لا ينسى الرئيس الأميركي دونالد ترمب مواعيده هذه المرة. فقبل يومين من انتهاء مهلة الأيام العشرة التي منحها لإيران لإبرام اتفاق أو إعادة فتح مضيق هرمز، كتب على منصته "تروث سوشال" متوعّدًا طهران بـ"الجحيم".
أتذكرون حين أمهلت إيران عشرة أيام لإبرام اتفاق أو فتح مضيق هرمز؟
الوقت ينفد، تتبقى 48 ساعة قبل أن ينزل عليهم الجحيم.
وتُعد هذه المهلة الثالثة خلال أسبوعين، بعدما كان ترمب قد مدّد اثنتين سابقتين:
- في 21 مارس/ آذار الماضي، أمهل طهران 48 ساعة لفتح مضيق هرمز، وإلا سيتجه إلى تدمير منشآت الطاقة في إيران.
- وفي 23 مارس، مدّد المهلة خمسة أيام إضافية.
- ثم عاد في 26 من الشهر نفسه ومنحها مهلة ثالثة لمدة عشرة أيام، تنتهي يوم الاثنين 6 أبريل/ نيسان الجاري، لإعادة فتح المضيق أو مواجهة استهداف منشآتها الطاقوية.
هل انهارت محادثات إسلام أباد؟
ويحيط الغموض بجهود الوساطة بين واشنطن وطهران للتوصل إلى اتفاق يوقف الحرب بينهما، إذ أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" الجمعة الماضي بأن جهود الوساطة "وصلت إلى طريق مسدودة"، وأن إيران أبلغت الوسطاء بأنها غير مستعدة للاجتماع بمسؤولين أميركيين في إسلام آباد خلال الأيام المقبلة، وأنها تعتبر الشروط الأميركية لوقف الحرب "غير مقبولة".
لكن وزير الخارجية الإيراني لم يشارك الصحيفة خلاصاتها "المتشائمة"، وكتب السبت الماضي على منصة "إكس" قائلًا:
"نشعر بامتنان شديد لباكستان على جهودها، ولم نرفض قط الذهاب إلى إسلام آباد.
ما يهمنا هو شروط وقف نهائي ودائم للحرب غير الشرعية التي فرضت علينا".
وكانت إيران قد أعلنت في 26 مارس أنها سلّمت ردها إلى الوسطاء على المقترح الأميركي. ونقلت وكالة "تسنيم" عن مصدر لم تسمّه أن "رد إيران على الخطة المؤلفة من 15 بندًا، التي اقترحتها الولايات المتحدة، تمّ تقديمه رسميًا عبر الوسطاء، وإيران تنتظر جوابًا عليه من الطرف الآخر".
وبحسب الوكالة، يتألف الرد الإيراني من خمسة بنود:
-
إنهاء "العدوان"
-
وضع آلية تضمن عدم استئناف إسرائيل أو الولايات المتحدة الحرب
-
التعويض المالي
-
إنهاء الأعمال العدائية على كل الجبهات، بما فيها لبنان
-
الاعتراف بالسيادة الإيرانية على مضيق هرمز
في المقابل، لم تُعرف تفاصيل المقترح الأميركي المؤلف من 15 بندًا، لكن تقارير ومصادر إعلامية أشارت إلى أنه تضمّن مطالب تراوحت بين تفكيك البرنامج النووي الإيراني، والحد من إنتاج الصواريخ، وتسليم السيطرة الفعلية على المضيق.
شروط أميركية لوقف الحرب
بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، اقترح ترمب وقفًا لإطلاق النار لمدة شهر، يُستأنف خلاله التفاوض حول القضايا نفسها التي كانت مطروحة قبل الحرب.
وتشمل هذه القضايا مطالبة الولايات المتحدة إيران بتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب ووقف أي تخصيب إضافي، وموافقة طهران على وضع حد لبرنامجها الصاروخي، فضلًا عن وقف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة.
وأشارت تقارير إلى أنه في حال استجابت إيران للشروط الأميركية وفتحت مضيق هرمز، فإن ترمب سيعرض رفع جميع العقوبات المفروضة عليها.
ولا تبتعد البنود الأميركية الخمسة عشر، في خطوطها العامة، عن الأهداف التي حدّدها ترمب للحرب بعد اندلاعها، باستثناء ملف فتح مضيق هرمز الذي لم يكن من أهدافها الأولى.
ففي اليوم الثالث للحرب، أي في 2 مارس/ آذار الماضي، أعلن ترمب للمرة الأولى قائمة أهدافه الأربعة الرئيسية، وهي:
-
تدمير قدرات الصواريخ البالستية في إيران
-
القضاء على القوة البحرية الإيرانية
-
منع إيران من حيازة السلاح النووي
-
منع النظام الإيراني من "تسليح وتمويل وقيادة جيوش إرهابية خارج حدوده"
ولا يُعرف بعد ما إذا كان الرئيس الأميركي سينفذ تهديده باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية، أم سيتجه إلى خيار آخر، مثل الاستيلاء على جزيرة خرج ذات الأهمية البالغة في تصدير النفط الإيراني.
