بشعره المصّفف جيدًا وقامته الطويلة التي تقارب 183 سنتيمترًا، يبدو وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أقرب إلى لاعب كرة سلة مستعد للعراك والتدافع العنيف مع خصومه في أي لحظة من أجل الاحتفاظ بالكرة وتحقيق الفوز، معتمدًا أولًا على قوته البدنية.
لا يبتعد هذا الانطباع كثيرًا عن حقيقة هيغسيث في مطلع شبابه. فالوزير الذي وُلد في مينيابوليس بولاية مينيسوتا عام 1980، لأب من أصول نرويجية كان يعمل مدربًا لكرة السلة في مدارس الولاية، وكان مفتونًا بهذه الرياضة مثل والده، وساعدته بنيته الجسدية على التميز فيها.
وخلال دراسته الثانوية، لعب في مركز صانع الألعاب في فريق مدرسته لكرة السلة، وحتى بعد التحاقه بجامعة برينستون عام 1999، ظل وفيًا لشغفه الرياضي، منضمًا إلى فريق "تايغرز" لكرة السلة للرجال.
لكن الهوس بالفوز تحوّل لاحقًا، في مسار هيغسيث، إلى نزعات أكثر صلابة وتطرفًا، ذات أبعاد ذكورية وعرقية وأيديولوجية، قبل أن يلتحق بالجيش الأميركي وينخرط في حربي العراق وأفغانستان، وقبل ذلك في وحدة حراسة معتقل غوانتانامو سيئ الصيت في مطلع القرن.
ولم يغادر هيغسيث الجيش برتبة عسكرية رفيعة، إذ كانت أعلى رتبة بلغها هي "رائد" بعد انضمامه إلى الحرس الوطني للجيش في مقاطعة كولومبيا.
من هو بيت هيغسيث؟
-
من مواليد 1980
-
خدم في الجيش الأميركي
-
عمل في فوكس نيوز
-
أصبح وزيرًا للدفاع في 2025
-
صار لاحقًا "وزير حرب" بعد تغيير الاسم
وشم صليبي على ذراع هيغسيث
في عام 2021، مُنع هيغسيث من المشاركة في تأمين حفل تنصيب الرئيس السابق جو بايدن، بعدما اعتبره بعض زملائه "خطرًا داخليًا" بسبب وشم على إحدى ذراعيه يحمل عبارة Deus Vult، أي "إرادة الإله".
وترتبط هذه العبارة بالحملات الصليبية، إذ كانت شعارًا للأوروبيين المتحمسين لها بعد دعوة البابا أوربان الثاني عام 1095 إلى بدء تلك الحملات على العالم الإسلامي.
ورغم خبرته العسكرية المحدودة نسبيًا، أصبح هيغسيث وزيرًا للدفاع في إدارة الرئيس دونالد ترمب عام 2025، قبل أن يتحول لاحقًا إلى "وزير حرب" بعد إعادة تسمية الوزارة، مشرفًا على أكبر جيش في العالم، وبأضخم ميزانية عسكرية في التاريخ (تُقدّر بنحو 850 مليار دولار سنويًا)، فيما يخضع لإدارته نحو ثلاثة ملايين من العسكريين والاحتياط والمدنيين.
كيف أصبح هيغسيث وزيرًا للدفاع؟
بعد خروجه من الجيش، انضم بيت هيغسيث عام 2014 إلى شبكة "فوكس نيوز"، محللًا سياسيًا في البداية، قبل أن يصبح مقدم برامج.
وخلال تقديمه برنامج "فوكس آند فريندز"، لفت انتباه ترمب، الذي كان من مشاهدي القناة الدائمين. وبعد فوزه، فاجأ الجميع بترشيحه لمنصب وزير الدفاع، على غرار شخصيات أخرى استقدمها من الشاشات إلى المناصب السياسية والإدارية.
غير أن ترشيح هيغسيث لم يمر من دون مقاومة قوية في مجلس الشيوخ. ففي يناير/ كانون الثاني 2025، صادق المجلس على تعيينه بفارق صوت واحد فقط.
فقد عارض التعيين أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيون، إضافة إلى ثلاثة جمهوريين، لينتهي التصويت بالتساوي: 50 صوتًا مؤيدًا مقابل 50 معارضًا، ما اضطر نائب الرئيس جي دي فانس إلى التدخل لكسر التعادل والتصويت لصالحه، في واقعة نادرة.
وتركّزت اعتراضات المعارضين على ضآلة خبرته في إدارة أقوى جيش في العالم، فضلًا عن تصريحات سابقة له تعارض مشاركة النساء في الوحدات القتالية، واتهام قديم بالاعتداء الجنسي عام 2017 في كاليفورنيا، إلى جانب الإفراط في شرب الكحول.
لماذا عارضه مجلس الشيوخ؟
-
قلة الخبرة
-
اتهامات قديمة بالاعتداء الجنسي
-
الإفراط في شرب الكحول
-
مواقف معادية لانخراط النساء في القتال
-
تصريحات متشددة وعنصرية
"إعادة ثقافة المحارب" إلى البنتاغون
خلال مثوله أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، قال هيغسيث إن مهمته الرئيسية ستكون "إعادة ثقافة المحارب" إلى البنتاغون، وإصلاح وزارة الدفاع جذريًا.
وأشار إلى ما اعتبره تغلغلًا مفرطًا لثقافة "ووك" في الجيش، أي اليقظة حيال الإساءات العنصرية والتمييز، بما يفرض، من وجهة نظره، إقالة بعض الجنرالات وإعادة حظر انخراط المتحولين جنسيًا في الخدمة العسكرية.
لكن الخطاب الذكوري الذي كان يفيده أمام جمهور "فوكس نيوز" خذله داخل مجلس الشيوخ. فقد رأى كثير من الأعضاء أن شخصيته وسجله لا يناسبان المنصب.
وقال السناتور الديمقراطي جاك ريد له: "سيد هيغسيث، لا أعتقد أنك مؤهل للنهوض بأعباء هذا المنصب الضخم"، مشيرًا إلى ما وصفها بـ"معلومات مقلقة" تتعلق بازدراء قوانين الحرب، وسوء الإدارة المالية، والتصريحات العنصرية والجنسية، وإدمان الكحول، والاعتداء والتحرش الجنسيين.
أما السناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن، فاستحضرت ما وصفته بسلوكه العنصري وإفراطه في شرب الكحول، قائلة:
"أحد زملائك تحدث عن أنك كنت مخمورًا جدًا خلال مناسبة في حانة، وغنيت: اقتلوا كل المسلمين".
وأضافت أن آخرين اضطروا في مناسبات مهنية إلى حمله خارج القاعة أكثر من مرة، متسائلة:
"هل يمكننا فعلًا الاعتماد على هيغسيث لاتخاذ قرار مصيري بشأن أمننا القومي عند الساعة الثانية صباحًا؟ كلا".
كما انتقدت السناتورة كيرستن غيلبراند تصريحاته التي وصفتها بـ"المؤذية" للرجال والنساء المجندين، والضارة بالمعنويات والانضباط داخل القوات المسلحة، لكن هيغسيث قال إنه "يحترم كل مجندة ترتدي الزي العسكري".
معارضة "التنوع هو قوتنا"
رغم محاولاته طمأنة أعضاء مجلس الشيوخ، تمسك هيغسيث لاحقًا بمواقفه السابقة، وفي مقدمها رفضه لشعار "التنوع هو قوتنا" داخل الجيش الأميركي.
ففي فبراير/ شباط 2025، وصف هذه العبارة بأنها "أغبى عبارة في تاريخ الجيش"، كما شكك في أسباب اختيار الجنرال تشارلز كيو براون جونيور، أول أميركي من أصل إفريقي يقود هيئة الأركان المشتركة منذ عام 2023.
وأُقيل براون فعليًا من منصبه بصورة مفاجئة في فبراير/ شباط 2025، بعد وقت قصير من تعيين هيغسيث وزيرًا للدفاع.
وبعد نحو ثلاثة أشهر فقط على توليه منصبه، بدأ هيغسيث تنفيذ مشروعه لإعادة هيكلة الجيش الأميركي. ففي مايو/ أيار 2025، أصدر أمرًا بخفض عدد كبار الضباط العاملين في الجيش من الجنرالات والأدميرالات ذوي الأربع نجوم بنسبة 20%، وخفض عدد الضباط القادة من سائر الرتب العليا بنسبة تراوحت بين 10% و20%، بحسب أفرع القوات المسلحة والحرس الوطني.
وحتى مارس/ آذار 2025، بلغ عدد الضباط من رتبة أربع نجوم في مختلف فروع القوات المسلحة الأميركية 38 ضابطًا، فيما بلغ العدد الإجمالي للجنرالات والأدميرالات في الخدمة 817 ضابطًا.
وقال هيغسيث إن هذه التدابير ستساعد على "الحفاظ على مكانة الولايات المتحدة كأقوى قوة قتالية في العالم"، وبناء "السلام من خلال القوة"، وضمان مزيد من الفاعلية والجاهزية.
إقالات كبيرة داخل الجيش
أقال ترمب عددًا من الجنرالات خلال المئة يوم الأولى من عودته إلى البيت الأبيض. ففي فبراير/ شباط 2025، أقال الجنرال تشارلز براون من رئاسة هيئة الأركان المشتركة، كما أقالت إدارته الأدميرال ليزا فرانشيتي، قائدة البحرية، والأدميرال ليندا فايغن، قائدة خفر السواحل، وهي أول امرأة في تاريخ الولايات المتحدة تقود أحد الفروع الستة للجيش.
وشملت الإقالات أيضًا نائب رئيس أركان القوات الجوية وعددًا من كبار المحامين العسكريين.
وفي أغسطس/ آب 2025، أقال ترمب رئيس وكالة استخبارات الدفاع DIA الجنرال جيفري كروس ومسؤولين كبيرين آخرين في الوكالة.
وجاءت إقالة كروس بعد أن أصدرت وكالته تقييمًا أوليًا خلص إلى أن الضربات الأميركية على إيران في يونيو/ حزيران لم تؤدِّ إلا إلى تأخير برنامجها النووي بضعة أشهر، وهو ما يناقض تصريحات ترمب الذي قال إن الضربات دمّرت المواقع النووية الثلاثة المستهدفة بالكامل.
عقيدة "وزارة الحرب"
بحسب منتقدي ترمب وهيغسيث، تنتهج الإدارة الأميركية أسلوب العقاب والثواب الذي يقوم على الولاء أكثر من أي معايير أخرى داخل المؤسسة العسكرية، بما يعكس تضخمًا في أوهام القوة، إلى الحد الذي دفعهما إلى تغيير اسم وزارة الدفاع إلى "وزارة الحرب".
وكان ترمب قد وقّع أمرًا تنفيذيًا بهذا المعنى في سبتمبر/ أيلول 2025، معتبرًا أن الاسم الجديد يبعث "رسالة نصر" إلى العالم، وأنه "أكثر ملاءمة في ضوء وضع العالم راهنًا".
وكانت تسمية "وزارة الحرب" معتمدة لأكثر من 150 عامًا، منذ 1789 حتى 1947، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وقال هيغسيث إن التغيير "لا يقتصر على التسمية، بل يتعلق باستعادة روحية المحارب". ولم يكتف بذلك، بل نشر مقطع فيديو للوحة جديدة تحمل اسم "وزير الحرب" مثبتة على باب مكتبه في البنتاغون.
ويمثل هذا التغيير جزءًا من مسعى ترمب لإظهار القوة والتأثير في الداخل والخارج خلال ولايته الثانية، تنفيذًا لشعار "لنجعل أميركا عظيمة مجددًا". وهذا ما يفسّر أيضًا توسيع الانتشار العسكري الأميركي في منطقة البحر الكاريبي لمواجهة ما سمّاه كارتيلات المخدرات، واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لاحقًا، إضافة إلى الضربة العسكرية على منشآت نووية إيرانية في يونيو/ حزيران، ونشر الحرس الوطني في واشنطن ولوس أنجلوس ضمن حملته على الجريمة والهجرة غير النظامية.
ويرى ترمب أن اسم "الدفاع" دفاعي أكثر من اللازم، وأن الولايات المتحدة يجب أن تكون هجومية أيضًا، فيما يقدّم تغيير الاسم إلى "وزارة الحرب" بوصفه تعبيرًا عن قوة بلاده "التي لا تضاهى" وقدرتها على حماية مصالحها وفرض "السلام من خلال القوة".
أبرز ملامح نهجه داخل البنتاغون
-
"إعادة ثقافة المحارب"
-
رفض "ووك"
-
تقليص كبار الضباط
-
تشديد الانضباط الشكلي
-
توظيف الخطاب الديني
-
تغيير اسم وزارة الدفاع إلى "وزارة الحرب"
حلق اللحية وقص الشعر
لكن هذا المسعى، الذي يرفع شعار الهجوم والردع والقوة، كثيرًا ما يُترجم بصورة كاريكاتورية.
فبعد تغيير اسم الوزارة، استدعى هيغسيث مئات القادة العسكريين إلى اجتماع غير اعتيادي في سبتمبر/ أيلول 2025. وسرَت تكهنات داخل الجيش بأن الوزير سيعلن قرارًا عسكريًا كبيرًا، لكن الاجتماع انتهى بتعليمات سلوكية، من بينها إخضاع جميع العناصر لاختبار اللياقة البدنية مرتين سنويًا، انطلاقًا من أن "رؤية جنرالات وأدميرالات بدناء في أروقة البنتاغون أمر غير مقبول بتاتًا"، بحسب تعبيره.
