الجمعة 13 مارس / مارس 2026
Close

نيلسون مانديلا... من النضال السرّي إلى إسقاط نظام الفصل العنصري

نيلسون مانديلا... من النضال السرّي إلى إسقاط نظام الفصل العنصري محدث 18 يوليو 2025

شارك القصة

نُصب نيلسون مانديلا في 10 مايو/ أيار 1994 كأول رئيس منتخب ديمقراطيًا لجنوب إفريقيا- غيتي
نُصب نيلسون مانديلا في 10 مايو/ أيار 1994 كأول رئيس منتخب ديمقراطيًا لجنوب إفريقيا- غيتي
الخط
سيرة نيلسون مانديلا من النضال السرّي إلى إسقاط نظام الفصل العنصري، مرورًا بمحاكمات ريفونيا و27 عامًا من السجن، وانتهاءً بتوليه رئاسة جنوب إفريقيا وتكريس إرث عالمي للتحوّل الديمقراطي.

لم يكن نيلسون مانديلا مجرّد سياسي عادي، بل أيقونة للنضال من أجل الكرامة الإنسانية، وأحد أبرز روّاد التغيير في مجال الحقوق المدنية في القرن العشرين، إذ كرّس حياته، بما في ذلك 27 عامًا قضاها في السجن، لإنهاء سياسات الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

وُلد روليهلاهلا مانديلا في 18 يوليو/ تموز 1918 لعائلة ماديبا في قرية مفيزو، بمقاطعة كيب الشرقية. والدته نونكافهي نوسيكيني، ووالده نكوسي مفاكانيسوا جادلا مانديلا، المستشار الرئيسي للملك المؤقت لقبيلة تيمبو، جونغينتابا داليندييبو. في عام 1930، عندما كان في الثانية عشرة من عمره، توفي والده، وتولّى جونغينتابا رعايته في "البيت العظيم" بقرية مكهيكيزويني، وفق موقع نيلسون مانديلا الإلكتروني.

استمع مانديلا إلى قصص شيوخه عن شجاعة أسلافه، فرغب في الإسهام في كفاح شعبه من أجل الحرية.

طفولة منفتحة

وصف مانديلا أفراح طفولته المنفتحة في سيرته الذاتية "المسيرة الطويلة نحو الحرية"، قائلًا:

في الحقول تعلّمتُ كيف أقذف الطيور من السماء بالمقلاع، وأجمع العسل البري والفواكه والجذور الصالحة للأكل، وأشرب الحليب الدافئ الحلو من ضرع البقرة، وأسبح في الجداول الصافية الباردة، وأصطاد السمك بالخيوط والأسلاك الحادة. تعلّمت فنون القتال بالعصا – وهي معرفة أساسية لأي فتى أفريقي ريفي – وأصبحت بارعًا في تقنياتها المختلفة، فأتصدى للضربات، وأتظاهر بالخداع في اتجاه وأضرب في اتجاه آخر، وأتخلّص من الخصم بخطوات سريعة.

التحق مانديلا بالمدرسة الابتدائية في كونو، حيث أطلقت عليه معلمته اسم "نيلسون"، وفقًا لعادة تسمية جميع التلاميذ بأسماء "مسيحية".

التحق مانديلا بالمدرسة الابتدائية في كونو حيث أطلقت عليه معلمته اسم نيلسون- موقع نيلسون مانديلا
التحق مانديلا بالمدرسة الابتدائية في كونو حيث أطلقت عليه معلمته اسم نيلسون- موقع نيلسون مانديلا

دراسته وبداية النضال السياسي

أكمل دراسته الثانوية في معهد كلاركبري الداخلي، ثم التحق بمدرسة هيلدتاون الثانوية الويسليانية. بدأ دراسته الجامعية في كلية فورت هير لنيل درجة البكالوريوس في الآداب، لكنه لم يُكملها بعد طرده نتيجة مشاركته في احتجاج طلابي.

وعند عودته إلى الساحة الكبرى في مكهيكيزويني، استشاط الملك غضبًا وهدّده بتزويجه قسرًا إذا لم يعد إلى فورت هير، فهرب مع ابن عمه جاستيس إلى جوهانسبرغ عام 1941. هناك عمل ضابط أمن في أحد المناجم، وبعد لقائه والتر سيسولو، وكيل العقارات، تعرّف على المحامي ليزر سيدلسكي، وبدأ بكتابة مقالاته في أحد مكاتب المحاماة.

