الإثنين 8 كانون الأول / ديسمبر 2025

يهود سوريا.. عودة رمزية بعد عقود من الإقصاء والتلاشي

يهود سوريا.. عودة رمزية بعد عقود من الإقصاء والتلاشي محدث 20 تشرين الأول 2025

شارك القصة

شكّل اليهود في سوريا أحد المكونات الأساسية للنسيج الاجتماعي على امتداد أكثر من ألفي عام - غيتي
شكّل اليهود في سوريا أحد المكونات الأساسية للنسيج الاجتماعي على امتداد أكثر من ألفي عام - غيتي
الخط
بعد عقود من الغياب، يعود الحديث عن اليهود السوريين مع ترشّح هنري حمرة لمجلس الشعب، في سياق يعيد فتح ملف الطائفة وتاريخها بين التعايش والإقصاء والسياسة.

برز اسم الأميركي السوري هنري حمرة في الأسابيع الأخيرة بوصفه أول يهودي سوري يترشح لمجلس الشعب منذ عقود، في دلالة على "عهد" جديد في التعاطي مع الوجود اليهودي في سوريا، ذلك الوجود الذي يعود إلى مئات السنين، وتقلّص جذريًا بعد احتلال فلسطين حتى كاد يختفي نهائيًا خلال العقدين الماضيين.

ورغم أن الترشح الرمزي لحمرة يبدو صحيًا في إطار النظر إلى النسيج الاجتماعي والديني والإثني السوري، وتحت افتراض وجود سياسة داخلية تشاركية، إلا أنه لا يأتي من هذه الخلفية واقعيًا، بل يتجسد انعكاسًا لانفتاح السلطة الحاكمة المؤقتة على العنصر اليهودي الأميركي بشكل خاص، ضمن سياستها الاسترضائية تجاه واشنطن لأسباب عديدة ليس هنا مجال بحثها.

لكن ما يستحق تسليط الضوء عليه هو هذا الوجود اليهودي المتلاشي سابقًا، والذي بدأ يعيد تشكيل نفسه تحت المظلة السياسية الحامية للولايات المتحدة (وإسرائيل إلى حدّ ما)، في ظاهرة يصعب التنبؤ بمآلاتها المستقبلية.

يهود سوريا.. جذور تاريخية قديمة

على امتداد أكثر من ألفي عام، شكّل اليهود في حلب ودمشق أحد المكونات الأساسية للنسيج الاجتماعي السوري، وتركوا بصمات بارزة في التاريخ التجاري والديني والثقافي للمنطقة. فقد كانت المدينتان مركزين أساسيين للوجود اليهودي في المشرق، يربطهما تراث طويل من التعايش والتحولات الكبرى التي مرّت على بلاد الشام.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن الوجود اليهودي في سوريا يعود إلى الحقبة البابلية، حين نُقل بعض اليهود إلى المنطقة بعد سبي بابل في القرن السادس قبل الميلاد. وقد وجدوا في مدن مثل دمشق وحلب بيئة خصبة للاستقرار وممارسة التجارة والحرف، خصوصًا في ظل الفترات التي ساد فيها التسامح الديني النسبي في العصور الإسلامية الأولى.

حلب ودمشق.. مركزا الوجود اليهودي

برزت حلب تاريخيًا كمدينة مزدهرة بالتجارة العالمية بين الشرق والغرب، وجذبت إليها جاليات يهودية من العراق وإيران والأناضول. ومع مرور الزمن، أصبحت الطائفة اليهودية في حلب من أكثر الجاليات تنظيمًا وثراءً في الشرق الأوسط.

ومن أبرز رموز هذا الازدهار الكنيس الكبير الذي احتضن لقرون النسخة الأصلية ممّا يُعرف بـ"مخطوط حلب"، وهي أقدم وأدق نسخة معروفة من التوراة العبرية. وقد بلغ عدد اليهود الحلبيين، بحسب الباحث حسن الخطيب في كتابه التحولات البنيوية ليهود سوريا في القرن التاسع عشر، نحو عشرة آلاف يهودي حينها.

وكانوا معروفين بتجارتهم في الأقمشة والحرير والذهب، وبتعليم أبنائهم لغات متعددة مكّنتهم من التعامل مع الأسواق الأوروبية والعثمانية. ويذكر الدكتور محمود حريتي في كتابه تاريخ اليهود في حلب أنه في عام 1928، خلال عهد الانتداب الفرنسي، "نشأت ثمانية مصارف محلية وأجنبية في خانات حلب الكبرى وفي سوق الجمرك، وإلى جانبهم ثلاثة عشر صرافًا أغلبهم من اليهود"، مضيفًا أن "الطبقة العليا من اليهود في حلب سيطرت بعملها في التجارة والمصارف على المراكز التجارية الدولية في أسواق المدينة، ولا سيما سوق الجمرك، إضافة إلى أعمال السمسرة والمضاربة على الأسعار".

أما في دمشق، فقد شكّلت الطائفة اليهودية إحدى أقدم الجماعات الدينية في المدينة، وتمركز وجودها في أحياء مثل حي جوبر الذي ضمّ كنيسًا يُعدّ من أقدم معابد اليهود في العالم (720 قبل الميلاد). وقد ظلّ هذا الكنيس في واجهة الأحداث حتى في سنوات الحرب الأخيرة، حين سُرقت محتوياته في عام 2014 بطريقة غامضة، وتبادلت الأطراف المتصارعة الاتهامات بسرقته، قبل أن يعود إلى الواجهة من جديد مع زيارات متكرّرة لوفود الجاليات اليهودية الغربية للحديث عن إعادة ترميمه.

وبحسب يوسف نعيسة في كتابه يهود دمشق، فقد كان تعداد اليهود هناك يتراوح بين عشرة إلى خمسة عشر ألفًا مع مطلع القرن الماضي، وتمركزوا داخل أسوار المدينة، لا سيما في الجزء الشرقي والجنوبي الشرقي منها، وكذلك في شمالها، وكان أكبر تجمع لهم في "حارة اليهود" أو "محلة اليهود".

"حادثة دمشق" والتنافس الغربي العثماني

عاش اليهود في دمشق فترات من الازدهار النسبي، إلا أن وجودهم شهد أيضًا خضّات كبرى، أبرزها ما عُرف بـ"حادثة دمشق" عام 1840، حين اتُّهم بعض اليهود بقتل الراهب الأب توما الكبوشي، وهو كاهن فرنسيسكاني، وخادمه المسلم إبراهيم عمارة، بزعم استخدام دمهما لصناعة خبز عيد الفصح في طقوس دينية، وهي تهمة ثبت لاحقًا زيفها، إذ كان القاتل حلاقًا يهوديًا كما يوضح الباحث صقر أبو فخر في "العربي الجديد" (3 أكتوبر/ تشرين الأول 2015).

ويورد أن القصة بدأت حين ذهب الأب توما إلى حارة اليهود لتلقيح أحد أبناء داود هراري ضد الجدري، ولم يعد، فذهب خادمه للبحث عنه فاختفى هو الآخر. ثم أُلقي القبض على الحلاق سليمان سلوم الذي "اعترف" تحت التعذيب بأنه ذبح الراهب بأمر من عائلة هراري الثرية مقابل وعد بتزويجه إحدى فتياتها.

رسم معاصر يصور الأب توماس الكبوشي وخادمه المسلم إبراهيم عمارة - ويكيبيديا
رسم معاصر يصور الأب توماس الكبوشي وخادمه المسلم إبراهيم عمارة - ويكيبيديا

وجاءت الحادثة في سياق التنافس الغربي على النفوذ في المشرق مع ضعف السلطنة العثمانية، وانتهت حينها بتدخل بريطاني أدى إلى الإفراج عن الموقوفين وإسقاط التهم. ويشير أبو فخر إلى أن الحادثة عكست "صراعًا بين اليهود الذين تمتعوا بالحماية البريطانية، والكاثوليك الذين تمتعوا بالحماية الفرنسية"، وأن القنصل الفرنسي في دمشق هو من حرّض على اتهام اليهود. وفي نهاية التحقيق، أصدر السلطان عبد المجيد في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 1840 فرمانًا وصف فيه "تهمة الدم" بأنها باطلة وقذف بحق اليهود.

تحوّلات القرن التاسع عشر وصعود النفوذ

مع إصلاحات القرن التاسع عشر المعروفة بـ"التنظيمات العثمانية"، التي منحت المسيحيين واليهود حقوقًا متساوية مع المسلمين، تحسّنت أوضاع اليهود، وبرزت بينهم طبقة من المتعلمين انخرطت في المدارس الحديثة وتعلمت لغات الغرب، ما زاد من تأثير هذه الطائفة الصغيرة.

وسمح تداخل مصالح التجارة والحماية القنصلية والتعليم الحديث بتكوين شبكة معقدة ربطت اليهود بالقوى الأجنبية الصاعدة، فاستفادوا من نظام الامتيازات الأجنبية الذي وفر حماية لرعايا السلطنة المتعاملين مع الدول الأوروبية. وهكذا، تمكن عدد من الأسر اليهودية البارزة في دمشق وحلب وبغداد وبيروت من اكتساب حماية فرنسية أو بريطانية أتاحت لهم تسهيلات تجارية وإعفاءات ضريبية.

كما ساهمت المؤسسات التعليمية المرتبطة بـ"التحالف الإسرائيلي العالمي" (Alliance Israélite Universelle)، الذي تأسس في باريس عام 1860، في تعزيز حضور الثقافة الفرنسية والتعليم الحديث بين الجماعات اليهودية في المشرق. وأنشأت الجمعية مدارسها المعروفة باسم "الأليانس" في دمشق عام 1875، كما ينقل موقع "الأمة العراقية" عن بحث أميل كوهين حول "تاريخ التعليم اليهودي" في المنطقة.

احتلال فلسطين وتراجع النفوذ داخليًا

مع تقدّم المستوى التعليمي لليهود وتوسّع نشاطهم التجاري، وحصولهم على الحماية البريطانية والفرنسية، بدأوا يشكّلون حضورًا مؤثرًا في الأحداث التي كانت تعصف بالمنطقة.

وينقل الدكتور عزمي بشارة في دراسته الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيَّلة (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، عن القاضي الشرعي والمؤرخ المحلي محمد سعيد الإسطواني في يومياته الدمشقية (1840–1861)، أنه أشار إلى "موقف اليهود المعادي للمسيحيين وعلاقة أغنى يهود دمشق يعقوب الإسلامبولي بالوالي"، مضيفًا أن الإسلامبولي، الذي كان تاجرًا محميًا بريطانيًا، قدّم الرشى للمسؤولين وأقرض الناس أموالًا بفوائد وصلت إلى 30 بالمئة، وللفلاحين بنسبة 50 بالمئة.

كما يذكر الكتاب ذاته كيف جرى عزل والي دمشق عثمان باشا ونفيه إلى الأناضول بعد شكوى من القنصل البروسي بسبب ضرب يهودي اعتدى على مزارع مسلم. ويشير إلى كيفية استفادة بعض التجار اليهود من أحداث "فتنة 1860"، عبر متاجرتهم بممتلكات المسيحيين المنهوبة، ثم إقراض المسلمين بالربا لدفع الغرامات التي فرضتها السلطة العثمانية.

عاش اليهود في دمشق فترات من الازدهار النسبي، إلا أن وجودهم شهد أيضًا خضّات كبرى، أبرزها ما عُرف بـ"حادثة دمشق" عام 1840، حين اتُّهم بعض اليهود بقتل الراهب الأب توما الكبوشي، وهو كاهن فرنسيسكاني، وخادمه المسلم إبراهيم عمارة، بزعم استخدام دمهما لصناعة خبز عيد الفصح في طقوس دينية

ويورد بحث أعده علي حبيب الله لموقع "نون بوست" (مارس/ آذار 2025) أن اليهود، الذين "لم يعرفوا العمل الزراعي لأنهم لم يقطنوا الأرياف"، امتلكوا أراضي زراعية في غوطة دمشق بعد إغراق فلاحيها في القروض وفوائدها الباهظة، ما دفع بعضهم إلى التنازل عن أراضيهم لمقرضيهم اليهود، بل "وصل الأمر إلى أن صيارفة العائلتين الكبيرتين في دمشق كانوا يقرضون الإدارة الحكومية، ويمولون قافلة الحج إلى مكة مقابل فوائد مالية تتكفل بتسديدها سلطات الباب العالي في إسطنبول".

ومع مرور الوقت، بدأ التمايز الاجتماعي يطفو على السطح، خاصة في دمشق، حيث أصبح يهود المدينة يهيمنون على القطاع المالي ويتحكمون في رقاب الناس عبر سياسة الإقراض وفوائدها العالية، ما ولّد ثراءً فاحشًا على حساب تجار المدينة وفلاحي ريفها.

