الإثنين 8 كانون الأول / ديسمبر 2025

هل يصبح زُهران ممداني أول مسلم يترأس بلدية نيويورك؟

هل يصبح زُهران ممداني أول مسلم يترأس بلدية نيويورك؟ محدث 28 تشرين الأول 2025

شارك القصة

نال ممداني الجنسية الاميركية عام 2018 ومرشح بقوة للفوز بانتخابات عمدة نيويورك-غيتي
نال ممداني الجنسية الاميركية عام 2018 ومرشح بقوة حاليا للفوز بانتخابات عمدة نيويورك-غيتي
الخط
في حال فوز ممداني، سيكون أول مسلم يُصبح عمدة مدينة نيويورك في تاريخها، ما يعكس عمق التحوّلات الاجتماعية والسياسية في الولايات المتحدة

تتجه أنظار النخبة الأميركية إلى الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، حيث يجري انتخاب عمدة جديد لبلدية نيويورك، كبرى المدن الأميركية ومدينة المال والأعمال في الولايات المتحدة والعالم. 

وتختلف انتخابات هذا العام عن سابقاتها نظرًا لاحتمال فوز المرشح الشاب زُهران ممداني (34 عامًا) برئاسة البلدية، ليصبح في حال فوزه، أول عمدة مسلم للمدينة والأصغر سنًا خلال مئة عام.

وبدأت السبت عمليات التصويت عبر البريد للانتخابات التي يتابعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب باهتمام بالغ، خاصةً أنّه يُعارض وصول ممداني إلى المنصب ويصفه بـ"المجنون".

ترجح استطلاعات الرأي بقوة فوز ممداني بانتخابات أكتوبر - غيتي
ترجح استطلاعات الرأي بقوة فوز ممداني بانتخابات أكتوبر - غيتي

في المقابل، يحظى ممداني، الذي ترجّح استطلاعات الرأي فوزه، بدعم كبير من قواعد الحزب الديمقراطي، ونائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، بالإضافة إلى حاكمة ولاية نيويورك كاثي هوشول، والسيناتور بيرني ساندرز، والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز.

زهران ممداني.. عمدة نيويورك  

وفي حال فوز ممداني الذي نال الجنسية الأميركية عام 2018، سيكون أول مسلم يُصبح عمدة مدينة نيويورك في تاريخها، ما يعكس عمق التحوّلات الاجتماعية والسياسية في البلاد خلال العقدين الماضيين.

كما أنّ من شأن ذلك تكريس كوزموبوليتية المدينة، في مقابل مخاوف تتضخّم لدى اليمين الأميركي إزاء هويتها المعرّضة للتغيّر، في رأيهم، بوصول أول مسلم إلى منصب رئاسة بلديتها.

ويُعدّ الإسلام ثالث ديانة في مدينة نيويورك بعد المسيحية واليهودية، حيث يشكّل المسلمون نحو 9% من سكانها، ويُقدَّر عددهم بنحو 750 ألفًا إلى مليون، ما يجعلهم أكبر تجمع للمسلمين في الولايات المتحدة.

وتُعدّ نيويورك أكثر المدن الأميركية اكتظاظًا بالسكان (نحو 8.5 مليون نسمة)، وأحد أهم مراكز التجارة والمال في العالم؛ ففيها مقر الأمم المتحدة، وسوق الأوراق المالية، ومؤشر داو جونز الصناعي، وكبرى البنوك الأميركية.

الاسلام ثالث ديانة في نيويورك بنحو 750 الف أميركي مسلم-غيتي
الإسلام ثالث ديانة في نيويورك بنحو 750 الف أميركي مسلم - غيتي

وتبلغ ميزانية المدينة نحو 115 مليار دولار، ويعمل في القطاع العام فيها أكثر من 300 ألف موظف.

فوز مرجّح لابن حي كوينز 

ينتمي ممداني إلى الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي، ومنذ فوزه المفاجئ في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في يونيو/ حزيران الماضي، أصبح ممداني وهو نائب في برلمان ولاية نيويورك عن حي كوينز الشعبي، الأوفر حظًا للفوز.

ويُواجه ممداني حاكمَ ولاية نيويورك السابق أندرو كومو (67 عامًا)، وهو من شخصيات الحزب الديمقراطي البارزة الذي خسر أمام ممداني في الانتخابات التمهيدية، فضلًا عن كورتِس سليوا، وهو جمهوري يبلغ الحادية والسبعين.

وأظهرت نتائج ثلاثة استطلاعاتٍ للرأي في أكتوبر أنّ الأميركي الشاب سيحصل على 46 إلى 52% من الأصوات، بفارق 11 إلى 13% عن كومو، في حين سيحصل كورتِس سليوا على 15 إلى 19% من الأصوات.

وحصل حاكم الولاية السابق كومو على دعم رئيس البلدية المنتهية ولايته إريك آدامز، الذي انسحب من السباق نهاية سبتمبر/ أيلول بسبب نتائج استطلاعات الرأي واتهاماتٍ بالفساد.

ويتهم كومو وآدامز المرشحَ الأوفر حظًا بأنّه "معادٍ للأعمال التجارية" و"بائع أوهامٍ دجّال" لأفقر الفقراء.

وأصبح آدامز، وهو شرطي سابق ينحدر من عائلة متواضعة، رئيسًا لبلدية نيويورك عام 2022، وحظي في البداية بشعبية كبيرة، إلا أنّ نجمه بدأ بالأفول بسبب شبهات الفساد وغلاء المعيشة. وهو ثاني أميركي أسود يتولى رئاسة بلدية نيويورك.

في المقابل، نجح ممداني في استقطاب جزءٍ واسع من الشباب الذين ابتعدوا عن السياسة، وساعده في ذلك حضوره النشط على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ينشر مقاطع مصوّرة تمزج بين روح الدعابة والخطاب التقدمي.

إلى ذلك، عزّزت شعارات حملته التي ترفع عنوان "نيويورك التي يمكن تحمّلها" وتركّز على قضايا المعيشة والعدالة الاجتماعية – جاذبيته. ومن أبرز وعوده:

  • تجميد الإيجارات في المساكن الخاضعة لقوانين الاستقرار الإيجاري
  • بناء 200 ألف وحدة سكنية جديدة بأسعار ميسّرة
  • إنشاء متاجر بقالة مملوكة للبلدية لمكافحة ارتفاع الأسعار
  • دعم توفير الحافلات مجانًا لسكان نيويورك
  • دعم رعاية الأطفال الشاملة
  • تحديد حدٍّ أدنى للأجور يبلغ 30 دولارًا بحلول عام 2030
  • زيادة الضرائب على الشركات وعلى من يتجاوز دخلهم مليون دولار سنويًا.
نجح ممداني في استقطاب جزء كبير من الشباب عبر وسائل التواصل-غيتي
نجح ممداني في استقطاب جزء كبير من الشباب عبر وسائل التواصل - غيتي

لهذا ولأسبابٍ أخرى، هاجم الرئيس ترمب في السادس عشر من سبتمبر الماضي حاكمةَ ولاية نيويورك الديمقراطية كاثي هوشول لدعمها ممداني، واصفًا إياه بـ"الشيوعي الصغير".

ترمب: ممداني شيوعي ومجنون 

وكتب ترمب على منصّته "تروث سوشال" للتواصل الاجتماعي: "هذا تطوّر صادم، وخبرٌ سيّئ للغاية لمدينة نيويورك. واشنطن ستراقب هذا الوضع من كثب. ما من داعٍ بتاتًا لإهدار المال".

وأعلنت هوشول دعمها لممداني، مؤكدةً أنّ مكافحة غلاء المعيشة التي جعلها هذا المرشّح عماد حملته، كانت دائمًا "أولويتها"، وأضافت: "بصفتي حاكمة، اتّخذتُ خطواتٍ نحو هذا الهدف، بما في ذلك خفض ضرائب الدخل على الطبقة المتوسطة وتوفير وجبات الغداء المدرسية مجانًا لجميع التلامذة، لكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعيّن القيام به"، وتابعت:

"نظرًا للسياسات الدنيئة والمدمّرة التي تصدر عن واشنطن يوميًا، فأنا بحاجةٍ للتأكّد من أنّ رئيس البلدية المقبل لن يكون شخصًا مستعدًا للتنازل قيد أنملة للرئيس ترمب".

وشكّل دعم هوشول قوّةَ دفعٍ كبيرةً لممداني، الذي أقرّ ترمب في مقابلة أجرتها معه شبكة "فوكس نيوز" التلفزيونية قبل أيام، أنّه يتجه إلى الفوز، معتبرًا ذلك، في حال حدوثه، "ثورة" في البلاد و"أيضًا ثورة ضدّ المرشّحين السيّئين".

ووصف ترمب المرشح المسلم الشاب بأنّه "مجنون تمامًا" و"فظيع" و"شيوعي"، قائلًا إن آخر ما تحتاجه البلاد هو وجود شيوعي يترأس بلدية نيويورك.

وصف ترمب ممداني بأنه "مجنون تمامًا" و"فظيع" وشيوعي - غيتي
وصف ترمب ممداني بأنه "مجنون تمامًا" و"فظيع" وشيوعي - غيتي

وهذه ليست هذه المرة الأولى التي يُهاجم فيها ترمب ممداني؛ فالشهر الماضي تعهّد الرئيس الأميركي بالتدخل مباشرةً في حال أمر ممداني (في حال فوزه) باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إذا زار المدينة، وقال ترمب إن "هذا غير لائق" وإنه سيتدخل في مثل هذا السيناريو.

وكان ممداني قد صرّح لصحيفة "نيويورك تايمز" بأنّه سيأمر باعتقال نتنياهو إذا زار نيويورك، واصفًا إياه بـ"مجرم حرب"، في إشارة إلى مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن محكمة الجنايات الدولية.

وتُعرَف عن ممداني مواقفه المؤيدة للفلسطينيين، وكان قد تقدّم إلى برلمان الولاية بمشروع قانون لإلغاء الإعفاء الضريبي للجمعيات الخيرية في نيويورك المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية.

وخلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، كرّر ممداني القول إنّه "يعتقد أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة"، ووصف إسرائيل بأنها "دولة فصلٍ عنصري".

تمسّك بالهوية الإسلامية

وقبل نحو أسبوعٍ من موعد الاقتراع لانتخابات عمدة المدينة، تعهّد ممداني، في خطابٍ اتسم بالطابع العاطفي، بعدم الاختباء أو التنكّر لهويته الإسلامية، بل بالتمسك بها.

ممداني يؤكد تمسكه بالهوية الاسلامية قبل انتخابات اكتوبر-غيتي
ممداني يؤكد تمسكه بالهوية الاسلامية قبل انتخابات اكتوبر-غيتي

ومحاطًا بعددٍ من المسلمات الأميركيات ورجال الدين، ظهر المرشح الشاب خارج أحد المساجد في منطقة برونكس بنيويورك الجمعة الماضي، وتعهد بمواصلة التمسك والتعبير عن هويته الإسلامية، مُندّدًا بما وصفها بـ"الهجمات العنصرية" التي يشنّها منافسه على المنصب أندرو كومو ومناصروه.

وتطرّق ممداني إلى إهاناتٍ تعرّض لها الأميركيون المسلمون في نيويورك بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وروى، وهو يجاهد ألّا يبكي أو تنهمر دموعه، قصة عمته التي ترتدي الحجاب، وقرارها عدم ركوب مترو الأنفاق لأنّها لا تشعر بالأمان بعد الهجمات.

كما ذكر أنّه عندما دخل مجال السياسة لأول مرة، اقترح عليه عمه، بلطف، أن يحتفظ بإيمانه لنفسه.

مقابلة خاصة مع التلفزيون العربي مع المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة نيويورك زهران ممداني

نائب ترمب يسخر من ممداني

وقال ممداني: "هذه دروسٌ تعلّمها الكثير من المسلمين في نيويورك. وخلال الأيام القليلة الماضية، أصبحت هذه الدروس هي الرسائل الختامية لأندرو كومو وكورتِس سليوا وإريك آدامز"، وشدّد ممداني على أنّ حلم المسلمين أن يُعامَلوا مثل أي أميركي:

"حلم كل مسلم هو ببساطة أن يُعامل مثل أي نيويوركي آخر. ومع ذلك، طُلب منا لفترةٍ طويلة أن نطلب أقل من ذلك، وأن نرضى بالقليل الذي نحصل عليه".

وأضاف ممداني أنّه لن يغيّر أي شيءٍ في حياته ونفسه:

"لن أغيّر من نفسي، أو طريقة تناولي للطعام، أو إيماني الذي أفتخر بانتمائي إليه. لكنّ هناك شيئًا واحدًا سأغيّره. لن أبحث عن ذاتي في الظلال بعد الآن. سأجد نفسي في النور".

وسخر نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس من تصريحات ممداني، وكتب على منصة "إكس" قائلًا:

"وفقًا لزهران، فإن الضحية الحقيقية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت عمته التي تعرضت لبعض النظرات السيئة (كما يُزعم)".

ومن جهته نفى كومو اتهاماتِ ممداني بالعنصرية، متهمًا بدوره ممداني بـ"لعب دور الضحية" لأغراض سياسية، ونافيًا وجود الإسلاموفوبيا على نطاقٍ واسع في نيويورك.

يُشار إلى أنّ ممداني واظب خلال حملته الانتخابية على زيارة المساجد في نيويورك، إضافةً إلى تذكير ناخبيه بأصوله الهندية، ونشر مقاطع دعائية باللغة الأردية.

وقال في تجمعٍ جماهيري قبل أشهر: "ندرك أن الظهور علنًا كمسلمين يعني أيضًا التضحية بالأمان الذي نتمتع به ونحن في الخفاء"، وهو ما تسبّب في بروز موجةٍ من العنصرية ضده.

فبعد فوزه بالترشح المفترض، شنّ عددٌ من الجمهوريين هجماتٍ عليه، وكتبت النائبة الأميركية عن الحزب الجمهوري على "إكس":

"بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، قلنا: لن ننسى أبدًا. أعتقد أننا نسينا للأسف".

من جهتها، نشرت النائبة مارغوري تايلور غرين صورةً لتمثال الحرية مرتديًا البرقع، ودعا النائب الجمهوري آندي أوغلز إلى سحب الجنسية من ممداني وترحيله، ووصفه بـ"محمد الصغير" و"المعادي للسامية" و"الاشتراكي والشيوعي".

زُهران.. أنتلجسنيا وأصول هندية 

وُلد زُهران كوامي ممداني عام 1991 في العاصمة الأوغندية كمبالا، وانتقل مع عائلته وهو في سن الخامسة إلى جنوب أفريقيا، حيث نشأ في كيب تاون، ثم نيويورك التي انتقل إليها مع عائلته عندما كان في السابعة من عمره.

ممداني مع والديه: الأكاديمي في كولومبيا والمخرجة السينمائية-غيتي
ممداني مع والديه: الأكاديمي في كولومبيا والنخرجة السينمائية-غيتي

والده محمود ممداني، وهو أستاذ جامعي أوغندي من أصل هندي وأستاذ الدراسات الإفريقية والاستعمار والعلوم السياسية في جامعة كولومبيا، ووالدته ميرا ناير، وهي مخرجة أفلام أميركية من أصول هندية، وصاحبة أفلام "ميسيسيبي ماسالا" و"زفاف في موسم الأمطار".

وأطلق عليه والداه الاسم الأوسط "كوامي" نسبةً إلى كوامي نكروما، أول رئيس وزراء لغانا.

التحق ممداني بمدارس نيويورك العامة، وتخرّج في مدرسة برونكس الثانوية للعلوم، وحصل لاحقًا على شهادةٍ في الدراسات الأفريقية من كلية بودوين، وشارك في تأسيس فرع "طلاب من أجل العدالة في فلسطين" داخل الحرم الجامعي.

ممداني يقبل يد زوجته التشكيلية السورية راما دواجي-غيتي
ممداني يقبل يد زوجته التشكيلية السورية راما دواجي-غيتي

نال ممداني الجنسية الأميركية عام 2018، وقبل دخوله عالم السياسة، نال شهرةً واسعةً في مجال موسيقى الراب، واشتهر باسمه المستعار "السيد هيل"، ثم انخرط مبكرًا في العمل الميداني ونشط في الحملات التي تطالب بإصلاح قوانين السكن وإلغاء ديون الطلاب.

انضم عام 2017 إلى حركة "الاشتراكيون الديمقراطيون في أميركا"، وعام 2020 فاز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وأصبح عضوًا في الجمعية التشريعية لولاية نيويورك، ليصبح ثالث مسلمٍ يتولى هذا المنصب.

يُشار إلى أن ممداني، الذي يتقن اللغات الإنكليزية والسواحيلية والهندية، متزوّجٌ من الفنانة التشكيلية سوريةِ الأصل راما دواجي.

في المحصّلة، يختبر سباق نيويورك هذه المرة ما هو أبعد من اسم العمدة المقبل: يختبر حدود التحوّل الاجتماعي والسياسي في مدينةٍ تُعرِّف نفسها بالتنوّع، تحت ضغط استقطاب قومي يتغذّى من ملف الهوية ومن أوجاع الاقتصاد اليومي. زُهران ممداني يمثّل لهذا الجيل وعدًا بسياسات معيشية جريئة وهوية لا تختبئ، فيما يمثّل لخصومه مخاطرةً بـ"هوية المدينة" ونموذجها الاقتصادي. أيًّا تكن النتيجة، فإن طريقه إلى المنصب أو إلى المعارضة سيُبقي قضايا السكن والعدالة الاجتماعية وتمثيل المسلمين والعرب في الواجهة، ويترك أثرًا ممتدًّا على خريطة السياسة الأميركية من نيويورك إلى واشنطن.
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي