 76% يؤيدون استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين في غزة.

هذه الأرقام، كما يقدمها التحقيق، لا تقيس موقفًا عابرًا من حرب جارية فحسب، بل تكشف أثرًا أعمق لخطاب متراكم، يجعل العنف مقبولًا، والطرد قابلًا للتأييد، والقتل مبررًا إذا وُضع داخل سردية دينية عن صراع بين خير مطلق وشر مطلق.

من صراع سياسي إلى حرب وجودية


تخلص هنيدة غانم إلى أن منصات التواصل الاجتماعي تحولت إلى مصنع كراهية وتحشيد وعنصرية وشعبوية. فقد استُخدمت هذه المنصات لإعطاء العنصرية القائمة جرعة من "المنشطات"، فانتشرت كالنار في الهشيم، من دون إمكانية حقيقية للسيطرة عليها.

وترى غانم أن هذا التحشيد المستمر على أساس عنصري يحقر الفلسطيني ويعتبره عدوًا، ويحوّل الصراع كليًا من صراع سياسي إلى صراع وجودي بين خير مطلق وشر مطلق. وبناءً على هذا الأساس الأيديولوجي، يتشكل نوع الجندي الذي يذهب للقتال والتنكيل في غزة.


هنا تكمن خطورة رواية "العماليق": فهي لا تعمل كمصطلح ديني معزول، بل كإطار كامل لإعادة تعريف الفلسطيني. 
إنه ليس صاحب أرض، ولا ضحية احتلال، ولا إنسانًا تحت القصف، بل امتداد لعدو توراتي قديم، وتهديد لا يُردع إلا بالمحو.

من خلال تتبع الخطاب السياسي والديني والإعلامي والرقمي، يكشف تحقيق "مهمة صحفية" كيف انتقلت هذه الرواية من النصوص القديمة إلى قلب الحرب الحديثة، وكيف تحولت إلى أداة لتحريض المجتمع الإسرائيلي، وتعبئة الجنود، وتبرير العنف ضد الفلسطينيين في غزة. 


استشهاد عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم من النساء والأطفال، لم يكن مجرد "أضرار جانبية" في حرب عسكرية، بل جاء في سياق تعبئة واسعة، استخدمت الدين والسياسة والإعلام لتجريد الضحايا من إنسانيتهم، وتصوير الإبادة كأنها مهمة دفاعية أو فريضة تاريخية.

يمكنكم مشاهدة تحقيق "مهمة صحفية" الذي يسلط الضوء على توظيف رواية "العماليق" في بعض الخطابات السياسية والعسكرية والإعلامية في إسرائيل لتسعير حرب الإبادة على غزة، في الفيديو المرفق:

تابع القراءة

المصادر

التلفزيون العربي
تغطية خاصة