يُذكَر أن هذا التنامي في النفوذ والثروات في منتصف القرن التاسع عشر وما بعده، جاء متزامنًا مع تزايد الدعوات المنظمة لهجرة اليهود إلى فلسطين، وهي الهجرة التي أشرفت عليها مؤسسات صهيونية ممولة في أوروبا، وفقًا لدراسة الاستيطان والهجرة في الفكر الصهيوني 1864-1939 الصادرة عن مركز الأبحاث الفلسطيني.

يبقى كنيس جوبر المهدم والمنهوب حاليا قائمًا كرمز للوجود التاريخي للطائفة اليهودية في سوريا - غيتي
يبقى كنيس جوبر المهدم والمنهوب حاليا قائمًا كرمز للوجود التاريخي للطائفة اليهودية في سوريا - غيتي

المشاركة السياسية والانسحاب بعد 1948

مع الاستقلال السوري عام 1946، شارك عدد من وجهاء الطائفة اليهودية في الحياة السياسية، وشغل بعضهم مقاعد في البرلمان السوري، مثل إبراهيم مردخاي ويوسف لانيادو اللذين مثّلا الجاليتين في دمشق وحلب على التوالي.

لكن احتلال فلسطين وقيام دولة إسرائيل عام 1948، وما تبعه من صراع عربي–إسرائيلي، زعزع فكرة التعايش ودفع بمصير الجاليات اليهودية العربية في اتجاه آخر. ويذكر محمود حريتي في كتابه يهود حلب أن تلك الفترة شهدت مغادرة أعداد كبيرة من اليهود، ذهب أغلبهم إلى فلسطين المحتلة.

ولاحقًا، بعد استحواذ حزب البعث على السلطة عام 1963، تلاشى تمامًا أي احتمال لتمثيل اليهود في مؤسسات الدولة، إذ تبنّى النظام الجديد خطابًا قوميًّا راديكاليًا معاديًا للصهيونية، ما جعل التمييز بين اليهود كطائفة دينية وبين الصهيونية كحركة سياسية يختفي في الخطاب الرسمي.

ويذكر بحث "نون بوست" نفسه أن "الدولة السورية أصدرت في أبريل/ نيسان 1966 مرسومًا يقضي بتجميد أملاك المهاجرين اليهود، وتأجيرها إلى مسلمين في دمشق وحلب، لتُدار لاحقًا بالتعاون بين وزارة الداخلية والمقاومة الفلسطينية، وبإيعاز من وكالة غوث اللاجئين (الأونروا)، تم إسكان بعض عائلات اللاجئين الفلسطينيين في بيوت حارة اليهود بعد مغادرة أصحابها".

أما في حلب، فقد وضعت الدولة يدها على أحياء خارج السور مثل العزيزية والجميلية والإسماعيلية، بينما أزيلت بيوت اليهود في الأحياء القديمة مع تنفيذ مشروع باب الفرج عام 1980، الذي ظهرت في مكانه بنايات حكومية وتجارية كفندق "شيراتون" ومديرية الثقافة وغرفة الصناعة.

وبعد حرب 1967 واحتلال إسرائيل للجولان، ازدادت القيود على اليهود السوريين، واعتُبروا تهديدًا أمنيًا يجب مراقبته. أما خلال السبعينيات، فعاش نحو أربعة آلاف يهودي في سوريا، معظمهم في دمشق، في أحياء محددة، وسُمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية تحت رقابة مشددة.

انفراج محدود في التسعينيات

مع مطلع التسعينيات، وفي ظل وساطة أميركية مباشرة، أصدر الرئيس الأسبق للنظام حافظ الأسد عام 1992 قرارًا سمح لليهود السوريين بمغادرة البلاد بحرية، شرط ألا يهاجروا إلى إسرائيل.

وخلال السنوات التالية، غادرت الغالبية العظمى منهم إلى الولايات المتحدة، وكان من بينهم يوسف حمرة، الحاخام الأكبر لليهود السوريين في نيويورك، ووالد المرشح الحالي لمجلس الشعب هنري حمرة، بحسب ما أوردت صحيفة تركيا اليوم (أكتوبر/ تشرين الأول 2025).

