الإثنين 12 أكتوبر / أكتوبر 2026
Close

هل أشعلت حرب الشرق الأوسط أزمة في صناعة أشباه الموصلات؟

هل أشعلت حرب الشرق الأوسط أزمة في صناعة أشباه الموصلات؟ محدث 18 أبريل 2026

شارك القصة

تواجه سلاسل توريد أشباه الموصلات أزمة محتملة- غيتي
تواجه سلاسل توريد أشباه الموصلات أزمة محتملة- غيتي
تواجه سلاسل توريد أشباه الموصلات أزمة محتملة- غيتي
الخط
تثير حرب الشرق الأوسط مخاوف متزايدة من أزمة جديدة في صناعة أشباه الموصلات، مع اضطراب إمدادات الهيليوم واشتداد الضغط على سوق رقائق الذاكرة عالميًا.

كشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة سلاسل توريد أشباه الموصلات وتعقيدها، ودَفعت القوى الكبرى إلى إعادة النظر في استراتيجياتها التكنولوجية، من السيادة الصناعية إلى أمن التوريد.

اليوم، فيما لا يزال العالم يحاول إعادة ترتيب هذه السلاسل، عادت الحرب في الشرق الأوسط لتفتح باب القلق من صدمة جديدة قد تصيب أحد أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد العالمي، وفق "يوراسيا ريفيو". 

ولا يرتبط هذا القلق بعامل واحد، إذ تتقاطع في المشهد الحالي أزمتان: اضطراب إمدادات الهيليوم، وهو عنصر أساسي في عدد من مراحل تصنيع الرقائق، واختناق سوق رقائق الذاكرة نتيجة الطلب الهائل القادم من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

ومع أن كل أزمة من هاتين الأزمتين تثير المخاوف وحدها، فإن اجتماعهما يرفع مستوى الضغط على سلاسل التوريد التكنولوجية عالميًا.


نقص إمدادات الهيليوم


يعتمد تصنيع أشباه الموصلات على الهيليوم في عمليات حيوية، منها التبريد وإدارة الحرارة وبعض تطبيقات الحفر والكشف عن التسرب، ولا توجد له بدائل سهلة في المدى القريب. وتزداد حساسية السوق لأن إنتاج هذا الغاز شديد التركّز جغرافيًا، فيما تؤدي قطر دورًا محوريًا فيه بوصفها منتجًا رئيسيًا عالميًا وأكبر منتج خارج الولايات المتحدة.

ومن هنا، تحوّل أي اضطراب يصيب منشآت الغاز القطرية أو الملاحة في الخليج إلى تهديد مباشر للسوق. فقد تعرضت منشآت رأس لفان في مارس/ آذار لهجمات ألحقت أضرارًا واسعة، كما أدت الحرب إلى تعطيل فعلي للملاحة عبر مضيق هرمز خلال مراحل من الأزمة، قبل أن تبدأ عودة محدودة للعبور في 17 و18 أبريل/ نيسان مع بقاء القيود والمخاطر قائمة.

ورغم الارتفاع الكبير في الأسعار الفورية، لا يبدو الخطر فوريًا بالقدر نفسه على جميع المصانع، لأن جزءًا من القطاع يعمل بعقود طويلة الأجل، كما أن بعض الشركات راكم مخزونات احتياطية. وقد قالت مصادر لرويترز في نهاية مارس إن مخزونات الهيليوم لدى شركات الرقائق في كوريا الجنوبية تكفي حتى يونيو/ حزيران على الأقل، ما يخفف أثر الصدمة في الأجل القصير، من دون أن يلغي مخاطر النقص إذا طال أمد الاضطراب.

ارتفعت أسعار الهيليوم بشكل كبير في ظل الحرب في الشرق الأوسط- غيتي
ارتفاع أسعار الهيليوم يزيد الضغط على صناعة الرقائق في ظل اضطراب الإمدادات - غيتي 

وتبدو كوريا الجنوبية في مقدمة المتأثرين بهذه التطورات، نظرًا لاعتمادها الكبير على خامات وطاقة آتية من الشرق الأوسط، ولحساسية قطاعها الصناعي تجاه أي نقص في المواد الأساسية. أما في تايوان، فقد تحدثت شركات مرتبطة بسلسلة تصنيع الرقائق عن مراقبة دقيقة للمخزونات وتنويع أكبر في التوريد لتجنب أثر فوري مباشر.


