كصوتٍ يخرج من مذياع قديم، ويتسرّب من الشرفات وعبر الأزقة حاملًا معه البهجة والفرح، يحضر بث أغنية "يا ليلة العيد" عشية عيدَي الفطر والأضحى بوصفه جزءًا راسخًا من وجدان الكبار وتجربة حية لدى الصغار.
وتضمن هذه التجربة المتجددة للأغنية عقودًا إضافية من الحضور، لتظل نشيد العيد الأوسع انتشارًا في المنطقة العربية، جغرافيًا وزمنيًا. وكأنّ تقادم التسجيل نفسه يزيدها رسوخًا، ويضاعف أثر صوت "كوكب الشرق" في النفوس مع تحديد أول أيام العيد.
وربما في هذه القدرة على العبور بين الأجيال ما يفسّر كيف تحولت الأغنية من عمل ارتبط بسياق فني محدد إلى علامة ثابتة من علامات العيد في الذاكرة العربية.
ما قصة أغنية "يا ليلة العيد"؟
خرجت الأغنية إلى النور عام 1939، بتوليفة جمعت كلمات أحمد رامي ولحن رياض السنباطي وصوت أم كلثوم.
وكانت جزءًا من فيلم "دنانير"، إلى جانب أغانٍ أخرى أدّتها أم كلثوم، التي جسّدت في الفيلم شخصية "دنانير"، الجارية صاحبة الصوت العذب.
ورغم أن أحداث القصة وُضعت في إطار عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد ووزيره جعفر بن يحيى البرمكي، فإن الأغنية سرعان ما أفلتت من قيود الزمان والمكان، وخرجت من عباءة الغناء للحاكم لتتحول إلى نشيد خالص لعيدَي الفطر والأضحى.
وتتداول مواقع إخبارية مصرية رواية مفادها أن عبارة "يا ليلة العيد آنستينا" وصلت إلى مسامع أم كلثوم من أحد الباعة أمام مبنى الإذاعة.
وبحسب هذه الرواية، استقرت العبارة في ذهن كوكب الشرق، قبل أن تتحول لاحقًا إلى أغنية كتب كلماتها أحمد رامي.
من فيلم "دنانير" إلى ذاكرة الأعياد
في مطلع هذه الأغنية الشهير، غنّت أم كلثوم:
أما المقطع الأخير بعد مجموعة من الأبيات، فغنّت فيه أم كلثوم:
ورد هذا المقطع في النسخة التي أدّتها أم كلثوم في فيلم "دنانير"
لكن نسخة أخرى بُثت في الإذاعات لاحقًا، حرّرت الأغنية من سياق الفيلم، ما منحها قدرة أكبر على تجاوز زمنها الأول والاستمرار في الوجدان العربي عبر الأجيال.
وقد استبدل رامي المقطع الأخير حينها بعبارات أخرى تحتفي بالنيل ومصر، بما جعل الأغنية أقرب إلى الناس وأبعد من الإطار الدرامي الذي خرجت منه.
كيف تبدّلت كلمات الأغنية عبر السنوات؟
لم يكن ذلك التعديل الوحيد.
ففي عام 1944، أحيت أم كلثوم حفل النادي الأهلي بحضور الملك فاروق، وأدخلت تعديلات جديدة على بعض الكلمات، فاستبدلت "هلالك هل لعنينا" بـ"هلالك هل بعنينا"، و"يعيش هارون يعيش جعفر" بـ"يعيش فاروق ويتهنى.. ونحيي له ليالي العيد".
وعلى إثر ذلك، منح الملك فاروق أم كلثوم نيشان الكمال بصورة استثنائية، في خروج عن تقليد كان يقتصر على سيدات وآنسات الأسرة المالكة وزوجات رؤساء الوزراء، فنالت لقب "صاحبة العصمة".
وبحسب موقع "العربي الجديد"، حُجب تسجيل الحفل قرابة أربعة عقود بعد قيام حركة الضباط الأحرار في 23 يوليو/ تموز عام 1952.