وفي حديث لموقع "شام نيوز" في مارس/ آذار 2025، قال بحور شمطوب، زعيم الطائفة الموسوية في سوريا، إنه "بعد موجة الهجرة تلك، بقي في سوريا نحو 30 يهوديًا فقط، لكن هذا العدد تقلص اليوم إلى 7 أشخاص، بينهم ثلاث نساء، يعيشون جميعًا في الأحياء القديمة من دمشق".

آثار منهوبة ومطالب بالتعويض

باع أغلبية اليهود أملاكهم قبل سفرهم، فيما صودرت أملاك آخرين. ومن الجدير بالذكر أن كثيرين منهم نهبوا آثارًا ثمينة تعود ملكيتها للدولة السورية وهربوها إلى إسرائيل. وبحسب أنباء متواترة، فإنّ "حاخام الطائفة اليهودية في دمشق المعروف باسم إبراهيم حمرا (وليس واضحًا إن كان من أسرة المرشح هنري حمرة) قام قبل فراره بتهريب لفائف وتيجان وكتب قديمة ومنحوتات محفوظة في الكنيس، منها أقدم نسخة من التوراة منقوشة على جلد غزال، ونقلها إلى إسرائيل مطلع التسعينيات".

ويبدو أنّ هذا الملف يُعاد طرحه مؤخرًا، إذ بدأت مؤسسات يهودية بالترويج لمطالبها بتعويضات عن أملاك اليهود السوريين، كما حدث سابقًا مع دولٍ كألمانيا وفرنسا وبولندا والعراق. وتشير منصة "إسرائيل يا هوم" (2024) إلى تقرير صادر عن منظمة العدالة لليهود من الدول العربية قدّر قيمة الممتلكات المملوكة لليهود السوريين، التي صودرت أو فقدت، بأكثر من 10 مليارات دولار أميركي بالقيمة الحالية.

ويوضح التقرير أن هذا التقييم يشمل "الخسائر المالية لليهود السوريين في الأصول الريفية والحضرية، وأعمالهم التجارية، والممتلكات الخاصة، والخسائر الجماعية"، مشيرًا إلى أن المنهجية اعتمدت التضخم وأسعار الفائدة وسعر الصرف لتحديد القيمة الإجمالية للأصول حتى 31 ديسمبر/ كانون الأول 2024، والتي بلغت 10,692,545,656 دولارًا أميركيًا.

من الذاكرة إلى الحضور الرمزي

مع مطلع الألفية، لم يتبقَّ في دمشق سوى عشرات الأفراد المسنين الذين عاشوا بهدوء تحت مراقبة محدودة. وبقي كنيس جوبر المهدّم والمنهوب رمزًا للوجود التاريخي اليهودي في سوريا.

ورغم أن القوانين السورية لم تنصّ صراحة على حرمان اليهود من الحقوق السياسية، فإن الواقع الأمني والاجتماعي جعل مشاركتهم شبه مستحيلة.

وعلى الصعيد الاجتماعي، بقيت حياة اليهود محصورة ضمن دوائر مغلقة، وحتى سنوات قليلة قبل 2011، كان بعض المسنين منهم يعمل في تجارة المجوهرات والتحف والمواد الغذائية، قبل أن يهاجر آخر من تبقّى منهم.

وتبقى في الذاكرة الشخصية مشاهد الأختين اليهوديتين اللتين سكنتا دارًا عربية في حيّ اليهود بدمشق، وكانتا تظهران دائمًا على باب منزلهما مع هرّتيهما، تراقبان صمت المدينة من بعيد، حتى رحلتا تباعًا قبل عقدٍ من الزمن.

في ضوء هذا التاريخ الطويل من الوجود ثم التلاشي، يبدو ترشح هنري حمرة اليوم عودة رمزية أكثر منها اجتماعية، تعكس انفتاحًا سياسيًا مصلحيًا تجاه الولايات المتحدة، أكثر مما تعبّر عن تسامح أو تعددية حقيقية في البنية السورية المعاصرة. لكنها، في الوقت نفسه، تذكير بوجود تاريخي عميق لطائفةٍ شكّلت جزءًا من الوجدان السوري المتعدد، قبل أن تُقصى عن المشهد وتتحول إلى ذاكرة بعيدة في زوايا دمشق وحلب القديمة.
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
تغطية خاصة