الثلاثاء 9 كانون الأول / ديسمبر 2025

هل يحرّر "هولوكوست غزة" ألمانيا من الشعور بالذنب؟

هل يحرّر "هولوكوست غزة" ألمانيا من الشعور بالذنب؟ محدث 15 آب 2025

شارك القصة

يعتبر شولتس وميركل أمن اسرائيل جزءا من المصلحة العليا للدولة الالمانية-غيتي
يعتبر شولتس وميركل أمن اسرائيل جزءا من المصلحة العليا للدولة الالمانية - غيتي
الخط
تقوم العلاقات الألمانية-الإسرائيلية على ما يسمى الشعور بالذنب والمسؤولية التاريخية لبرلين عن الهولوكست خلال الحرب العالمية الثانية، ما يجعلها الأكثر غرابة في تاريخ العلاقات الدولية.

ما بين إعلان المستشار الألماني فريدريش ميرتس وقف تصدير المعدات العسكرية الألمانية إلى إسرائيل، وبين مواقف أسلافه من المستشارين السابقين، وعلى رأسهم أولاف شولتس وأنغيلا ميركل اللذان منحا إسرائيل دعمًا غير مشروط، انطلاقًا مما تعتبره برلين "مسؤولية خاصة" تجاه إسرائيل، يبدو أن الموقف الألماني من تل أبيب يشهد تحوّلًا دراماتيكيًا، وإن لم يبلغ حدّ الانقلاب الكامل، وربما يكون يعود السبب إلى محاولة الساسة الألمان "إنقاذ إسرائيل من نفسها" بعد تزايد عزلتها الدولية.

وكانت وزيرة الخارجية الألمانية السابقة أنالينا بيربوك من أوائل المسؤولين الغربيين الذين هرعوا إلى تل أبيب عقب هجوم "طوفان الأقصى" الذي نفذته حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. كما كانت أكثر المسؤولين الغربيين تردّدًا إلى إسرائيل منذ ذلك التاريخ وحتى ديسمبر/ كانون الأول 2024؛ إذ زارت تل أبيب تسع مرات، والمنطقة 11 مرة، ولم ينافسها في عدد الزيارات سوى وزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكن.

المستشار الالماني سولتس سبق بايدن في زيارة اسرائيل بعد 7 اكتوبر-غيتي
المستشار الالماني سولتس سبق بايدن في زيارة اسرائيل بعد 7 اكتوبر-غيتي

بل إن المستشار الألماني السابق أولاف شولتس سبق الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في زيارة تل أبيب، وكان ثاني أرفع مسؤول غربي يزورها بعد رئيس الوزراء الروماني مارسيل سيولاكو، الذي وصل في وقت سابق من اليوم نفسه (17 أكتوبر/ تشرين الأول 2023) الذي وصل فيه شولتس.

وفور وصوله إلى إسرائيل، كتب شولتس تدوينة بالعبرية على منصة "إكس" قال فيها: "زيارتي لإسرائيل هي زيارة للأصدقاء. ألمانيا تقف بثبات إلى جانب إسرائيل". وخلال الزيارة، أكد في مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن "أمن إسرائيل ومواطنيها أمر بالغ الأهمية بالنسبة لألمانيا"، موضحًا: "من المهم للغاية قول هذا اليوم، هنا، خلال هذه الأوقات الصعبة في إسرائيل. تاريخ ألمانيا والمسؤولية التي تحملتها عن المحرقة تقتضي منا الحفاظ على أمن إسرائيل ووجودها".

ويقترن تذكير شولتس بمسؤولية بلاده عن المحرقة (الهولوكست) بمفهوم آخر أقرّته المستشارة السابقة أنغيلا ميركل، وأصبح جزءًا من قواعد السياسة الألمانية رغم عدم التنصيص عليه في الدستور، وهو أن "أمن إسرائيل جزء من المصلحة العليا للدولة الألمانية".

