أحدث التطبيب عن بُعد (Telemedicine) اختراقًا جذريًا في بنية الرعاية الصحية العالمية. وبفضل تكامل تقنيات الاتصال فائق السرعة والذكاء الاصطناعي، تحوّلت الشاشات الصغيرة إلى نوافذ تشخيصية عابرة للحدود، معيدةً صياغة العلاقة بين الطبيب والمريض، لتنتقل الرعاية من مراكز الاستشفاء التقليدية إلى المنازل، في ثورة تقنية تهدف إلى الجمع بين العدالة الصحية والكفاءة الرقمية.
ما هو التطبيب عن بعد؟
يُقصد بالتطبيب عن بُعد استخدام التكنولوجيا لتقديم الرعاية السريرية عن بُعد، بما يضمن حصول الأفراد على الرعاية الصحية عند الحاجة، ولا سيما أولئك الذين يعانون محدودية الوصول إلى الخدمات الصحية.
يستخدم التطبيب عن بُعد تقنيات الاتصالات الإلكترونية لتبادل المعلومات الطبية، حتى عندما لا يكون المريض وطبيبه في المكان نفسه.
ويتراوح استخدامه بين أبسط أشكال الرعاية الطبية عبر الرسائل النصية، وأكثرها تطورًا، مثل الجراحة التي تُجرى عن بُعد.
وتتيح خدمات التطبيب عن بُعد للمريض استشارة الطبيب بشأن الحالات غير الطارئة التي لا تتطلب زيارة العيادة.
تاريخ يمتدّ لعقود.. وأرقام تعكس الانفجار الرقمي
يُسهم التطبيب عن بُعد في جعل الرعاية الصحية في متناول الجميع - غيتي
أنواع التطبيب عن بُعد
يمكن للمريض الحصول على الخدمات الطبية عبر بوابة إلكترونية آمنة تُمكّن الطبيب من الوصول إلى قاعدة بيانات السجلات الطبية الإلكترونية.
وتتنوّع أشكال تقديم الخدمة لتشمل:
-
التواصل المرئي المباشر: ويشمل المراقبة اللحظية للبيانات الحيوية مثل ضغط الدم، مؤشرات القلب، ومستويات الأكسجين.
-
التخزين والإرسال: مشاركة الملفات الطبية الكبيرة مثل الصور الإشعاعية (الرنين المغناطيسي والأشعة السينية) والفيديوهات والتقارير النصية بين الأطباء والمتخصصين.
-
الجراحة عن بُعد: وهي القمة التقنية التي تتيح للجراحين إجراء عمليات دقيقة عبر أجهزة الروبوت من مسافات بعيدة.
استخدامات التطبيب عن بُعد
وفقًا لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية، شهدت زيارات برنامج الرعاية الطبية (Medicare) عبر التطبيب عن بُعد زيادةً قدرها 63 ضعفًا خلال الفترة من 2019 إلى 2020 نتيجة جائحة كوفيد-19، واستحوذ أخصائيو الصحة النفسية على ثلث هذه الزيارات.
وبرز استخدام التطبيب عن بُعد خلال جائحة كوفيد-19، إذ ساعد في تقليل احتكاك الأفراد بالمرافق الصحية، وبالتالي الحد من خطر إصابتهم بالفيروس، كما خفّف من تعرض العاملين في القطاع الصحي للعدوى.
إضافةً إلى ذلك، يمكن للأطباء استخدام التطبيب عن بُعد لأغراض عديدة، منها:
- الرعاية الصحية العامة، مثل زيارات الفحص الدوري ومراقبة ضغط الدم
- المتابعات غير الطارئة
- الاستشارات النفسية
-
الاستشارات الغذائية
- وصف الأدوية
- تمارين العلاج الطبيعي
مجالات التطبيق:
من نزلات البرد إلى السكتات الدماغية
يستخدم الخبراء التطبيب عن بُعد بطرق مختلفة في مجالات طبية متنوعة، مثل:
-
علاج السكتة الدماغية:
يستخدم الخبراء الطب عن بُعد في أقسام الطوارئ لتمكين أطباء الأعصاب من التواصل عن بُعد مع أطباء الطوارئ، ما يقلل الحاجة إلى أطباء الأعصاب المقيمين. وهذا يُسهم في معالجة النقص في أطباء الأعصاب في العديد من المستشفيات.
-
التصوير الإشعاعي:
يرسل الأطباء صورًا وتقارير من الفحوصات الحضورية أو عن بُعد إلى أخصائي أشعة عن بُعد، والذي بدوره يرسل تقريره إلى الطبيب أو أي متخصص آخر في الرعاية الصحية.
-
الطب النفسي:
تفاعل مباشر بين المريض والطبيب النفسي عبر الهاتف أو مؤتمرات الفيديو.
فوائد التطبيب عن بُعد
توفّر خدمات التطبيب عن بُعد فوائد عديدة للمرضى والعاملين في المجال الطبي، إذ يمكن للمرضى الحصول على الرعاية الصحية من دون مغادرة منازلهم، ما يوفر لهم الراحة والخصوصية.
كما يقلل التطبيب عن بُعد من وقت الانتظار، ويتيح للمرضى تنظيم مواعيد استشاراتهم بما يتناسب مع جداولهم المزدحمة. كذلك يخفف الحاجة إلى السفر، وترتيب رعاية الأطفال، والتغيب عن العمل.
وقد وجدت دراسة أُجريت عام 2019 أن التطبيب عن بُعد يوفّر على المرضى وعائلاتهم الذين يراجعون عيادة جراحة الأعصاب للأطفال عن بُعد ما يلي:
-
وقت السفر
-
الكلفة
-
الوقت المستغرق بعيدًا عن العمل
-
زيادة إمكان الحصول على الرعاية الصحية عن بُعد
فوائد تتجاوز حدود الصحة
تتعدد مكاسب هذه المنظومة لتشمل جوانب اقتصادية واجتماعية:
- العدالة الصحية:
يسهم التطبيب عن بُعد في جعل الرعاية الصحية في متناول الجميع، لا سيما سكان المناطق الريفية.
وأظهرت دراسة أُجريت عام 2020
أن التطبيب عن بُعد يتيح لبعض الفئات السكانية الحصول على الرعاية الصحية من دون التعرض لما قد يترتب على ذلك من:
-
وصم اجتماعي
-
تهميش
-
تمييز
- خيار مُجدٍ اقتصاديًا
تنخفض كلفة التطبيب عن بُعد مقارنة بالاستشارات الطبية التقليدية - غيت
قد تكون استشارات الأطباء عن بُعد أقل كلفة من الزيارات الحضورية للطبيب أو من دخول أقسام الطوارئ.
وخلصت مراجعة أُجريت عام 2020إلى انخفاض تكاليف الرعاية الصحية بنسبة 56%، وتكاليف السفر بنسبة 94% عند استخدام الأطباء للتطبيب عن بُعد في المجالات التالية:
-
وحدات العناية المركزة
-
طب الأطفال
-
الأمراض الجلدية
-
الأشعة
-
دعم الأسرة
ويُتيح التطبيب عن بُعد أيضًا لأفراد الأسرة ومقدمي الرعاية المشاركة في الاستشارة، وطرح الأسئلة، وتقديم المعلومات بما يساهم في رعاية ذويهم.
-
الرعاية الوقائية
وفق مراجعة أُجريت عام 2021، يسهم التطبيب عن بُعد في توفير الرعاية الوقائية في الوقت المناسب للأشخاص المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية، ما يساعد على منع حدوث المضاعفات الحادة وتفاقم هذه الأمراض.
كما يقلل تنظيم المواعيد وتحسين سير العمل في العيادات من تعرض المرضى للآخرين الذين قد يكونون مرضى، ما يساعد على الوقاية من الفيروسات وإبطاء انتشارها.
ويُمكّن التطبيب عن بُعد المتخصصين في الرعاية الصحية، مثل أخصائيي العلاج الوظيفي والعلاج الطبيعي، من مراقبة المريض في بيئته الطبيعية، مما يسمح لهم بإجراء تقييمات أكثر شمولًا لقدراته على الحركة والتفاعل مع محيطه.
عيوب التطبيب عن بُعد
وفق مقال نُشر في المكتبة الوطنية للطب (NLM)، ينطوي التطبيب عن بُعد على بعض العيوب الشائعة ومنها:أعطال تقنية عند استخدام الأجهزة
- عدم القدرة على إجراء فحص طبي مباشر
- تحديات التواصل وبناء الثقة بين الطبيب والمريض
- عدم توفر البنية التحتية اللازمة، مثل الإنترنت فائق السرعة
- صعوبة التشخيص بسبب رداءة جودة الكاميرا أو الصور أو الإضاءة
- تحديات في ضمان حماية السجلات الصحية الإلكترونية
- عدم وضوح مسائل المسؤولية الطبية.