وُلدوا بعد سقوط البرجين.. كيف يتذكر جيل حدثًا لم يعشه؟
لم يكن قد وُلد أصلًا.ومع ذلك، يعرف المشهد.
بعد خمسة وعشرين عامًا، لم يعد هذا استثناءً ديموغرافيًا، إذ تقول وكالة أسوشيتد برس إن نحو ثلث الأميركيين وُلدوا بعد الهجمات، فيما يظهر استطلاع حديث لمركز بيو للأبحاث أن 10% من البالغين الأميركيين اليوم وُلدوا بعد عام 2001، ويعرفون 11 سبتمبر فقط مما وصل إليهم من الآخرين.
هنا تدخل الذكرى الخامسة والعشرون مرحلة مختلفة: الحدث الذي عاشه جيل بوصفه صدمة شخصية، بدأ يتحول بالنسبة إلى جيل آخر إلى تاريخ موروث.
فكيف يبني جيل كامل علاقته بحدث لم يعشه، لكنه يعيش نتائجه كل يوم؟
هذه المادة تأتيكم ضمن ملف "ربع قرن على 11 سبتمبر"، الذي يتتبع العالم الذي صنعته الهجمات وما بقي منه حاضرًا بعد خمسة وعشرين عامًا.
حين يسقط سؤال "أين كنت؟"
بالنسبة إلى الأجيال التي عاشت ذلك الصباح، لا تزال ذكرى 11 سبتمبر مرتبطة بتفاصيل شخصية صغيرة: المكان، والشخص الذي نقل الخبر، والشاشة التي ظهرت عليها الصور، وما كان يفعله الإنسان قبل أن يتغير اليوم فجأة.
ويكشف استطلاع بيو لعام 2026 أن 83% من البالغين الأميركيين المولودين قبل 2001 يقولون إنهم يتذكرون بالضبط أين كانوا أو ماذا كانوا يفعلون عندما سمعوا بالهجمات. وترتفع النسبة إلى 93% بين من كانوا في العاشرة أو أكبر آنذاك.
لكن هذه الصيغة من الذاكرة لا يمكن أن تنتقل كما هي. فمن وُلد عام 2005 مثلًا يستطيع أن يعرف تفاصيل انهيار البرجين بدقة، لكن لا توجد في حياته لحظة أصلية يعود إليها. هو لا يتذكر انهيار البرج، وإنما ربما يتذكر أول مرة شاهد فيها انهياره.
وهذا فارق جوهري. مع مرور الزمن، ينتقل الحدث من "ما حدث لي وأنا أشاهد" إلى "ما تعلمت أنه حدث".
من الذاكرة المعيوشة إلى الفصل الدراسي
تكشف الأرقام أين يبدأ بناء ذاكرة الجيل الجديد.
يقول 60% من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا إنهم عرفوا هجمات 11 سبتمبر للمرة الأولى داخل الصف أو من خلال واجب مدرسي. وذكر 16% العائلة أو الأصدقاء، فيما قال 8% إنهم قرأوا عنها أو شاهدوها بمبادرة شخصية.
هكذا أصبحت المدرسة تؤدي وظيفة لم تكن مطلوبة بالطريقة نفسها قبل عشر سنوات أو عجميشرين عامًا. المعلم الذي كان يستطيع سابقًا أن يبدأ درسه بسؤال الطلاب عما يتذكرونه من 11 سبتمبر، يقف اليوم أمام طلاب لا يملكون ذكرى أصلًا.
ويظهر حجم التحول في مراجعة أجرتها أسوشيتد برس لمناهج الولايات الأميركية. فقد وجدت أن 40 ولاية على الأقل تتوقع أو تقترح أن تتناول المدارس هجمات 11 سبتمبر بطريقة ما، ولدى 25 ولاية قوانين أو معايير تعليمية تتوقع تدريس الهجمات تحديدًا، فيما تذكرها 13 ولاية أخرى بصورة اختيارية، وتضيف ولايات أخرى أنشطة أو مناسبات تذكارية.
لم تكن لديه ذاكرة عن الهجمات،
لكن يوم ميلاده ظل مرتبطًا بها طوال حياته
أنش شريفاستافا، المولود في 11 سبتمبر 2001، مع عائلته في نيويورك عام 2021 – AFP/Getty Images
لكن أي 11 سبتمبر يتعلمه الطلاب؟
ليست المسألة في إدخال الحدث إلى الكتاب المدرسي فقط. السؤال الأصعب هو:
أي قصة عن 11 سبتمبر تدخل معه؟
وجدت أسوشيتد برس اختلافات واضحة في طريقة معالجة الحدث بين الولايات.
بعض المناهج تضعه داخل سياق الإرهاب والحروب التي تلته، فيما تقترح أخرى مناقشة التمييز ضد أبناء الشرق الأوسط، أو التوازن بين الأمن والحريات المدنية، أو قوانين ما بعد الهجمات، أو معتقل غوانتانامو وأبو غريب.
بكلام آخر، فإنّ انتقال الحدث من الشهادة إلى المنهج لا يحوّله تلقائيًا إلى رواية واحدة. اختيار ما يسبق صور البرجين وما يليها يصبح جزءًا من الذاكرة نفسها.
هل تنتهي عند الحرب في أفغانستان؟ أم تمتد إلى العراق؟
وهل تدخل داخلها قوانين المراقبة والتمييز والحريات المدنية؟
هذه الأسئلة كانت جزءًا من الجدل السياسي بعد الهجمات، لكنها تصبح شيئًا آخر حين تدخل الفصل الدراسي: هي التي تحدد الطريقة التي يفهم بها جيل لم يكن حاضرًا معنى الحدث نفسه.
لكن المدرسة ليست وحدها من ينقل الماضي.
يملك جيل ما بعد 11 سبتمبر شيئًا لم يكن متاحًا للأجيال التي درست أحداثًا أقدم. يمتلك أرشيفًا شبه كامل للحدث يمكن استدعاؤه خلال ثوانٍ.
الشاشة كآلة زمن
يمكن لشخص وُلد بعد الهجمات بسنوات أن يشاهد نشرات الأخبار كما بُثت في ذلك الصباح، ومقاطع الهواة، ومؤتمرات المسؤولين، وشوارع نيويورك، والمكالمات والشهادات التي حُفظت لاحقًا. من هذه الناحية، يبدو 11 سبتمبر بعيدًا زمنيًا وقريبًا بصريًا في آن واحد.
ويظهر ذلك بوضوح في شهادات جمعتها رويترز من شبان لا يتذكرون الهجمات.
- إيماني لابرو، المولودة عام 2001 في نيويورك، بدأت التعرف إلى الحدث بعد مشاهدة مقطع على يوتيوب وشرح والدتها لما حدث.
- أما بايج ماكاسكر، المولودة عام 2003، فتعمق فهمها في الصف الرابع عندما عرض المعلم تسجيلات للهجمات
المفارقة أن هؤلاء قد يشاهدون الحدث اليوم بتفاصيل أكثر مما رآه كثير ممن عاشوه لحظة وقوعه. لكن وفرة الصورة لا تعني دائمًا وفرة السياق.
فالمقطع الذي كان جزءًا من نشرة إخبارية كاملة عام 2001 قد يظهر اليوم منفردًا داخل منصة اجتماعية. والصورة التي كانت جزءًا من تسلسل زمني قد تصل إلى المشاهد بلا ما سبقها أو لحقها. لذلك لم تعد مهمة تعليم 11 سبتمبر مقتصرة على توفير الصور، وإنما على إعادة وصل الصورة بسياقها.
ويظهر حجم التحدي في أن برامج تدريب المعلمين لدى متحف ونصب 11 سبتمبر التذكاري تتناول ضمن موضوعاتها "محو الأمية الإعلامية ونظريات المؤامرة و11 سبتمبر"، إلى جانب كيفية الربط بين التاريخ والذاكرة.
زوار يتصفحون معرضًا عن 11 سبتمبر في واشنطن عام 2016 - Alex Wong/Getty Images.
جيل لم يعرف "ما قبل"
ثمة فارق أعمق من طريقة تلقي الحدث: هذا الجيل لا يستطيع مقارنة العالم قبل 11 سبتمبر بالعالم بعده من تجربة شخصية.
المطار مثال بسيط. بالنسبة إلى شخص كان يسافر في التسعينيات، يمكن لإجراءات التفتيش الجديدة أن تبدو تحولًا واضحًا. أما من وُلد بعد الهجمات، فقد كانت الحواجز وطوابير الأمن والقيود جزءًا من المطار منذ أول رحلة يتذكرها.
إحدى الشابات اللواتي تحدثن إلى رويترز قالت إن اختلاف المطارات القديمة لم ينتبه إليه جيلها إلا عبر مشاهدة الأفلام والمسلسلات التي سبقت 2001؛ مشاهد يدخل فيها غير المسافرين إلى البوابات أو يتحرك الركاب بطريقة تبدو غريبة لمن تربى في النظام الحالي.
ولهذا يصبح فهم "ما تغير" أصعب ممن عاش التغيير. ما يراه الجيل الأكبر نتيجة سياسية لحدث محدد، قد يراه الأصغر ببساطة الطريقة التي يعمل بها العالم.
الأمر نفسه ينطبق على جوانب أوسع تناولها الملف في مادة "من المطارات إلى الهواتف.. كيف تحول استثناء 11 سبتمبر الأمني إلى نظام دائم؟"، وعلى الحروب التي امتدت من أفغانستان إلى العراق، وعلى التجربة المختلفة التي عاشها العرب والمسلمون في الغرب بعد الهجمات.
بالنسبة إلى من وُلد لاحقًا، ليست هذه دائمًا تحولات يتذكر بدايتها؛ إنها أجزاء من البيئة التي نشأ داخلها.
حتى مفهوم "قبل وبعد" احتاج بعض الشباب إلى تجربة أخرى لفهمه. وتذكر أسوشيتد برس أن جائحة كوفيد-19 منحت بعض أبناء هذا الجيل أول تجربة شخصية لعالم يتغير بسرعة إلى حد يسمح بتقسيم الحياة إلى مرحلتين واضحتين: ما قبل الحدث وما بعده.
ذاكرة بلا حدث
بعد ربع قرن، لا يختفي 11 سبتمبر من الذاكرة، لكنه يغيّر مكانه فيها.
بالنسبة إلى جيل، كان صباحًا انقسمت عنده الحياة إلى ما قبله وما بعده. وبالنسبة إلى جيل آخر، هو حدث كان موجودًا قبل بداية الوعي، وصلت صوره لاحقًا وبقيت نتائجه حاضرة منذ البداية.
هذا الجيل لا يملك ذكرى عن الطائرات وهي تضرب البرجين، لكنه يسافر داخل المطارات التي أعيد تشكيلها بعدها، ويقرأ عن الحروب التي بدأت بسببها، ويتعامل مع قوانين وخطابات وصور سياسية نشأت في عالم ما بعدها.
ولهذا، لا يسأل هذا الجيل نفسه "أين كنت حين سقط البرجان؟"، ويسأل بدل ذلك: "لماذا العالم الذي أعرفه مبنيّ على هذا الشكل؟".
ربما في هذا السؤال، أكثر من أي احتفال رسمي بالذكرى، يكمن المعنى الحقيقي لمرور ربع قرن على حدث انتهى في لحظته، لكنه لم ينتهِ في نتائجه.