Skip to main content

هيلين ميرين.. هوس قديم بإسرائيل قبل "غولدا" و"امرأة من ذهب"

السبت 6 يونيو 2026
هيلين ميرين وإسرائيل.. إعجاب قديم يعود إلى الواجهة بعد "غولدا" - غيتي
لا تبدو علاقة هيلين ميرين بإسرائيل تفصيلًا عابرًا في مسيرتها، فمن تجربة الكيبوتس بعد حرب 1967 إلى أداء دور غولدا مائير، تتحرك الممثلة البريطانية في منطقة شائكة بين الفن والموقف السياسي.

حازت هيلين ميرين جائزة أوسكار أفضل ممثلة عام 2006 عن أدائها دور "الملكة" إليزابيث الثانية، في فيلم "الملكة"، الصادر عام 2006.

يتناول الفيلم فترة حرجة في تاريخ العائلة المالكة في بريطانيا، إذ يتناول ردّ فعلها على مقتل الأميرة ديانا في حادث سيارة في العاصمة الفرنسية (باريس) في الحادي والثلاثين من أغسطس/ آب 1997. 

تمتّعت الأميرة ديانا، زوجة ولي العهد آنذاك  الأمير تشارلز (الملك لاحقًا)، بشهرة واسعة عبر العالم، لجمالها وحيوية شخصيتها التي جعلتها في مواجهة "تحفّظ" العائلة المالكة وتقاليدها، خاصة في سنوات حياتها الأخيرة.

كما اكتسبت تعاطفًا كبيرًا واكب تقلّبات علاقتها بزوجها وبالعائلة المالكة، وخصوصًا الملكة إليزابيث، ما جعل الأنظار تتوجه إلى الملكة بالقدر نفسه الذي توجهت فيه إلى الأمير تشارلز، فور الإعلان عن وفاة ديانا. 


هل كان الخبر مصدر سعادة للملكة أو لحزنها؟ ثم هل ثمة صلة لها أو لنجلها الأكبر تشارلز بحادث السير الذي أودى بحياة الأميرة الجميلة والمحبوبة عبر العالم، ولكن ليس في قصر باكنغهام؟


 في "الملكة"، يتقدّم الصراع الداخلي على الحدث السياسي نفسه.
تحاول إليزابيث الثانية الموازنة بين مشاعرها الخاصة وواجبها العام، في ثنائية كبرى حاضرة في الأدب البريطاني والشخصية البريطانية: أن تتوارى العاطفة لمصلحة الواجب، مهما خلّف ذلك من آلام فردية وصراعات داخلية.

ذلك ما وَسَم أداء الملكة بالتحفّظ، وما أبدعت ميرين في تقمّصه، لتنال عنه أوسكار أفضل ممثلة.



هيلين ميرين والإعجاب بإسرائيل


لكنّ ميرين ليست الملكة إليزابيث، والحياة الحقيقية ليست ما تظهر عليه في السينما، فبعيدًا عن دورها في "الملكة"، لا يتسم أداء الممثلة البريطانية بالتحفّظ في ملفات يحرص الملوك على الموازنة بين مشاعرهم وواجبهم تجاهها، ما ينأى بهم عن أي تحيّز إزاء صراعات بالغة التعقيد مثل القضية الفلسطينية. 

قبل أيام انتشر فيديو للممثلة وهي تهمّ بعبور الشارع في إحدى مناطق شرقي العاصمة البريطانية لندن، برفقة زوجها المخرج تايلور هاكفورد.

في الفيديو، يقترب منهما رجل غير محدد الهوية، ويصف ميرين بأنها "صهيونية معلنة"، قائلًا:

هذه هي هيلين ميرين، الصهيونية المعلنة.
لقد قالت إن إسرائيل يجب أن تبقى إلى الأبد بسبب المحرقة، وقالت إنها سعيدة بزوال منازل الفلسطينيين. 

تلتزم ميرين الصمت، بينما يردّ هاكفورد على الرجل بغضب قائلًا: "اذهب إلى الجحيم"، فيردّ الرجل بعبارات مسيئة إليهما: "أنت (..) صهيونية شريرة، وأنت أيضًا. تبًا لك أيضًا".



لقطة من الفيديو المتداول للممثلة البريطانية وهي  تعبر شارعًا في منطقة شرقي العاصمة البريطانية لندن، برفقة زوجها المخرج تايلور هاكفورد

وبحسب تغطيات إعلامية، فإن الفيديو ليس حديثًا تمامًا، ويُعتقد أنه يعود إلى العام الماضي، قبل أن يُعاد نشره أخيرًا على حساب مجهول في منصة إنستغرام يحمل اسم "العمل المناهض للفاشية في المملكة المتحدة". ولا تُعرف، حتى الآن، الأسباب الدقيقة وراء إعادة بثه في هذا التوقيت.

أما العبارة الأساسية التي نُسبت إلى ميرين، والمتعلقة بإيمانها ببقاء إسرائيل "إلى الأبد"، فتعود إلى مقابلة أجرتها معها القناة 12 الإسرائيلية في 4ثبأغسطس/ آب 2023، خلال ترويجها فيلم "غولدا"، الذي أدت فيه دور رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير، ويتناول الأسابيع الثلاثة التي أدارت خلالها الحرب مع مصر وسوريا عام 1973.

آنذاك قالت ميرين:


أنا أؤمن بإسرائيل، بوجود إسرائيل، وأؤمن بأن على إسرائيل أن تمضي قدماً نحو المستقبل، إلى الأبد.
أنا أؤمن بإسرائيل بسبب المحرقة.

وقد ذكرت شرطة لندن أنها على علم بالفيديو، وأنها تراجع اللقطات باعتبار ما ورد فيها حادثة إساءة لفظية قد تُعامل كجريمة كراهية محتملة.



ميرين متطوّعة في كيبوتس إسرائيلي 


يعود ارتباط ميرين، التي تعتبر نفسها ملحدة، بإسرائيل إلى عام 1967. فبعد فترة وجيزة من حرب ذلك العام، زارت إسرائيل برفقة صديق يهودي، ومكثت هناك عدة أشهر، تطوعت خلالها للعمل في كيبوتس هاعون، بالقرب من بحيرة طبريا.

وفي مقابلاتها الصحافية، ومنها مقابلتها مع القناة 12 الإسرائيلية، تذكرت ميرين عملها في قطف العنب والمطبخ بحنين ظاهر، وقالت إنها "مؤمنة بإسرائيل"، وتعتقد أنها "دولة استثنائية مليئة بأناس استثنائيين للغاية"، وأنها كانت محظوظة لأنها حظيت بهذا الشرف، في إشارة إلى زيارتها المبكرة لإسرائيل.

كما وصفت تلك التجربة بأنها أقرب إلى السحر، متحدثة عن "طاقة سحرية استثنائية" لبلد بدأ لتوه في ترسيخ جذوره، واعتبرت أن ذلك كان وقتًا رائعًا للوجود هناك.

لاحقًا، أدت ميرين عدة أدوار يهودية أو مرتبطة بالسردية الإسرائيلية. ففي فيلم "الدين" The Debt عام 2010، أدت دور عميلة موساد متقاعدة، وخلال وجودها في إسرائيل لتصوير بعض مشاهد العمل، تحدثت تقارير إعلامية عن دراستها اللغة العبرية والتاريخ اليهودي والمحرقة لأشهر.

بعد "الدين" بخمس سنوات، ظهرت ميرين في فيلم "امرأة من ذهب"، وهو مأخوذ عن قصة حقيقية عن يهودية ثرية تدعى ماريا ألتمان، تعيش في كاليفورنيا، وتدخل في نزاعات قانونية مع الحكومة النمساوية لاستعادة لوحة رسمها لعمّتها (أديل بلوخ باور) الفنان النمساوي الشهير غوستاف كليمت.

ثم أدت دور غولدا مائير في فيلم "غولدا" عام 2023، وفي العام نفسه شاركت في فيلم "الطائر الأبيض" White Bird، حيث أدت دور امرأة يهودية نجت من الاحتلال النازي لفرنسا بمساعدة صبي غير يهودي كان زميلًا لها في المدرسة.


لا تبدو علاقة ميرين بإسرائيل والذاكرة اليهودية تفصيلًا عابرًا في مسيرتها، إذ تتكرر في تصريحاتها العامة، كما في اختياراتها الفنية، منذ تجربة الكيبوتس في شبابها وصولًا إلى "غولدا".

غولدا مائير في مسيرة ميرين


لا يعتبر "غولدا"، وهو من إخراج الإسرائيلي جاي ناتيف، من الأفلام المميّزة في مسيرة ميرين لولا يهوديته، فالفيلم وفقًا للنقّاد متوسط المستوى رغم الأداء الجيد لميرين.  

عُرض الفيلم قبل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقامت منصة نيتفليكس بعرضه في حينه لجمهورها فيما اُعتبر جزءًا من محاولات إسرائيلية عبر العالم، لتصدير صورة مختلفة عن إسرائيل، تمجّد قوتها وتعتبر وجودها انتصارًا للإنسانية، وبقاؤها معجزة كبرى تحققت بتضحيات وحنكة قادتها. 



جاءت أهمية "غولدا" من موضوعه وحساسيته السياسية أكثر مما جاءت من قيمته السينمائية 

يبدأ الفيلم بلقطات أرشيفية لإعلان قيام إسرائيل وحرب عام 1948، وينتهي بلقطات أرشيفية لتوقيع الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغين معاهدة كامب ديفيد للسلام.

وما بين البداية والنهاية، تدور وقائع ثلاثة أسابيع تبدأ بمثول غولدا مائير أمام لجنة تحقيق في إخفاقات الحرب، تستعرض فيها الأيام التي سبقت الحرب وخلالها، ودورها في إدارة ما اعتبرت أول هزيمة (على نحو ما) لإسرائيل أمام الجيشين المصري والسوري.

كانت غولدا في الخامسة والسبعين من عمرها عندما نشبت الحرب، امرأة مسنة تدخّن بشراهة لافتة، وتبدو وحيدة ومنقطعة تمامًا عن العالم لأداء مهمتها في قيادة إسرائيل والنجاة بها.

وربما تسبّب حصر دور غولدا في هذا الجانب بالفشل في إبراز الجانب الإنساني من شخصيتها، فظهرت في أداء "أفقي" ونمطي وسط سحب دخان السجائر أو بين جنرالاتها، مع مساع لم يوفق فيها المخرج لإبراز "وحدتها"، ومشاعر قلقها، أو حتى "بيتوتيتها"، حيث كانت تعقد بعض الاجتماعات في مطبخها.



تبدو غولدا في الفيلم وحيدة ومنقطعة عن العالم، كأنها لا تعيش إلا لأداء مهمة واحدة: قيادة إسرائيل ومحاولة إنقاذها من لحظة عسكرية وسياسية شديدة الخطورة

أضيف إلى هذا انحيازات مُضمرة في الفيلم ضد وزير الدفاع الإسرائيلي في الفترة التي يتناولها الفيلم، موشيه دايان، لصالح غولدا، ناهيك عن تغييب كامل للجانب الآخر من الصورة، وهو العربي ممثّلا بالمصريين والسوريين.

وإذا افترضنا أن وجود العربي غير ضروري لأن الفيلم يقدّم "العدو كما تراه غولدا"، فلا يوجد مبرّر لافتقار الفيلم بشكل شبه كامل لأي بناء درامي منفصل أو مواز لأي من شخصياته الثانوية التي تتحرّك على إيقاع غولدا.

كان بالإمكان مثلًا تطوير شخصية الموظفة في رئاسة الوزراء التي يقاتل ابنها في الحرب، بما يمنح العمل مسحة إنسانية أوسع، ويُسند أداء شخصياته، ومنها غولدا نفسها. غير أن المخرج أهدر فرصة ثمينة كان من شأنها لا أنسنة الفيلم وحسب بل إسناد أداء شخصياته، ومنها غولدا، وإبرازها بل تبرير نمطيتها بحكم طبيعة عملها وماضيها، وهو ما لم يحدث.  



تحركت غولدا في الفيلم في أماكن مغلقة، بإيقاع بطيء لا يتطوّر غالبًا، ولم ينجح حتى تردّدها إلى مستشفى هداسا للعلاج من الأورام في أنسنتها، باستثناء الإفراط في التدخين ربما.

إخفاق "غولدا" وتألق "الملكة"


ثمة من يرى تشابهًا بين ما قدمته ميرين في "غولدا" وما قدمته في "الملكة". غير أن المقارنة تبدو مجحفة، لأنها تسعى إلى انتشال "غولدا" من إخفاقات المقاربة الدرامية التي سعت لإظهار إسرائيل ناجيةً من هزيمة كادت تكون محققة بفضل غولدا.

صحيح أن ميرين ظهرت في "غولدا" و"الملكة" امرأة متقدمة في السن، كثيرة الصمت، ومنسحبة إلى الداخل، لكنّ الصمت في "الملكة" كان يخفي صراعًا داخليًا متصاعدًا جعل أداءها يتألق، ومنح شخصية إليزابيث الثانية بعدًا إنسانيًا عميقًا وحقيقيًا.

لكن في "غولدا"، لم تنجح ميرين في إضفاء اللمسات نفسها على صمت الشخصية. وربما لا يعود ذلك إلى أدائها وحده، إنما إلى البناء الدرامي غير الموفق لغولدا والشخصيات المحيطة بها، وإلى هيمنة البعد السياسي على الشخصية نفسها.



تألقت ميرين في "الملكة" مقارنة بأدائها النمطي في "غولدا"

وفي تصريحات صحافية دافعت ميرين عن أداء دور "غولدا"، قائلة إنها كانت على علم بالجدل الدائر حول الشخصية، خصوصًا حول معاملتها للفلسطينيين، لكنها قالت إن ما فعلته هو أداء دور غولدا خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973.

وقالت: "أنا لا أشرحها أو أبرّرها أو أعيد تقييمها. أنا فقط ألعب دور امرأة في ذلك العمر تتعامل مع هذا الموقف".

بهذا المعنى، سعت ميرين إلى النأي بنفسها عن تعقيدات الصراع في الشرق الأوسط، أو إلى القفز فوقها بوصفها ممثلة تؤدي دورًا لا أكثر. غير أن هذه المسافة تبدو صعبة التصديق تمامًا، حين تصدر عن ممثلة لم تُخفِ يومًا إعجابها بإسرائيل، ورفضت مقاطعتها ثقافيًا، وكان أقصى ما ذهبت إليه هو انتقاد أداء رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.

في المقابل، رأت ميرين أن وصول غولدا مائير إلى رئاسة الوزراء كان "لحظة مذهلة" للنساء الشابات، معتبرة أنه حتى تلك اللحظة لم يكن من المفهوم أن تقود امرأة دولة، فضلًا عن دولة معقدة ومهمة مثل إسرائيل.



 دافعت ميرين عن أدائها دور غولدا واعتبرت وصولها للحكم لحظة مذهلة للنساء 

وفي مقابلة مع "بي بي سي"، قالت ميرين إنه يجب الحفاظ على "توازن دقيق للغاية" عند أداء شخصيات تنتمي إلى تراث ثقافي مختلف.

للوهلة الأولى، قد تبدو هذه العبارة ذات صلة بالجانب العربي والفلسطيني من الصورة، لكنها لم تكن تعني ذلك. فقد جاءت في سياق ردّها على تحفّظات شخصيات يهودية، بعضها يعمل في هوليوود، على اختيارها لأداء شخصية غولدا مائير، ومنهم الممثلة مورين ليبمان، التي رأت أن "يهودية الشخصية جزء لا يتجزأ من الفيلم".

ويرى أصحاب هذا الرأي أن أداء غير اليهود لشخصيات يهودية في السينما قد يدفعهم إلى الاستسلام لصور نمطية مجحفة، سواء في الشكل أو البناء النفسي، بما يكرّس صورة سلبية عن اليهود ويساهم في التمييز ضدهم.



ميرين نصف الروسية تتألق في المسرح


 وُلدت هيلين ميرين باسم إيلينا ليديا ميرونوف في لندن عام 1945، لأم بريطانية من الطبقة العاملة، وأب من أصول روسية كان يعمل سائق سيارة أجرة وموظفًا في وزارة النقل، رغم تحدّره من أسرة ثرية في روسيا القيصرية.

تعود موهبة ميرين إلى طفولتها وهوسها بالمسرح. بدأت مسيرتها الاحترافية وهي في العشرين من عمرها بأداء دور كليوبترا في مسرحية "أنطونيو وكليوبترا" عام 1965 مع المسرح الوطني للشباب، قبل أن تنضم إلى فرقة شكسبير الملكية.


ميرين على المسرح عام 1981- غيتي 

أما مسيرتها السينمائية، فبدأت عام 1967 بفيلم "هيروستراتوس"، ثم "سن الرشد" عام 1969، قبل أن تظهر في سلسلة أفلام أبرزت موهبتها ومنحتها شهرة واسعة، مثل "يا له من رجل محظوظ" عام 1973، و"كاليغولا" عام 1979، و"الجمعة الطويلة" عام 1980، و"إكسكاليبور" عام 1981، و"ساحل البعوض" عام 1986، و"الطباخ واللص وزوجته وعشيقها" عام 1989.

رُشّحت ميرين لأربع جوائز أوسكار عن أدائها في أفلام "جنون الملك جورج" عام 1994، و"غوسفورد بارك" عام 2001، و"المحطة الأخيرة" عام 2009، وفازت بجائزة أوسكار أفضل ممثلة عن دورها في فيلم "الملكة".

وخلال مسيرتها، جسّدت ميرين ثلاث ملكات بريطانيات في أعمال سينمائية وتلفزيونية مختلفة: إليزابيث الأولى في مسلسل "إليزابيث الأولى" عام 2005، وإليزابيث الثانية في فيلم "الملكة"، والملكة شارلوت في فيلم "جنون الملك جورج" عام 1994. كما تُعدّ من أبرز الممثلات اللواتي جمعن بين المكانة المسرحية والحضور السينمائي والجاذبية الجماهيرية الواسعة.



 

المصادر:
خاص موقع التلفزيون العربي
شارك القصة