نهاية 78 عامًا من العضوية.. ماذا يعني انسحاب واشنطن من منظمة الصحة العالمية؟
انسحبت الولايات المتحدة رسميًا من منظمة الصحة العالمية، على خلفية ما وصفته بـ"الإخفاقات" في إدارة المنظمة لجائحة كوفيد-19.
وحذّر مدير المنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، من أنّ الانسحاب الأميركي يشكّل خطرًا على الولايات المتحدة وبقية العالم على حد سواء، واصفاً إياه بـ "الخطوة التي تجعل أميركا والعالم بأسره أقلّ أمانًا".
منظمة الصحة العالمية في سطور
- أُنشئت منظمة الصحة العالمية عقب تأسيس الأمم المتحدة. ففي أبريل/نيسان 1945، وخلال مؤتمر سان فرانسيسكو، اقترح ممثلو البرازيل والصين إنشاء منظمة صحية دولية مستقلة.
- في 15 فبراير/ شباط 1946، وجّه المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة الأمين العام للدعوة لمؤتمر وضع الدستور، وهو ما تم بالفعل في نيويورك بين يونيو ويوليو 1946 بمشاركة 51 دولة عضو. وصاغ المؤتمر دستور منظمة الصحة العالمية واعتمده، ووقّعه في 22 يوليو/تموز 1946 ممثلون عن 51 دولة عضو في الأمم المتحدة و10 دول أخرى.
- دخل الدستور حيز التنفيذ في 7 أبريل/ نيسان 1948، وهو التاريخ الذي بات "يومًا عالميًا للصحة". وتضم المنظمة اليوم 194 دولة موزعة على ستّة أقاليم جغرافية حول العالم. وبالإضافة إلى الدول الأعضاء، هناك عضوان منتسبان هما بورتوريكو وتوكيلو.
الولايات المتحدة تنسحب: نهاية 78 عامًا من العضوية
شكلت واشنطن حجر الزاوية للمنظمة طوال عقود، لكنها تنسحب اليوم بعد 78 عامًا من العضوية، تاركة القطاع الصحي العالمي أمام اختبار مصيري.
وكان الرئيس دونالد ترمب قد وقّع، فور بدء ولايته الثانية في 20 يناير/ كانون الثاني 2024، أمرًا تنفيذيًا بإنهاء العضوية بعد عام واحد، ليعيد إحياء قرار بدأه في ولايته الأولى عام 2020 وألغاه جو بايدن لاحقًا.
وجاء الإعلان عن الانسحاب الفعلي في 22 يناير/ كانون الثاني 2026؛ حيث أوضحت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية (HHS) في بيان، أن الإجراء شمل:
-
إنهاء جميع التمويلات الحكومية الأميركية للمنظمة.
-
استدعاء الموظفين والمتعاقدين الأميركيين من مقر جنيف والمكاتب الإقليمية.
-
توقف المشاركة الرسمية في اللجان، والهيئات القيادية، وفرق العمل الفنية.
من جانبه، صرح المتحدث باسم المنظمة، كريستيان ليندمير، بأن الولايات المتحدة تحتفظ بحق الانسحاب، لكن مستحقاتها المالية عن العامين الماضيين لم تُسدد بعد، "مما يضع الانسحاب على المحك" قانونيًا وماليًا.
دوافع الانسحاب.. "سوء إدارة" وانحياز سياسي
قرار يضعف النفوذ الأميركي
رغم أن الخطوة قد تبدو شأنًا داخليًا، إلا أن مجلة "ذا لانسيت" ترى أنها ستخلف عواقب وخيمة على الأمن والدبلوماسية الأميركية؛ فالمنظمة تتمتع بشرعية ونفوذ عالميين يصعب تعويضهما، وسيكون من الصعب فصل الولايات المتحدة عن حوكمة المنظمة وبرامجها.
وتُعد منظمة الصحة للبلدان الأميركية (PAHO) أحد المكاتب الإقليمية الستة التابعة للمنظمة، ويقع مقرها في واشنطن العاصمة.
كما أن الولايات المتحدة طرف في معاهدتين رئيسيتين للمنظمة: دستور المنظمة، الذي يرسّخ مكانتها كـ"سلطة توجيهية وتنسيقية في مجال الصحة الدولية"، واللوائح الصحية الدولية (2005)، التي تُشكل الإطار القانوني للتأهب والاستجابة للأوبئة.
وأكد خبير الصحة العامة الأميركي، عمر أون، في حديث سابق إلى التلفزيون العربي، أنّ القرار يضعف أميركا في السياسات الدولية، قائلاً:
"نصبح أقل استعدادًا للأوبئة ونفقد الوصول إلى البيانات الحيوية، مما يجعلنا أكثر عرضة للتهديدات المستقبلية".
يلخص موقع منظمة "بارتنرز إن هيلث" تبعات الانسحاب على الداخل الأميركي في ثلاث نقاط:
-
فقدان المشاركة في القرارات العالمية المتعلقة بسلالات الإنفلونزا وكوفيد-19 المستخدمة في اللقاحات السنوية.
-
الوصول المتأخر إلى بيانات عالمية قيّمة حول الفيروسات المنتشرة.
-
عدم المشاركة في مناقشات خطط التصدي للتهديدات الصحية الناشئة.
وبحسب مجلة "ذا لانسيت"، تتعاون مؤسسات أميركية عديدة مع منظمة الصحة العالمية في أعمال حيوية ستتضرر بشدة في حال انقطاع هذه العلاقة. ويوجد 21 مركزًا متعاونًا مع منظمة الصحة العالمية في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، وثلاثة مراكز في المعاهد الوطنية للصحة، تركز على أولويات الولايات المتحدة، بما في ذلك استئصال شلل الأطفال، والوقاية من السرطان، والأمن الصحي العالمي.
تأثير يطال صناعة الأدوية واللقاحات
تصدر منظمة الصحة العالمية توصيات سنوية لتوجيه قرارات مصنّعي الأدوية واللقاحات. ومع الانسحاب، يصبح من غير الواضح مدى قدرة الولايات المتحدة على الوصول المبكر إلى هذه البيانات.
وتُعد معايير التصنيع الجيد (GMP) حجر الزاوية في صناعة الأدوية، إذ تضمن إنتاجها وتفتيشها وفق معايير جودة صارمة.
ومع الانسحاب الأميركي من منظمة الصحة العالمية، يبرز تحدٍّ تقني يتعلق بـ"الاعتراف المتبادل"، إذ تمنح المنظمة "صلاحية الاعتماد الأولي" للأدوية واللقاحات المستخدمة في برامج الأمم المتحدة.
ومن دون التنسيق المباشر، قد تواجه شركات الأدوية الأميركية ازدواجية في المعايير بين إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) والمعايير الدولية التي تعتمدها المنظمة.
تداعيات على الصحة العالمية
سيترتب على الانسحاب الأميركي من منظمة الصحة العالمية عواقب كبيرة على الصحة العالمية، لا سيما في المجتمعات الهشة. فسحب الدعم المالي والسياسي الأميركي يضعف قدرة المنظمة على الاستجابة للأزمات، ويعرّض برامج التطعيم والوقاية للخطر.
كما قد يؤدي الانسحاب إلى تعطيل أنظمة المراقبة العالمية للأمراض. فمنذ عام 1952، يوفر النظام العالمي لمراقبة الإنفلونزا منصة لرصد الحالات وتبادل البيانات بين 131 دولة، وتُستخدم هذه البيانات في تحديد تركيبة اللقاحات الموسمية.
وقد يؤدي استبعاد الولايات المتحدة من هذا النظام إلى إبطاء مواءمة اللقاحات مع السلالات المنتشرة.
وتُرسل المنظمة فرق استجابة للتعامل مع تفشيات أمراض مثل حمى الضنك، وإيبولا، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية. وقد يؤدي استبعاد العلماء الأميركيين إلى تقليص فعالية هذه الجهود.
وينذر الانسحاب بنشوء خلل في "الرادار الصحي العالمي"؛ فبموجب اللوائح الصحية الدولية (IHR)، كانت واشنطن ملزمة بالإبلاغ عن أي تفشٍ خلال 24 ساعة. أما الآن، فقد تُعامل البيانات الصحية كـ "أمن قومي سيادي"، مما يضع العالم في حالة "عمى معلوماتي" قد يؤخر الاستجابة لأي جائحة قادمة لأسابيع أو أشهر.
منظمة الصحة العالمية تخسر المساهم الأكبر
يتمثل التحدي الأكبر في خسارة منظمة الصحة العالمية للممول الأكبر لها. فقد ساهمت الولايات المتحدة عام 2020 بأكثر من 400 مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية، وهو ما يمثل حوالي 15% من ميزانيتها الإجمالية.
وقد دعم هذا التمويل جهود المنظمة في مكافحة الأمراض المعدية، وتعزيز النظم الصحية، والاستجابة لحالات الطوارئ الصحية العالمية، وفق دراسة نشرها موقع "سينس ديريكت" وتتناول تأثير انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية على الدول الإفريقية.
كما قدّمت الولايات المتحدة ما بين 12 و15% من إجمالي تمويل المنظمة بين عامي 2022 و2023. وبحسب موقع "ستاتيستا"، بلغت مساهمتها بين عامي 2024 و2025 نحو 958 مليون دولار، منها 698 مليونًا تبرعات طوعية و261 مليونًا مساهمات مقررة.
ويهدد هذا الانسحاب برامج صحية أساسية في إفريقيا، لا سيما تلك المتعلقة بفيروس نقص المناعة البشرية، وصحة الأم والطفل، والسل، والملاريا.
إعادة تشكيل النفوذ العالمي: الصين تملأ الفراغ
يبدو أن انسحاب واشنطن يندرج ضمن نهج أوسع لإعادة تعريف دورها في التحالفات الدولية.
ففي يوليو/ تموز 2025، حُلّت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) وأُلغي تمويل نسبة كبيرة من برامجها. ووفق "ذا كونفيرزيشن"، تشير نماذج أعدتها عالمة الأوبئة بروك نيكولز إلى أن توقف بعض البرامج قد أدى إلى مئات الآلاف من الوفيات، معظمها بين الأطفال.
وفي ظلّ تراجع الدور الأميركي، برزت الصين كبديل استراتيجي؛ حيث تعهدت في مايو/ أيار 2025 بزيادة مساهماتها لتصبح المساهم الوطني الأكبر "بين عشية وضحاها"، مما يمنحها سلطة توجيه أولويات الصحة العالمية.
وسيُلقي انسحاب الولايات المتحدة من مجتمع الصحة العالمي بظلاله على المشهد الجيوسياسي العالمي. فبينما تُحدد سياسات منظمة الصحة العالمية بتوافق آراء جميع الدول الأعضاء، يُتيح غياب الولايات المتحدة الآن المجال أمام دول أخرى لممارسة نفوذ أكبر، الأمر الذي قد يؤثر على أولويات الصحة العالمية.
هل العودة ممكنة؟
رغم الانسحاب الرسمي، لا يزال علم الولايات المتحدة يرفرف خارج مبنى منظمة الصحة العالمية في جنيف، وهي إشارة وصفها الدكتور جاد والسون (جونز هوبكنز) بأنها "ترحيب بالعودة"، بحسب ما نقلت مجلة "التايم".
وفي خطوة لافتة، أعلنت ولاية كاليفورنيا أنها ستنضم بشكل مستقل إلى شبكة الاستجابة العالمية لتفشي الأمراض التابعة للمنظمة، في تحدٍ واضح لقرار الإدارة الفيدرالية.