هل تُستهدَف محطات الكهرباء؟
في إيران أكثر من 90 محطة كهرباء، يقع بعضُها على سواحل الخليج.
ووفقًا لتقرير نشرته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) أواخر عام 2024 فإن محطات تعمل بما يُعرَف بالدورة المُركَّبة، تتولى إنتاج نحو 38% من الكهرباء في البلاد، في حين تُنتِج المحطات العاملة بالغاز 26%، وتنتج تقنيات الطاقة المتجددة نحو 13% من مصادر الكهرباء.
ومن أكبر محطات توليد الكهرباء في البلاد:
-
محطة دماوند في ضواحي محافظة طهران، وتنتج قرابة 2900 ميغاواط
-
محطة شهيد سليمي في محافظة مازندران شمال البلاد، وتبلغ قدرتها الإنتاجية 2214 ميغاواط
-
محطة شهيد رجائي في محافظة قزوين، وتبلغ قدرتها الإنتاجية الإجمالية 2042 ميغاواط
"جريمة حرب"
يُعد استهداف مراكز الطاقة والكهرباء انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب، باعتبارها من "الأعيان المدنية"، ما لم تُستخدم لأهداف عسكرية مباشرة.
وتحظر اتفاقيات جنيف عام 1949 وبروتوكولاتها استهداف الأعيان المدنية المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني، كما توجب حماية البنية التحتية الحيوية لبقاء السكان.
ومن شأن تدمير محطات توليد الكهرباء خلال الحروب أن يضر بشبكات توزيع المياه، ويوقف عمليات التحلية، ويعطّل عمل المنشآت الصحية الحيوية مثل المستشفيات، ويضرب سلسلة تخزين المواد الغذائية وتوزيعها، بما قد يرقى إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة الدولية.
ترمب يتوعّد بإعادة إيران إلى "العصر الحجري"
"سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه.
إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، سنضرب كل محطة من محطاتهم للطاقة بشدة، وربما في وقت واحد".
استهداف محطات الكهرباء ليس السيناريو الوحيد
لا يُعَدّ استهداف محطات الكهرباء السيناريو الوحيد المرجح. فالمؤشرات تتزايد إلى احتمال شن هجوم بري يهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، وربما عبر نشر قوات أميركية على الساحل الإيراني.
ويضاف إلى ذلك سيناريو الاستيلاء على جزيرة خرج، التي تُعدّ مركزًا لما يصل إلى 90% من صادرات النفط الإيرانية، علمًا أن الفرقة الأميركية 82 المحمولة جوًا، المتخصصة في عمليات الإنزال، قادرة على الانتشار خلال 18 ساعة من تلقي الأوامر.
"سنمحو كل مصادر الطاقة وجزيرة خرج"
"إذا لم يُفتح مضيق هرمز على الفور، فسوف نختتم إقامتنا الممتعة في إيران بتفجير ومحو كل محطات الطاقة وآبار النفط وجزيرة خرج، (وربما جميع محطات تحلية المياه)"
جزيرة خرج
تقع جزيرة خرج على بعد نحو 30 كيلومترًا من السواحل الإيرانية، وأكثر من 500 كيلومتر من مضيق هرمز، وتضم أكبر محطة نفط في إيران، يمر عبرها نحو 90% من صادراتها من الخام.
ولا توجد في جزيرة خرج آبار نفط، بل خطوط أنابيب وخزانات ومنشآت أخرى مخصصة لنقل النفط.
وعزّزت إيران في الأسابيع الماضية وجودها العسكري في الجزيرة، ونشرت أنظمة دفاع إضافية، بينها صواريخ أرض-جو محمولة وألغام.
وقصفت القوات الأميركية في 13 مارس/ آذار الماضي أكثر من 90 هدفًا عسكريًا في خرج، بينها منشآت لتخزين الألغام البحرية ومخابئ صواريخ ومواقع عسكرية أخرى.
كيف يمكن الاستيلاء على خرج؟
بحسب تقرير نشرته وكالة الصحافة الفرنسية في نهاية مارس/ آذار، هناك ثلاثة مسارات محتملة أمام القوات الأميركية للسيطرة على الجزيرة:
-
عبر الجو من خلال عملية إنزال جوي
-
عبر البحر من خلال عملية برمائية
-
أو عبر الجمع بين الخيارين
ونقلت الوكالة عن القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية الجنرال جوزيف فوتيل قوله، في حديث لموقع "ذي وور زون"، إن "جزيرة صغيرة مثل خرج قد تتطلب كتيبة من مشاة البحرية، أي ما بين 800 وألف عنصر، وربما أقل بقليل، لكن على الأرجح ليس أكثر بكثير".