نال مانديلا درجة البكالوريوس من جامعة جنوب إفريقيا، ثم عاد إلى فورت هير ليتخرّج عام 1943. في الأثناء، بدأ دراسة الحقوق في جامعة وِتووترسراند، لكنه تركها عام 1952 دون تخرّج، واعترف لاحقًا بأنه كان طالبًا ضعيف الأداء.

المؤتمر الوطني الإفريقي  

رغم انخراطه في السياسة منذ عام 1942، انضم مانديلا رسميًا إلى حزب المؤتمر الوطني الإفريقي عام 1944، وساهم في تأسيس رابطة شباب الحزب (ANCYL). في العام نفسه، تزوّج من الممرضة إيفلين ماس، ابنة عم والتر سيسولو، وأنجب منها أربعة أبناء، توفيت إحداهن في طفولتها. انفصل عن زوجته عام 1958.

قاد مانديلا حركة العصيان المدني ضد قوانين الفصل العنصري التقييدية. وفي عام 1952، مُنع من مغادرة جوهانسبرغ، ثم اعتُقل في 5 ديسمبر/ كانون الأول 1956 في حملة أمنية واسعة، وأُحيل إلى المحاكمة بتهمة الخيانة.

وكتب في رسالة إلى وزير العدل عام 1959:

إذا كنتَ تعتقد، برفضك منحي الإذن بمغادرة جوهانسبرغ، أني سأخاف وأتوقف عن معارضة سياسة حكومتك، فأقول لك بكل احترام إنك توقفت عن قراءة التاريخ المعاصر لجنوب إفريقيا منذ أن تولّى حزبك السلطة عام 1948.

وأضاف:

رغم احتجاز العديد من الأفراد ومنعهم من التنظيم والتجمع، ورغم القمع الوحشي للحريات المدنية من قِبَل القوميين، ازداد المطلب بالتغيير الديمقراطي حزمًا وقوة.

محاكمات واعتقالات

في 21 مارس/ آذار 1960، قتلت الشرطة 69 شخصًا أعزل في احتجاج بمدينة شاربفيل ضد قوانين المرور. فرضت البلاد حالة طوارئ، وحُظرت الأحزاب المناهضة للفصل العنصري. كان مانديلا بين آلاف المعتقلين.

بناء على طلب حزبه، أسّس مانديلا الجناح العسكري المعروف بـ"رمح الأمة". وأثناء اختبائه، نشر رسالة مفتوحة قال فيها، وفقًا لموقع "هستوري":

لقد اخترت هذا المسار الأصعب، الذي ينطوي على مخاطرة ومشقة. اضطررت إلى الانفصال عن زوجتي العزيزة وأولادي، وعن أمي وأخواتي، لأعيش خارجًا عن القانون في وطني... النضال هو حياتي. سأواصل النضال من أجل الحرية حتى آخر أيامي.

أمضى مانديلا 27 عامًا في السجن- غيتي
أمضى مانديلا 27 عامًا في السجن- غيتي

في يونيو/ حزيران 1961، بدأ قيادة الكفاح المسلح؛ وبعد عودته سرًا من جولة في إفريقيا وأوروبا عام 1962، اعتُقل وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات. وبعد عام، داهمت الشرطة مخبأ نشطاء في ريفونيا واعتقلت عددًا منهم.

وفي 9 أكتوبر/ تشرين الأول 1963، بدأت محاكمة ريفونيا. وفي خطابه الشهير من قفص الاتهام يوم 20 أبريل/ نيسان 1964، قال مانديلا:

لقد حاربتُ هيمنة البيض، وحاربتُ هيمنة السود. إنني أُقدّر مُثُل مجتمع ديمقراطي حر... إنها مُثل أرجو أن أعيش من أجلها، وإذا اقتضى الأمر، أموت من أجلها.

في 11 يونيو/ حزيران 1964، أُدين مع سبعة آخرين وحُكم عليهم بالسجن المؤبد.

تزوج مانديلا من العاملة الاجتماعية ويني ماديكيزيلا في 14 يونيو/ حزيران -1958- غيتي
تزوج مانديلا من العاملة الاجتماعية ويني ماديكيزيلا في 14 يونيو/ حزيران -1958- غيتي

توفيت والدة مانديلا عام 1968، وتوفي ابنه الأكبر ثيمبي عام 1969. ولم يُسمح له بحضور جنازتيهما.

