الإثنين 11 مايو / مايو 2026
Close

يوم عالمي بلا حميات.. كيف تحوّل الطعام إلى حساب دائم؟

يوم عالمي بلا حميات.. كيف تحوّل الطعام إلى حساب دائم؟

شارك القصة

طاولة أكل
هو يوم للتشجيع على رفض ثقافة الحميات والاحتفاء بتقبّل الجسد وتنوّعه- غيتي
هو يوم للتشجيع على رفض ثقافة الحميات والاحتفاء بتقبّل الجسد وتنوّعه- غيتي
الخط
لم يعد الطعام، في عالم اليوم، حاضرًا في حياتنا بوصفه حاجة ومتعة وطقسًا اجتماعيًا فقط، وإنما صار أيضًا موضوعًا دائمًا للقياس: ماذا أكلنا؟ كم مرة؟ في أي وقت؟
متى تحوّل الطعام، عند كثيرين، إلى جدول حسابات، وسلسلة مقارنات، ومصدر قلق صامت؟

في السادس من مايو/ أيار من كل عام، يعود "اليوم العالمي بلا حميات" ليطرح هذا السؤال الذي يبدو بسيطًا.

بدأت هذه المناسبة عام 1992 مع الناشطة البريطانية ماري إيفانز يونغ، قبل أن تتحول لاحقًا إلى حملة أوسع ضد ثقافة الحميات القاسية، ودعوة إلى احترام تنوّع الأجساد وبناء علاقة أكثر هدوءًا مع الطعام.

وتعرّفها الجمعية الوطنية لاضطرابات الأكل في الولايات المتحدة باعتبارها يومًا للتشجيع على رفض ثقافة الحميات والاحتفاء بتقبّل الجسد وتنوّعه.


الطبق حين يشبه دفترًا


لم يعد الطعام، في عالم اليوم، حاضرًا في حياتنا بوصفه حاجة ومتعة وطقسًا اجتماعيًا فقط، وإنما صار أيضًا موضوعًا دائمًا للقياس: ماذا أكلنا؟ كم مرة؟ في أي وقت؟ هل كان خيارًا "صحيحًا" أم "خاطئًا"؟ هل نستحقه أم ينبغي أن نشعر بالذنب بعده؟

بهذا المعنى، لم تعد العلاقة بالطعام علاقة مباشرة، فقد دخلت بينها وبين الإنسان شاشات وتطبيقات وتعليقات ونصائح متضاربة وصور لا تنتهي.

في لحظة واحدة، يمكن أن يتحول طبق بسيط إلى قرار نفسي معقد، فما كان جزءًا من يوم عادي، صار عند كثيرين امتحانًا صغيرًا لقوة الإرادة أو صورة الجسد أو القدرة على الالتزام.

وتزداد المشكلة حين يصبح الطعام لغة للحكم على الذات، من خلال قطعة حلوى قد تتحول إلى "فشل"، أو وجبة دسمة إلى "ذنب"، ويوم عادي إلى مناسبة للمحاسبة. هنا يفقد الطعام شيئًا من براءته، ويصبح جزءًا من علاقة متوترة مع النفس.


مطبخ
لا يعيش الناس علاقتهم بالطعام في فراغ، بل عبر ثقافة الصورة، والإعلانات - غيتي
هل نأكل لأننا جائعون؟ لأننا نحب ما أمامنا؟ لأننا نشارك آخرين لحظة جميلة؟ أم لأننا نعيش تحت ضغط دائم يدفعنا إلى مراقبة كل لقمة؟

الطعام ذاكرة لا رقم


وفي ثقافتنا، للطعام مكان أبعد من التغذية، ففيه الضيافة والبيت والذاكرة والموسم واللمة العائلية ورائحة الخبز وفيه أيضا ذلك الطبق الذي يرتبط بشخص غائب أو مدينة بعيدة، لذلك يبدو اختزال الطعام إلى أرقام فقط خسارة ثقافية لا صحية فقط.

ومعنى ذلك أن الطعام ليس أشياء تدخل إلى الجسد عبر الفم، إنه ما يجمع الناس حول طاولة، وما يفتح أحاديث، وما يمنح الأيام العادية طعمًا مختلفًا، حتى إنه لكل بيت أطباقه التي تحمل ذاكرته، ولكل مدينة نكهات تصنع جزءًا من هويتها.

وحين نبالغ في تحويل الطعام إلى مراقبة دائمة، نفقد شيئًا من هذا المعنى، لكن ذلك في الوقت ذاته  لا يعني تجاهل الصحة أو التعامل مع الأكل بلا وعي، وإنما المقصود استعادة مساحة أكثر توازنًا: أن نرى الطعام من دون خوف، وأن نترك مجالًا للمتعة، وأن نتعامل مع الاختيارات اليومية بعيدًا عن القسوة المفرطة على الذات.


ضغط الصورة


لا يعيش الناس علاقتهم بالطعام في فراغ، بل عبر ثقافة الصورة، والإعلانات، ومنصات التواصل الاجتماعي، التي جعلت الجسد موضوعًا دائم الحضور، حتى صار كثيرون يتلقون رسائل متناقضة: أحبّ جسدك كما هو، غيّر جسدك، تناول هذا، تجنّب ذاك، كن طبيعيًا، كن مثاليًا، ما يجعل الطعام محمّلًا بمعانٍ تفوق حجمه الحقيقي.

وهنا تأتي أهمية اليوم العالمي بلا حميات، ليذكر بأن الصحة لا يجب أن تُختزل في القسوة، وأن العلاقة الجيدة مع الطعام لا تُبنى على الخوف، فالجسد ليس مشروعًا يوميًا للمحاسبة، والطعام ليس عدوًا ينبغي التفاوض معه طوال الوقت.


نحو مائدة أهدأ


ربما لا يغيّر يوم واحد علاقتنا بالطعام؛ لكنه يفتح نافذة صغيرة للتفكير: هل نأكل لأننا جائعون؟ لأننا نحب ما أمامنا؟ لأننا نشارك آخرين لحظة جميلة؟ أم لأننا نعيش تحت ضغط دائم يدفعنا إلى مراقبة كل لقمة؟

السؤال لا يحتاج جوابًا قاطعًا، بل يكفي أن يعيد للطعام بعض إنسانيته ويعيد النظر إلى الطعام بنظرة لا تجعل منه رقمًا فقط، ولا من المائدة اختبارًا، ولا من الجسد شيئا يحتاج كل يوم إلى حكم جديد.

في اليوم العالمي بلا حميات، يمكن أن تكون الرسالة الأبسط هي الأهم: أن نأكل بوعي، من دون خوف، وأن نتذكر أن للطعام مكانًا في الحياة لا تصنعه الجداول وحدها، وإنما تصنعه الذاكرة والناس والطمأنينة.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي