أقرّت فرنسا، الإثنين، الموازنة الحكومية للعام 2026 عقب مفاوضات شاقة استمرت لأشهر، وذلك بعد نجاة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو من آخر مذكرة لحجب الثقة في البرلمان.
ورفض النواب مذكرتين لحجب الثقة تقدمت بهما أحزاب اليمين واليسار المتشددة، بعدما مرّر رئيس الوزراء، الجمعة، مشروع الموازنة في البرلمان من دون تصويت للمرة الثالثة والأخيرة، ما مهّد لإقرارها بشكل نهائي بعد جمود سياسي دام أربعة أشهر بسبب الخلافات حول الإنفاق العام.
وبفشل اقتراحي حجب الثقة، اعتمدت فرنسا رسميًا موازنة 2026 التي طال انتظارها، في خطوة وفّرت قدرًا من الاستقرار النسبي لحكومة الأقلية بقيادة لوكورنو.
مفاوضات طويلة وأزمة سياسية
وانخرطت الطبقة السياسية الفرنسية في مفاوضات الموازنة لما يقرب من عامين، في أعقاب الانتخابات التشريعية المبكرة التي دعا إليها الرئيس إيمانويل ماكرون في 2024، والتي أسفرت عن برلمان من دون أغلبية واضحة.
وجاءت هذه المفاوضات في ظل عجز كبير في المالية العامة، فرض على الحكومة اللجوء إلى إجراءات تقشفية، وتسبّب في فقدان رئيسين للوزراء منصبيهما، إضافة إلى اضطراب أسواق الديون وإثارة قلق الشركاء الأوروبيين لفرنسا.
ورغم ذلك، تمكن لوكورنو، البالغ 39 عامًا، من تعزيز موقعه السياسي بعد حصوله على دعم الاشتراكيين عبر تنازلات مكلفة لكنها محددة الأهداف، وذلك بعد استقالته في أكتوبر/ تشرين الأول ثم إعادة تكليفه بمنصبه، في خطوة أثارت آنذاك موجة من السخرية السياسية.
وكتب لوكورنو على منصة "إكس" عقب التصويت: "أخيرًا بات لدى فرنسا موازنة"، مشيدًا بـ"توافق برلماني يحدّ من الإنفاق العام" ويحول "دون رفع الضرائب على العائلات والشركات".
عجز مرتفع وأسواق أكثر هدوءًا
وعلى الرغم من استمرار ارتفاع عجز الموازنة، الذي يتوقع لوكورنو أن يبلغ 5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، فقد انعكس الاستقرار السياسي النسبي إيجابًا على الأسواق، إذ تراجع فارق علاوة مخاطر الدين الفرنسي مقارنة بنظيره الألماني إلى مستويات سُجّلت آخر مرة في يونيو/ حزيران 2024، قبل إعلان الانتخابات المبكرة.
ولم يحصل اقتراحا حجب الثقة، اللذان تقدم بهما اليسار المتشدد واليمين المتطرف، على الأغلبية المطلوبة، بعدما أعلن الاشتراكيون رفضهم دعمهما، ما جعل موازنة 2026 رسمية رغم تأخر إقرارها لأكثر من شهر.
وكان أبرز مكسب حققه الاشتراكيون هو تعليق إصلاح نظام التقاعد المثير للجدل، وتأجيل رفع سن التقاعد إلى 64 عامًا إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.
ويهدف مشروع الموازنة إلى خفض العجز إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مقارنة بـ5.4% في 2025، بعد تراجع الحكومة عن هدف سابق كان محددًا عند 4.7%.
وتشمل الموازنة ضرائب أعلى على بعض الشركات، من المتوقع أن تدر نحو 7.3 مليارات يورو في 2026، في حين فشل الاشتراكيون في تمرير مقترح لفرض ضرائب إضافية على الأكثر ثراء.
في المقابل، نجحوا في انتزاع إجراءات اجتماعية عدة، من بينها توفير وجبات طلابية بسعر يورو واحد، وزيادة الدفعات المقدمة للعمال من ذوي الدخل المحدود.
كما تتضمن الخطة زيادة الإنفاق العسكري بنحو 6.5 مليارات يورو، وهي خطوة وصفها رئيس الوزراء بأنها تقع في "قلب الموازنة".
ضغوط أوروبية وسياق سياسي معقّد
وتواجه فرنسا ضغوطًا متزايدة من الاتحاد الأوروبي لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهي ثالث أعلى نسبة في التكتل بعد اليونان وإيطاليا، إذ تقترب من ضعف السقف الأوروبي المحدد عند 60%.
ومنذ الانتخابات المبكرة في 2024، تعيش البلاد حالة من عدم الاستقرار السياسي، في وقت يركّز فيه الرئيس إيمانويل ماكرون بشكل شبه كامل على السياسة الخارجية، داعيًا إلى تقليل اعتماد أوروبا على القوى الأجنبية، ومتبنيًا موقفًا أكثر تشددًا تجاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سواء في ما يتعلق بالرسوم الجمركية أو أزمة غرينلاند.
أما على الصعيد الداخلي، فيجد تيار الوسط الذي ينتمي إليه ماكرون نفسه في موقف ضعيف، مع غياب خليفة واضح، في مواجهة الصعود المتزايد لليمين المتطرف.