تشهد موريتانيا حالة استنفار صحي متصاعدة مع توسّع بؤر "حمى الوادي المتصدع" خلال الأسابيع الأخيرة، وسط مخاوف من تفشّي المرض على نطاق أوسع وتأثيره على الصحة العامة والقطاعين الزراعي والريفي.
وأشارت المصادر المحلية إلى تسجيل السلطات 19 بؤرة نشطة في 16 مقاطعة ضمن 8 ولايات، حتى 5 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
ثلاث وفيات
ووفق تقرير صادر عن وزارة الزراعة والرّعي نُشر في 7 أكتوبر، خضعت 334 عينة للفحص المختبري، وأسفرت التحليلات عن إيجابية 90 منها، ما دفع بعض الجهات إلى رفض الشكوك حول 24 بؤرة بعد مزيد من الفحوص.
وبحسب ما أوردته صحيفة "صحارى ميديا" المحلية، أعلنت الوزارة أنّ أول بؤرة ظهرت يوم 15 سبتمبر/أيلول الماضي، في قرية “شام” بولاية البراكنة، كما تم اكتشاف حالات في محافظات مثل ماغتا لاهجار وتامشكط.
وأكدت وزارة الرّعي أنّ التعامل مع هذه الحالات تصاعد تدريجيًا، مع رفع درجات التنبيه وتعزيز الجهود على مستوى الرقابة البيطرية ومراقبة المسالخ.
من جهتها، أبلغت وزارة الصحة عن تأكيد ثلاث حالات وفاة في البلاد مرتبطة بالحمى، سُجّلت الأولى في في مدينة روصو جنوبي البلاد بتاريخ 28 سبتمبر الماضي، إضافة إلى إصابات مؤكدة بين البشر.
كما أفادت وسائل إعلام صحية بأنّ هذه الوفاة تُعد الأولى منذ عام 2022.
ما هي "حمى الوادي"؟
وحمى "الوادي المتصدّع" هي مرض فيروسي ينتقل غالبًا بين الحيوانات، ويظهر في الأغنام، والماشية، والإبل، ويُنتقل إلى الإنسان عبر لسعات البعوض أو من خلال التعرّض المباشر لدم أو أعضاء الحيوانات المُصابة أثناء الذبح أو الولادة أو استهلاك لحوم أو ألبان ملوّثة.
وتتراوح أعراض هذا المرض بين خفيفة تُشبه الإنفلونزا إلى مضاعفات نزفية أو عصبية في الحالات الحادة.
وفي البُعد الإيكولوجي، يرى خبراء أنّ الأمطار الغزيرة التي شهدتها مناطق البلاد خلال شهري سبتمبر وأكتوبر الماضيَين، أسهمت في تكاثر البعوض، ما وفّر ظروفًا مواتية لتفشّي المرض. كما اعتُبر ارتفاع منسوب الأمطار سببًا مساعدًا في انتشار البؤر.
وبحلول أمس الأحد، أعلنت وزارة التنمية الحيوانية ارتفاع عدد البؤر إلى 44 بؤرة موزّعة على عشر ولايات، ما يعكس وتيرة انتشار متسارعة خلال أسابيع قليلة فقط.
حملات وقائية
واستجابة لهذا الانتشار، أطلقت السلطات عدة تدابير وقائية، شملت تكثيف التفتيش على اللحوم في المسالخ، وحملات إعلامية لتوعية المواطنين بخطر التعامل غير الآمن مع الحيوانات، وتوزيع مبيدات حشرية للوقاية من البعوض، وتعزيز نظام الإبلاغ السريع بين المناطق الريفية.
كما دُعيت الأُسر إلى الامتناع عن ملامسة الحيوانات المريضة أو النافقة، وطهي اللحم جيدًا، وتعقيم المعدات المستخدمة في الذبح أو المسالخ.
تاريخيًا، كانت موريتانيا قد شهدت تفشّيًا لحمى الوادي المتصدع، منها في عام 2020 حيث سُجّلت 78 حالة بشرية و25 وفاة، بالإضافة إلى مئات الحالات الحيوانية، ما يُظهر أنّ المرض ليس بجديد لكن حجم التفشّي وتواتره الحاليين هما ما يثيران القلق الآن.
كما تُعاني البنية المختبرية الوطنية من ضعف، فالتحاليل المتعمّقة غالبًا ما تُحال إلى مختبرات خارجية، حسب تقييمات فنية رسمية.
وفي هذا السياق، يُتابع المواطنون في الأرياف والمدن القريبة من المناطق الزراعية الحالة بقلق، لاسيما أنّ القطيع الحيواني يُعتبر جزءًا كبيرًا من معيشتهم، كما أنّ ضعف البنى الصحية في المناطق النائية يُهدّد بتحوّل الأعراض البسيطة إلى مُضاعفات خطيرة إذا لم تُكتشف مبكرًا.
ويضع هذا الواقع الجهاز الصحي والبيطري أمام اختبار حقيقي في سرعة الاستجابة والتنسيق بين الجهات المختصة.