أمن إسرائيل مصلحة ألمانية عليا

استخدمت ميركل هذا المفهوم في خطاب ألقته في الكنيست الإسرائيلي في الذكرى الستين لتأسيس إسرائيل، في مارس/ آذار 2008، وهو ما كرّره أولاف شولتس حرفيًا في 12 أكتوبر 2023، قبل أيام من زيارته تل أبيب، قائلًا أمام البرلمان الألماني:

"إننا نعني ذلك عندما نقول: أمن إسرائيل مصلحة وطنية ألمانية.

لإسرائيل الحق، بموجب القانون الدولي، في الدفاع عن نفسها ومواطنيها ضد هذا الهجوم الهمجي".

ميركل أكدت في الكنيست عام 2008 ان امن اسرائيل مصلحة المانية عليا-غيتي
ميركل أكدت في الكنيست عام 2008 ان امن اسرائيل مصلحة المانية عليا-غيتي

غير أن وزيرة خارجية شولتس، أنالينا بيربوك، ذهبت أبعد منه ومن ميركل خلال زيارتها الأولى لإسرائيل في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، مطلقة عبارة تفردت بها بين جميع المسؤولين الألمان والأجانب: "في هذه الأيام، كلنا إسرائيليون".

وقبل مغادرتها برلين، أدانت بيربوك بشدة الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل، وقالت: "لقد ارتكبت حماس فظائع مفزعة خلال الأيام الماضية". وأضافت أن "الهجمات الإرهابية نقطة تحوّل وحشية بدأ معها عصر جديد لشعب إسرائيل".

أنالينا بيربوك من أوائل من زاروا اسرائيل بعد طوفان الاقصى-غيتي
أنالينا بيربوك من أوائل من زاروا اسرائيل بعد طوفان الاقصى-غيتي

وبعد 7 أكتوبر 2023، حظرت الشرطة الألمانية رفع العلم الفلسطيني وارتداء الكوفية، ولاحقًا ربطت السلطات الألمانية التقدم بطلب الحصول على الجنسية بالإقرار بحق إسرائيل في الوجود، وهو ما دخل حيّز التنفيذ في يونيو/ حزيران 2024 بموجب تعديل قانون الجنسية.

وفي ديسمبر/ كانون الأول 2023، أصدرت وزيرة داخلية مقاطعة ساكسونيا-أنهالت قرارًا يقضي بوجوب تضمين طلب الجنسية تعهدًا خطيًا بالاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، واصفة ذلك بأنه "مصلحة عليا" لألمانيا.

واستخدمت ميركل مصطلح "أمن إسرائيل جزء من المصلحة العليا للدولة" في خطابها أمام الكنيست في 18 مارس/  آذار 2008، مؤكدة أن هذه المسؤولية "جزء من سياسة الدولة" وغير قابلة للمساومة. ومنذ ذلك الوقت اكتسب هذا المصطلح وزنًا شبه قانوني، وغالبًا ما يُستشهد به كما لو كان التحالف مع إسرائيل جزءًا من دستور البلاد. 

ميركل تؤكد مسؤولية ألمانيا التاريخية الخاصّة إزاء أمن إسرائيل-غيتي
ميركل تؤكد مسؤولية ألمانيا التاريخية الخاصّة إزاء أمن إسرائيل-غيتي

وكانت ميركل عبّرت في كلمتها في الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) عن "خزيها" من الهولوكوست (المحرقة)، وقالت:

"في هذا الموقع بالتحديد، أقول بكل وضوح إنّ كل حكومة ألمانية وكل مستشار قبلي، كانوا ملتزمين بالمسؤولية التاريخية الخاصّة لألمانيا بالنسبة لأمن إسرائيل، وهذه المسؤولية جزء من سياسة الدولة التي تتبناها بلادي، وهذا يعني أن أمن إسرائيل بالنسبة لي كمستشارة ألمانية غير قابل أبدًا للمساومة".