كما هاجم في الاجتماع "أيديولوجية اليقظة" (ووك) داخل المؤسسة العسكرية، ودعا الضباط والجنرالات إلى قص الشعر وحلاقة اللحى، قائلًا:
"من يريد لحية، يمكنه الانضمام إلى القوات الخاصة. ومن لا يريد، فليحلق لحيته".
لكن تشدده في مسائل السلوك والانضباط لم ينعكس التزامًا مماثلًا في ما يتعلق بمعايير السرية في المحادثات والاتصالات التي يجريها بنفسه.
ففي ديسمبر/ كانون الأول 2025، أكدت هيئة الرقابة المستقلة التابعة للبنتاغون أن هيغسيث عرّض القوات الأميركية للخطر حين ناقش ضربات على اليمن عبر تطبيق "سيغنال".
وكان مستشار الأمن القومي السابق في البيت الأبيض، مايك والتز، قد أُقيل في أوائل مايو/ أيار 2025 بعد أن كشفت مجلة "ذي أتلانتك" أن أحد صحافييها أُضيف خطأ إلى مجموعة محادثة على التطبيق تناولت تلك الضربات.
وتضمنت المحادثة رسائل كشف فيها هيغسيث توقيت الضربات قبل ساعات من وقوعها، ومعلومات عن الطائرات والصواريخ المستخدمة، فيما أرسل والتز معلومات استخباراتية حية عن نتائج الضربات.
اللجوء إلى الخطاب الديني
لا تقتصر مشكلات هيغسيث على ذلك. فالوزير المنتمي إلى "اتحاد الكنائس الإنجيلية الإصلاحية" أكثر خلال الحرب الأخيرة على إيران من استخدام الخطاب الديني في تعليقاته على مجرياتها، حيث ظهر في مؤتمر صحافي داعيًا إلى الصلاة من أجل الجنود الأميركيين المشاركين في الحرب "باسم يسوع المسيح"، رغم وجود عسكريين من معتقدات مختلفة داخل الجيش.
وقالت صحيفة "نيويورك تايمز" قبل أيام إن هيغسيث طلب من الشعب الأميركي أن يصلي "كل يوم، وعلى الركبتين، من أجل تحقيق نصر عسكري في الشرق الأوسط باسم يسوع المسيح".
وأثار ذلك امتعاض البابا ليو الرابع عشر، الذي قال في عظة ألقاها قبل أيام، من دون أن يسميه، إن الرسالة المسيحية "شُوّهت كثيرًا برغبة في الهيمنة، وهي رغبة غريبة تمامًا عن نهج يسوع المسيح".
وفي عظة أخرى أواخر مارس/ آذار الماضي، حذر البابا من استدعاء اسم يسوع لتبرير الحروب، قائلًا إن "يسوع لا يستمع إلى صلوات الذين يشنون الحروب، بل يرفضها".
وخلال زيارة لقاعدة بيرل هاربر-هيكام الجوية في مارس/ آذار الماضي، ظهرت على ذراع هيغسيث كلمة "كافر" مكتوبة بالعربية، إلى جانب وشم Deus Vult الذي يحيل إلى الحروب الصليبية.
كما أصدر هيغسيث عام 2020 كتابًا بعنوان "الحملات الصليبية الأميركية" ضد اليسار الأميركي.
وهو لا يخفي ميله إلى إدراج حروب بلاده في سياقات دينية ورسالية، كما في قوله في إحدى المقابلات إنه يحارب "متطرفين دينيين يسعون إلى امتلاك قدرة نووية تمهيدًا لهرمجيدون"، وهي الكلمة التي تحيل في الأدبيات الدينية إلى معركة آخر الزمان بين الخير والشر.
توقيت سيئ في خضم الحرب
في خضم التداول العالمي لسيناريوهات تدخل بري أميركي في إيران لحسم الحرب، طلب وزير الحرب الأميركي من رئيس أركان القوات البرية الجنرال راندي جورج التنحي عن منصبه قبل أيام، ما اعتبره منتقدون توقيتًا بالغ السوء، إذ كان يمكن تأجيل هذه الخطوة إلى ما بعد انتهاء الأزمة.
وربطت تقارير إعلامية هذه الإقالة بخلافات حول الترقيات وبعض القرارات الإدارية، بعضها ذو خلفية عرقية أو تمييزية، فيما ذهبت تقارير أخرى إلى الحديث عن انقسام بين كبار قادة الجيش الأميركي بشأن إدارة الحرب.