27 عامًا من التعذيب

قضى مانديلا 27 عامًا في السجن، عانى خلالها ظروفًا قاسية، خاصة في سجن جزيرة روبن سيئ السمعة، حيث وصف في مذكراته الأوضاع اللاإنسانية من طعام فاسد، ومعاملة مهينة، وظروف غير آدمية.

نُقل لاحقًا إلى سجن بولسمور في كيب تاون مع رفاق له، وعندما عاد إلى السجن في نوفمبر/ تشرين الثاني 1985، بعد إجراء جراحة البروستاتا، احتُجز بمفرده.

مجدّدًا نقل إلى المستشفى في أغسطس/ آب 1988، حيث شُخّصت إصابته بالسل، قبل أن يُنقَل في 7 ديسمبر/ كانون الأول 1988  إلى منزل في سجن فيكتور فيرستر بالقرب من بارل، حيث أمضى آخر 14 شهرًا من سجنه.

الخروج إلى الحرية

خلال فترة سجنه، رفض ثلاثة عروض إفراج مشروط على الأقلّ، مؤكدًا: "لن أقبل حريتي إذا لم تكن حرية لشعبي".

أُطلق سراح مانديلا في 11 فبراير/ شباط 1990، بعد تسعة أيام من رفع الحظر عن حزب المؤتمر الوطني الإفريقي وحزب المؤتمر الشعبي الإفريقي، وبعد قرابة أربعة أشهر من إطلاق سراح رفاقه المتبقين في ريفونيا.

كانت لحظة الإفراج عنه تاريخية، وبُثت على الهواء مباشرة، وشاهدها الملايين حول العالم. مثّل خروجه بدايةً لمرحلة جديدة في جنوب إفريقيا.

جائزة نوبل للسلام

دخل مانديلا محادثات رسمية لإنهاء حكم الأقلية البيضاء، وانتُخب رئيسًا لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي عام 1991، خلفًا لصديقه المريض، أوليفر تامبو.

حصل على جائزة نوبل للسلام عام 1993، بالمشاركة مع رئيس جنوب إفريقيا فريدريك ويليام دي كليرك.

قال مانديلا في خطاب استلام الجائزة:

إن قيمة مكافأتنا المشتركة ستُقاس بالسلام البهيج الذي سينتصر، لأن إنسانيتنا المشتركة ستكون قد قالت لكل منا: سنعيش جميعًا كأبناء الجنة.

صوّت نيلسون مانديلا لأول مرة في حياته في 27 أبريل/ نيسان 1994 -غيتي
صوّت نيلسون مانديلا لأول مرة في حياته في 27 أبريل/ نيسان 1994 -غيتي

مانديلا أول رئيس منتخب في جنوب إفريقيا

في 27 أبريل/ نيسان 1994، صوّت لأول مرة في حياته، ثم نُصّب رئيسًا لجنوب إفريقيا في 10 مايو/ أيار.

في خطابه، قال:

حان وقت التئام الجروح... نُعاهد أنفسنا على تحرير جميع أبناء شعبنا من عبودية الفقر والحرمان والمعاناة... سندخل عهدًا جديدًا تبنيه أمة قوس قزح تعيش في سلام مع نفسها والعالم.

وفي عام 1998، تزوّج من غراسا ماشيل في عيد ميلاده الثمانين.

إرث خالد من الكرامة والنضال

تنحّى عن الحكم عام 1999 بعد فترة رئاسية واحدة، وفاءً بوعده. لكنه واصل نضاله من أجل السلام العالمي، وحقوق الإنسان، وكرّس سنواته الأخيرة لقضايا العدالة الاجتماعية، من الدفاع عن الكرامة الإنسانية، إلى مكافحة الفقر والتوعية بمرض الإيدز.

 توفي في منزله بجوهانسبرغ في 5 ديسمبر/ كانون الأول 2013 عن عمر ناهز 95 عامًا، تاركًا إرثًا خالدًا من الصمود والشجاعة والتسامح.

بوفاته، طُويت صفحة زعيم ترك أثرًا مؤسسيًا وسياسيًا بارزًا في جنوب إفريقيا والعالم، بعدما ساهم في نقل بلاده من نظام الفصل العنصري إلى مرحلة الحكم التعددي. وقد أرست تجربته معالم مسار تفاوضي في مواجهة أنظمة القمع، لتُصبح مرجعًا رئيسيًا في تاريخ التحولات الديمقراطية في القرن العشرين.

تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من