لا يقتصر ضغط العمل على الجهد المبذول لإنجازه، بل يمتد إلى أثره على صحة الفرد الجسدية والنفسية، وعلى علاقاته وجودة حياته عمومًا. وبينما تُعد بعض المهن شديدة الإرهاق، توفّر مهن أخرى بيئة أكثر استقرارًا وهدوءًا نفسيًا.
ولا تعني الوظائف المرهِقة بالضرورة أنها "سيئة". فالأطباء والجراحون ينقذون أرواحًا، ورجال الإطفاء يحمون مجتمعاتهم، لكنّ مهنهم تصنَّف "مرهقة" بطبيعة الحال. وفي المقابل، لا يعني انخفاض الضغط أن الوظيفة "سهلة"، إذ قد تتطلب المهن الأقل توترًا مهارة وتركيزًا ومثابرة، لكنها غالبًا ما تُدار ضمن إيقاع أكثر قابلية للتنبؤ.
ما الذي يسبّب التوتر في العمل؟
-
عبء العمل وساعات الدوام: نوبات طويلة وغير متوقعة، مقابل دوام ثابت من التاسعة صباحًا إلى الخامسة مساءً.
-
حجم المسؤولية: هل حياة الناس، أو أموال طائلة، على المحك؟
-
بيئة العمل: هادئة ومنظمة، أم فوضوية وخطرة؟
-
الأمان الوظيفي: دخل ثابت، أم خطر التسريح المتكرر؟
-
التحكم والاستقلالية: هل يمتلك العامل هامش قرار، أم يعمل تحت ضغط الآخرين؟
-
الضغط النفسي: صدمات، صراعات، أو "دراما" يومية قد تترك أثرًا طويل المدى.
ماذا عن الوظائف الخالية من التوتر؟
-
جداول زمنية منتظمة
-
شعور بالاستقلالية
-
أمان وظيفي
-
فرص للإبداع أو الاسترخاء
-
توازن صحي بين العمل والحياة
الوظائف الأكثر إرهاقًا
في ما يلي 10 من أكثر الوظائف إرهاقًا، وفق درجات تحمّل الإجهاد على مقياس "وان ت أونلاين" (0 إلى 100، حيث تشير الدرجة الأعلى إلى حاجة أكبر لإدارة ظروف مُرهِقة):
-
مُحررو الأفلام والفيديو (99)
-
مساعدو أطباء التخدير (98)
-
القضاة (98)
-
أطباء المسالك البولية (98)
-
موظفو الاتصالات في مجال السلامة العامة (96)
-
مشرفو الخط الأول للعاملين في مبيعات التجزئة (96)
-
ممرضو التخدير (96)
-
أطباء التوليد وأمراض النساء (92)
-
ممرضو الرعاية الحادة (91)
-
عاملو الهاتف (88)
الوظائف الأقل إجهادًا
في المقابل، تسجل بعض المهن درجات أقل على المقياس نفسه. ورغم أنها تحمل مسؤوليات، فإنها غالبًا ما تتضمن مواقف ضغط أقل أو وتيرة عمل أكثر ثباتًا وقابلية للتنبؤ:
-
أخصائيو الموجات فوق الصوتية الطبية التشخيصية (70)
-
مسؤولو الامتثال (70)
-
فنيو العلوم البيئية والحماية، بما في ذلك الصحة (71)
-
فنيو الجيولوجيا، باستثناء فنيي الهيدرولوجيا (72)
-
مهن العلوم الرياضية (72)
-
رسامو الخرائط وفوتوغرامتري (73)
-
مطورو الويب (74)
-
مشغلو الأدوات المُتحكم بها رقميًا بالحاسوب (74)
-
فنيو وتقنيو الهندسة البيئية (74)
-
مهندسو الزراعة (74)
العاملون الأكثر عرضة لاضطرابات الصحة النفسية
إلى جانب "مقياس الإجهاد" المرتبط بطبيعة العمل، تشير دراسات إلى أن بعض القطاعات ترتبط بمعدلات أعلى من الضيق النفسي المتكرر. فقد وجدت دراسة أن العاملين في مجالات الفنون والتصميم والترفيه والرياضة والإعلام أكثر عرضة لتكرار الضيق النفسي مقارنة بغيرهم من العاملين. وبشكل عام، أفاد نحو واحد من كل عشرة عمال بتكرار الضيق النفسي، وفق الدراسة المنشورة في يونيو/ حزيران 2025 في مجلة JAMA Network Open.
واطلعت الدراسة على بيانات أكثر من 460 ألف شخص من استطلاعات نظام مراقبة عوامل الخطر السلوكية في الولايات المتحدة (2015-2019)، واعتمدت ثلاثة مقاييس للصحة النفسية لدى المشاركين:
-
الاكتئاب: تشخيص الاكتئاب في مرحلة ما من حياتهم.
-
واقع الصحة النفسية: عدد الأيام خلال الثلاثين يومًا الماضية التي لم تكن فيها الصحة النفسية "جيدة".
-
الضيق النفسي المتكرر: الإبلاغ عن 14 يومًا أو أكثر خلال الشهر السابق كانت فيها الصحة النفسية "سيئة".
وبحسب النتائج، أفاد 14.2% من المشاركين بمعاناتهم من اكتئاب خلال حياتهم، بينما أفاد 9.6% بمعاناتهم من ضائقة نفسية متكررة.
وعند قياس الضائقة النفسية المتكررة تحديدًا، كان معدل انتشارها أعلى بمقدار 1.32 مرة لدى العاملين في مجالات الفنون والتصميم والترفيه والرياضة والإعلام مقارنة بالمجموعة المرجعية. كما شملت مهن أخرى ذات معدل أعلى للضائقة النفسية المتكررة:
-
إعداد وتقديم الطعام (1.20 مرة)
-
دعم الرعاية الصحية (1.19 مرة)
-
المبيعات والمهن ذات الصلة (1.13 مرة)
مهن ترتفع فيها معدلات الاكتئاب
بالمقارنة مع العاملين في المجموعة المرجعية، كان معدل انتشار الاكتئاب أعلى بين:
-
العاملين في الخدمات المجتمعية والاجتماعية (1.47 مرة)
-
العاملين في مجالات الفنون والتصميم والترفيه والرياضة والإعلام (1.34 مرة)
وشملت المهن التي شهدت مستويات أعلى من الضيق الشديد مقارنة بجميع العاملين:
-
دعم الرعاية الصحية
-
إعداد وتقديم الطعام
-
تنظيف وصيانة المباني والأراضي
-
الرعاية الشخصية والخدمات
-
المبيعات والمهن ذات الصلة
وأشار الباحثون إلى أن أماكن العمل يمكن أن تلعب دورًا في تحديد المخاطر النفسية والاجتماعية، والحد منها، وتعزيز الصحة النفسية للعاملين، لافتين إلى الحاجة لمزيد من الدراسات لتقييم العوامل المرتبطة بالعمل وفعالية التدخلات داخل مكان العمل.
جوانب العمل المرتبطة بالضغوط النفسية
وبحثت دراسة سابقة أُجريت عام 2023 في الوظائف الأكثر والأقل عرضة للضغوط النفسية ومشكلات الصحة النفسية، وسألت العاملين عن جوانب عملهم المرتبطة بالضغوط.
ووفق موقع "سيكياتري"، شملت الأوصاف الإيجابية الأكثر شيوعًا للوظائف التي ترتبط عادة بمستويات ضيق أقل:
-
الدعم الاجتماعي
-
الشعور بالإنجاز
-
التحكم في العمل
-
متطلبات عمل قابلة للإدارة
في المقابل، شملت الأوصاف السلبية الأكثر شيوعًا، والتي ترتبط غالبًا بمستويات ضيق أعلى:
-
متطلبات عمل مفرطة (مجهود بدني كبير أو ضغط شديد)
-
انخفاض الدعم الاجتماعي (خلافات مع الزملاء أو المديرين، أو ضعف العلاقات داخل العمل)
-
انعدام السيطرة
-
انعدام الشعور بالإنجاز
كما وجد البحث أن الضائقة قد تزداد بمرور الوقت في المهن عالية الخطورة؛ إذ ترتفع احتمالات الضيق النفسي مع كل سنة عمل في مهنة عالية الخطورة، وفق ما أورده الباحثون.
ويخلص أصحاب الدراسة إلى أن خطر الضائقة المرتبطة ببعض المهن قد ينشأ من خصائص المهنة نفسها، وليس فقط من خصائص العامل أو الضغوط غير المرتبطة بالعمل، مشددين على أهمية سؤال مقدمي الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية لمرضاهم أو عملائهم عن الضغوط المتعلقة بالعمل.
في المحصلة، لا توجد "وظيفة مثالية" خالية تمامًا من الضغط، لكن فهم مصادر الإجهاد - من ساعات العمل وطبيعة المسؤولية إلى الدعم الاجتماعي داخل مكان العمل - يساعد على تقليل الكلفة النفسية قبل أن تتحول إلى إنهاك مزمن.
وبينما تختلف المهن في درجات التوتر، يبقى العامل المشترك هو الحاجة إلى بيئات عمل أكثر تنظيمًا وعدالة، وإلى تدخلات واقعية: مرونة في الجداول، وضوح في الأدوار، دعم نفسي، ومساحات استراحة وتواصل، كي لا تتحول الإنتاجية إلى استنزاف طويل الأمد.