أزمة رقائق الذاكرة تتفاقم


لا تقف الضغوط عند الهيليوم. فسوق رقائق الذاكرة يعيش أصلًا مرحلة ضيقة، مع تسارع الطلب على ذاكرة النطاق الترددي العالي "HBM" المستخدمة في خوادم الذكاء الاصطناعي. هذا الطلب دفع الشركات الكبرى إلى توجيه جزء متزايد من طاقتها الإنتاجية إلى الشرائح الأعلى قيمة وربحية، ما ضغط على إمدادات أنواع الذاكرة التقليدية.

وتظل هذه السوق شديدة التركّز؛ إذ تهيمن عليها عمليًا ثلاث شركات كبرى هي "سامسونغ إلكترونيكس" و"إس كيه هاينكس" و"مايكرون". ومع انتقال جزء أكبر من الطاقة الإنتاجية إلى "HBM"، ارتفعت أسعار "درام" التقليدية بقوة، حتى إن "تريندفورس" رفعت مطلع فبراير/ شباط توقعاتها لقفزة أسعار عقود "درام" في الربع الأول من 2026 إلى ما بين 90% و95% مقارنة بالربع السابق.

ولا يعود السبب إلى الطلب فقط، فإنتاج "HBM" أكثر تعقيدًا ويستهلك موارد تصنيع حساسة، ما يجعل توسيع المعروض أبطأ من نمو الطلب. ولهذا تتحدث الشركات والمحللون عن استمرار الشح خلال 2026 و2027، فيما قال مسؤول في "سامسونغ" إن الطلب القوي على رقائق الذاكرة سيستمر هذا العام ويمتد إلى العام المقبل.


اضطرابات متزامنة تضغط على السوق


حين يتقاطع نقص الهيليوم مع ضيق سوق الذاكرة، تصبح الضغوط مركبة. فالمسألة لا تتعلق بمادة خام أو شريحة منفردة، إنما بمنظومة مترابطة: طاقة، ومواد صناعية، وخطوط شحن، ومصانع ذاكرة، ومراكز بيانات تدفع الطلب إلى مستويات غير مسبوقة. ولهذا يبدو قطاع التكنولوجيا أكثر عرضة اليوم لصدمات متزامنة يصعب امتصاصها سريعًا.

ويتضح هذا بجلاء في كوريا الجنوبية، التي سجلت أسواقها المالية في 4 مارس/ آذار 2026 أسوأ جلسة في تاريخ مؤشر "كوسبي" بعد هبوطه 12.06%، وسط مخاوف مرتبطة بالحرب وارتفاع أسعار الطاقة، في بلد يستورد نحو 70% من نفطه الخام من الشرق الأوسط. وهذه الحساسية لا تقتصر على الطاقة، لأن كوريا الجنوبية تحتضن اثنين من أهم منتجي رقائق الذاكرة في العالم.

وكلما طال أمد هذا الضغط المزدوج، زادت احتمالات انتقال أثره من المصانع إلى قطاعات أوسع: من الهواتف والحواسيب إلى مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية. وقد أظهرت نتائج "تي إس إم سي" الأخيرة أن الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي ما يزال قويًا جدًا، ما يعني أن أي اختناق إضافي في المواد أو الذاكرة قد يرفع الكلفة ويعقّد خطط التوسع.

يشهد السوق العالمي نقصًا واسع النطاق في رقائق الذاكرة- غيتي

 


يشهد السوق العالمي اختناقًا متزايدًا في رقائق الذاكرة مع توسع الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي - غيتي

هل تنجح محاولات إعادة تشكيل سلاسل التوريد؟


أعادت أزمة كوفيد-19 إطلاق النقاش العالمي حول تنويع سلاسل توريد الرقائق، ثم جاءت التوترات الجيوسياسية لتمنح هذا النقاش زخمًا أكبر. غير أن المشكلة تكمن في أن إعادة بناء هذه السلاسل ليست عملية سريعة، لأنها تصطدم بإرث طويل من العولمة، وبتشابك عميق بين الإنتاج والمواد الخام والشحن والاستثمار.

ولهذا، بدت الحرب في الشرق الأوسط اختبارًا جديدًا لمدى قدرة العالم على امتصاص الصدمات في قطاع بالغ الحساسية. فما يجري اليوم لا يعني بالضرورة تكرار أزمة الرقائق التي عرفها العالم بعد الجائحة، خصوصًا أنّ الأمور قد تذهب الآن نحو الاستقرار في حال التوصل إلى اتفاق، لكنه يؤكد أن الصناعة ما تزال مكشوفة أمام الاضطرابات الجيوسياسية، وأن أي حديث عن "سيادة تكنولوجية" لن يكتمل ما لم يشمل المواد الأساسية ومسارات الشحن ومصادر الطاقة، لا المصانع وحدها.

تابع القراءة

المصادر

ترجمات