وخلال توليها منصبها بين عامي 2005 و2021، حافظت ميركل على علاقة وثيقة مع إسرائيل، حتى أنها زارتها في جولة وداعية قبل اعتزالها السياسة في أكتوبر 2021، مؤكدة من هناك أن "أمن إسرائيل سيبقى أولوية لأي حكومة ألمانية".

واجتمعت ميركل آنذاك في زيارتها الثامنة والأخيرة لإسرائيل منذ توليها السلطة، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، وقالت بعد حضورها جلسة لمجلس الوزراء برئاسته:

"إنها هبة من التاريخ أسهمت فيها إسرائيل كثيرًا، أن تتمكن ألمانيا من الجلوس هنا معكم اليوم، ورغم أن المحرقة حادثة فردية إلا أننا مستمرون في تحمل المسؤولية عنها في كل مرحلة من التاريخ، بما في ذلك المستقبل".

الهولوكست والشعور بالذنب

أدّت المحرقة إلى نشوء ما يُعرف بـ"عقدة الذنب" لدى الألمان تجاه اليهود، وهي مفتاح رئيسي لفهم تعقيدات العلاقة بين ألمانيا وإسرائيل منذ إنشائها. فقد قُتل نحو ستة ملايين يهودي في ألمانيا ودول أوروبية أخرى بين عامي 1941 و1945 خلال الحقبة النازية.

اعتقالات في صفوف يهود بولندا على ايدي النازيين عام 1943-غيتي
اعتقالات في صفوف يهود بولندا على ايدي النازيين عام 1943-غيتي

وبعد استسلام ألمانيا عام 1945، قدّم حاييم وايزمان، رئيس الاتحاد الصهيوني العالمي، طلبًا لدول الحلفاء بدفع تعويضات لضحايا الإبادة النازية باسم "الشعب اليهودي"، لكن الطلب رُفض لعدم صدوره عن "دولة". وفي عام 1950، قررت إسرائيل التفاوض مباشرة مع ألمانيا الغربية للحصول على التعويضات، وعقدت اجتماعات عدة مع المستشار كونراد أديناور، الذي اعترف بمسؤولية بلاده عن جرائم الهولوكست ووافق على دفع التعويضات للضحايا.

وفي 10 سبتمبر/ أيلول 1952، أبرمت اتفاقية لوكسمبورغ التي التزمت بموجبها ألمانيا بدفع ثلاثة مليارات مارك (1.5 مليار يورو) خلال 12 عامًا لإسرائيل، ورواتب شهرية للضحايا بصفاتهم الفردية. كما واصلت إسرائيل لاحقًا التفاوض سرًا مع ألمانيا للحصول على مساعدات عسكرية، قبل أن يقيم الجانبان علاقات دبلوماسية عام 1965. 

صورة تعود الى عام 1950 للمستشار الالماني أديناور-غيتي
صورة تعود الى عام 1950 للمستشار الالماني أديناور-غيتي

ومنذ ذلك الوقت أصبحت ألمانيا أقوى الحلفاء الغربيين لإسرائيل بعد الولايات المتحدة، وهو ما التزمت به برلين ومستشاروها منذ كونراد أديناور حتى أولاف شولتس، ما اعتُبر أكثر أشكال التكفير عن الشعور بالذنب غرابة وتعقيدًا في التاريخ.

خيارات برلين الصعبة 

هل يختلف الأمر مع المستشار الحالي فريدريش ميرتس؟

لا يُعتقد أن تغييرًا جذريًا سيحدث في موقف ألمانيا الداعم تاريخيًا لإسرائيل، وإن حدث فإنه سيستغرق وقتًا طويلًا دون أن يتحوّل إلى انقلاب على ما تُعتبر قواعد الدبلوماسية الألمانية وخصوصًا إزاء تل أبيب.

وتجد برلين نفسها بعد حرب التجويع التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، أمام خيارات صعبة قد تضطرها لاتخاذ مواقف قد تكون خشنة إزاء إسرائيل.