لكن أستاذ الدراسات الاستراتيجية في جامعة سانت أندروز فيليبس أوبراين يشير إلى أن "السيطرة على خرج والاحتفاظ بها مسألتان مختلفتان"، في إشارة إلى صعوبة إبقاء القوات الأميركية في جزيرة تقع ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
ويبرز هنا موقع مدينة بوشهر، الواقعة على بعد نحو 60 كيلومترًا، والتي تُعدّ مركزًا عسكريًا مهمًا "تؤمّن إيران من خلاله الدفاع عن كامل شمال الخليج، بما في ذلك خرج"، بحسب الباحث في "المؤسسة المتوسطية للدراسات الاستراتيجية" الفرنسي بيار رازو.
عمليًا، قد تكون السيطرة على خرج "كارثية" بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني الذي يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط، بحسب مركز الأبحاث الأميركي "صوفان".
وقد تشكّل السيطرة على الجزيرة ورقة ضغط بيد ترمب لدفع إيران إلى التنازل، لكن سؤالًا آخر يفرض نفسه:
ماذا لو لم يقدم الإيرانيون أي تنازلات؟ هل ستتجه واشنطن إلى تدمير منشآت خرج بالكامل انتقامًا؟
بحسب محللين، فإن خيارًا كهذا قد ينقلب على واشنطن، إذ سترتفع أسعار النفط بشكل كبير، وقد تدفع إيران إلى إغلاق الملاحة في المضيق لفترة أطول. فإذا لم تتمكن من تصدير نفطها، فلماذا تسمح للآخرين بذلك؟
جزر أخرى في دائرة الاستهداف
لا تمثل جزيرة خرج الأهمية الوحيدة في حسابات المواجهة، خصوصًا إذا كان الهدف فتح حركة ناقلات النفط في الخليج.
ومن الجزر الأخرى ذات الأهمية:
- جزيرة لارك
جزيرة صغيرة تقع إلى الشرق من جزيرة قشم وجنوب جزيرة هرمز، وتحتل موقعًا استراتيجيًا عند أضيق نقطة في المضيق. وتُعد، منذ عام 1987، موقعًا رئيسيًا لتصدير النفط، كما تضم قاعدة عسكرية إيرانية.
ويرتبط الحديث عن لارك مؤخرًا بمسار ملاحي ترجّح تقارير أن الحرس الثوري خصصه للسفن التي يجيز لها عبور المضيق، وأنشأ لهذا الغرض نظام تسجيل، فيما يتعين على السفن التي تسلك هذا المسار دفع مبالغ كبيرة.
- جزيرة قشم
أكبر جزر الخليج، وتمتد على نحو 100 كيلومتر في مضيق هرمز، وهي وجهة سياحية مفضلة للإيرانيين، بفضل تراثها الجيولوجي المصنّف من قبل اليونسكو، وشواطئها، وأشجار القرم، وأجوائها الاجتماعية المريحة.
ويُعد ميناؤها أحد المنافذ الرئيسة للمنتجات الآتية من الإمارات، كما تقع على مسافة قريبة من جزيرتي لارك وهرمز.
- الجزر المتنازع عليها
تعتبر إيران جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، في حين تطالب بها الإمارات.
وتحوّلت هذه الجزر، إضافة إلى جزيرة سيري الصغيرة، إلى مواقع محصنة تنشر فيها صواريخ مضادة للسفن.
كما تنشر طهران فيها وحدات من بحرية الحرس الثوري مزوّدة بأنظمة صاروخية قادرة على استهداف "القواعد والسفن والمعدات المعادية" في دول الجوار.
قاليباف: جنودنا ينتظرون
في 25 مارس/ آذار الماضي، حذّر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من احتمال غزو إحدى الجزر الإيرانية بدعم من دولة إقليمية لم يسمّها.
وكتب قاليباف على "إكس":
"تُراقب قواتنا كل تحركات العدو، وإذا أقدموا على أي خطوة، فستُستهدف كل البنى التحتية الحيوية لتلك الدولة الإقليمية بهجمات متواصلة لا هوادة فيها".
ودعا قاليباف واشنطن إلى "عدم اختبار" تصميم إيران في الدفاع عن أراضيها، قائلًا: "العدو يبعث علنًا برسائل تفاوض وحوار، فيما يخطط سرًا لهجوم بري".
وبينما تستعد واشنطن لأسابيع من العمليات البرية في إيران، من دون أن ترقى إلى مستوى "الغزو الشامل"، وفق تقرير نشرته "واشنطن بوست"، تستعد إيران في المقابل لسيناريوهات الغزو، ويؤكد مسؤولوها أن لديها ما لا يقل عن مليون مقاتل جاهزين للدفاع عنها.