ويتزامن هذا مع تغيّرات كبيرة في المواقف الأوروبية، وخصوصًا مواقف فرنسا وبريطانيا وكندا التي أعلنت اعتزامها الاعتراف بدولة فلسطينية الشهر المقبل خلال اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، إضافة إلى تحوّلات في الرأي العام الألماني، حيث أظهر استطلاع للرأي نُشر في الرابع من يونيو/ حزيران الماضي أن 63%من الألمان يرون أن الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة تجاوزت الحد.

وزير الخارجية الالماني (يسار الصورة) مع نظيره الاسرائيلي جدعون ساعر-غيتي
وزير الخارجية الالماني (يسار الصورة) مع نظيره الاسرائيلي جدعون ساعر-غيتي

وشكّلت تصريحات لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في 31 يوليو/ تموز الماضي صدمة في إسرائيل، إذ وصف الوضع في قطاع غزة بأنه "كارثة إنسانية تفوق الخيال"، داعيًا إلى تغييره على الفور، ومشدّدًا على أن إسرائيل تزداد عزلة على الصعيد الدبلوماسي بسبب الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، وفي ظل دفع بعض الدول نحو الاعتراف بدولة فلسطين.

حدث هذا بينما تتصاعد الأصوات داخل البلاد لاتخاذ إجراءات عقابية ضد إسرائيل، ومنها دعوة زيمتيي مالر، نائبة زعيم الكتلة البرلمانية للحزب الديمقراطي الاجتماعي، لفرض عقوبات على إسرائيل بما في ذلك تعليق جزئي لصادرات الأسلحة أو تعليق اتفاق سياسي على مستوى الاتحاد الأوروبي.

وكتبت مالر، التي انضم حزبها إلى ائتلاف مع المحافظين بزعامة المستشار فريدريش ميرتس هذا العام، رسالة إلى نواب الحزب بعد عودتها من رحلة إلى إسرائيل مع وزير الخارجية يوهان فاديفول، قالت فيها: "أعتقد أن الحكومة الإسرائيلية لن تتحرك كثيرًا دون ضغوط، وإذا لم تطرأ تحسينات ملموسة قريبًا، فلا بد من أن تكون هناك عواقب". وأضافت أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية لا ينبغي أن يكون أمرًا يقع في نطاق "المحظورات". 

ذلك وسواه دفع المستشار ميرتس في الثامن هذا الشهر لإعلان أن بلاده ستوقف تصدير المعدات العسكرية التي قد تستخدم في حرب غزة، لإسرائيل حتى إشعار آخر. 

المستشار الالماني يعلن وقف تصدير المعدات العسكرية لاسرائيل-غيتي
المستشار الالماني يعلن وقف تصدير المعدات العسكرية لاسرائيل-غيتي

ويمثّل القرار تحوّلًا بالغ الأهمية في سياسات الحكومة الألمانية، وربما يكون جزءًا من عملية تحرّر ألمانيا من الشعور بالذنب بعد انتفاء أسبابه، بسبب المجازر الإسرائيلية في قطاع غزة التي تحوّلت فيها إسرائيل من ضحية مفترضة إلى جلّاد تتزايد عزلته والإدانات الدولية لكل عملية عسكرية يقوم بها ضد المدنيين في قطاع غزة. 

يذكر أن ألمانيا هي ثاني أكبر مورّد للأسلحة إلى إسرائيل بعد الولايات المتحدة، ووفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فقد زوّدت ألمانيا إسرائيل بنحو 30 % من أهم وارداتها من الأسلحة بين عامي 2019 و2023، وخاصة المعدات البحرية، ومنها فرقاطات استخدمت في حرب غزة.

وذكر البرلمان الألماني في يونيو/حزيران أن تراخيص تصدير عتاد عسكري إلى إسرائيل بقيمة 485 مليون يورو (564 مليون دولار) مُنحت في الفترة ما بين السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 و13 مايو/أيار 2025.

وفي الأشهر التي تلت هجوم حماس في 2023، زادت ألمانيا صادراتها من الأسلحة إلى إسرائيل بنحو عشرة أمثالها. 

تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي