غالبًا ما تُحسم المعارك العسكرية لصالح الجيوش الأكثر عدة وعددًا. لكنّ التاريخ الإسباني يحمل في طياته صفحة سوداء ودرسًا قاسيًا يعود تاريخه إلى صيف عام 1921، حين وجد جيش كامل نفسه امام اختبار غير متوقع في جبال الريف المغربي. في معركة أنوال.
ففي 22 يوليو/ تموز 1921، أصدر الجنرال الإسباني مانويل فرنانديز سلفستري أمرًا بإخلاء معسكر أنوال في شمال المغرب بهدف إنقاذ قواته من الحصار والعودة إلى مواقع أكثر أمانًا، لكن الانسحاب تحوّل خلال ساعات إلى انهيار عسكري شامل.
خرج الجنود في صفوف مضطربة عبر طرق جبلية ضيقة، وتكدست العربات والدواب والجرحى، بينما أطلق مقاتلو الريف النار من المرتفعات وقطعوا طرق العودة. انتقل الذعر من وحدة إلى أخرى، وتُركت الأسلحة والذخائر، وسقطت المواقع الإسبانية تباعًا حتى أصبحت مدينة مليلية نفسها مهددة.
توسّع أسرع من قدرة الجيش
في عام 1912، فرضت إسبانيا حمايتها على شمال المغرب، لكنها بقيت لسنوات عاجزة عن السيطرة الفعلية على مناطق واسعة من الريف. وعندما تولى سلفستري قيادة المنطقة العسكرية في مليلية، بدأ تقدمًا سريعًا نحو خليج الحسيمة، مركز قبيلة بني ورياغل ونقطة الثقل في المنطقة.
أنشأ الجيش الإسباني عشرات المواقع الصغيرة فوق الجبال والتلال. بدا كل موقع جديد دليلًا على اتساع النفوذ الإسباني، لكن هذه الحاميات كانت متباعدة ومعزولة، وترتبط بممرات طويلة يصعب الدفاع عنها.
افتقر عدد من المواقع إلى التحصينات والمياه، واعتمدت حامياتها على قوافل تأتيها بالمؤن والذخيرة من مسافات بعيدة. كلما تقدم الجيش غربًا، امتدت خطوط إمداده وأصبحت أكثر عرضة للقطع. وبدل تشكيل جبهة مترابطة، توزّعت القوات على نقاط لا تستطيع إغاثة بعضها عند وقوع هجوم.
كما عانى الجيش من ضعف التدريب وسوء التنظيم ونقص المعدات. ووفق صحثفة "إل موندو"، أظهر التحقيق الإسباني اللاحق، المعروف باسم "ملف بيكاسو"، حجم الفوضى التي أصابت القيادة والتموين والاستعداد العسكري قبل الهزيمة. وتشير الدراسات إلى أن أنوال لم تكن نتيجة تفوق عسكري ريفي مجرد، بل نتيجة أخطاء إسبانية تراكمت قبل بدء المعركة بوقت طويل.
قائد يعرف خصمه
لم يظهر عبد الكريم الخطابي فجأة بوصفه قائدًا للمقاومة. فقد عمل سابقًا مدرسًا وصحفيًا وقاضيًا في مليلية، وأتقن اللغة الإسبانية وتعرّف عن قرب إلى الإدارة الاستعمارية ومؤسساتها.
ساعدته تلك التجربة على فهم طريقة تفكير خصمه. أدرك أن الجيش الإسباني متفوق في المدافع والرشاشات، لكنه ضعيف عندما يتحرك بعيدًا من قواعده الساحلية، ويتوزع على مواقع صغيرة داخل أرض لا يعرفها.
عمل الخطابي، بمساعدة شقيقه وقادة محليين، على توحيد المقاتلين وتنظيمهم. لم يسع إلى مهاجمة كل موقع إسباني مباشرة، بل ركز على المرتفعات ومسالك الإمداد ومصادر المياه، مستفيدًا من معرفة المقاتلين الدقيقة بالجبال والوديان.
استطاعت قوات الريف التحرك في مجموعات صغيرة، والتجمع عند الحاجة، ثم الانسحاب قبل وصول التعزيزات. وبهذه الطريقة، فقد الجيش الإسباني جزءًا كبيرًا من تفوقه التقني، لأن المدافع والرشاشات لم تكن كافية لحماية مواقع معزولة أو طرق طويلة ومكشوفة.
المعركة بدأت قبل أنوال
ظهر ضعف الانتشار الإسباني في الأول من يونيو/ حزيران 1921، عندما احتلت قوة إسبانية جبل أبرّان وأقامت موقعًا فوقه. وبعد مغادرة القوة الرئيسية وترك حامية محدودة، هاجم مقاتلو الريف الموقع وأسقطوه، واستولوا على أسلحة وذخائر.
رفع الانتصار معنويات المقاومة، وأظهر أن التقدم الإسباني يمكن وقفه. لكن سلفستري لم يتراجع عن خطته، وواصل الاحتفاظ بمواقع يصعب تموينها والدفاع عنها.
جاءت الضربة الثانية في موقع إغريبن القريب من أنوال. أحاط المقاتلون بالموقع، وسيطروا على الطريق المؤدي إلى مصدر المياه. فشلت محاولات فك الحصار، وسقطت الحامية في 21 يوليو/ تموز بعد أيام من العطش والقصف.
أصبح معسكر أنوال بعدها في وضع شديد الخطورة. كان مصدر المياه بعيدًا ومكشوفًا، وتراجعت معنويات الجنود، فيما انتشرت أخبار سقوط المواقع المحيطة. ومع ذلك، لم تضع القيادة خطة منظمة للانسحاب أو لتأمين الطريق.
انسحاب بلا قيادة
وفي صباح 22 يوليو/ تموز، قرر سلفستري إخلاء أنوال. لكن معظم الجنود لم يكونوا قد أُبلغوا مسبقًا بالخطة أو بترتيب الانسحاب، فخرجت الوحدات بصورة متزامنة واختلطت ببعضها.
تحولت الطرق الضيقة إلى نقاط ازدحام، وتوقفت العربات، وفقد الضباط الاتصال بجنودهم. استغل مقاتلو الريف الفوضى، وأطلقوا النار من المرتفعات على القوات المتراجعة، بينما تحركت مجموعات أخرى لقطع الطريق نحو المواقع الخلفية.
لم يعد الجيش قادرًا على إعادة تنظيم صفوفه. وكان وصول الجنود الفارين إلى كل موقع جديد ينقل إليه أخبار الانهيار، فتتراجع معنويات حاميته أو تخليه من دون قتال طويل. كما تفككت وحدات محلية كانت تعمل مع الإسبان، وانضم بعض أفرادها إلى المقاومة أو غادروا مواقعهم.
اختفى الجنرال سلفستري خلال الانسحاب، ولم يُعثر على جثمانه بصورة مؤكدة. حاولت وحدات، بينها فرسان فوج "ألكانتارا"، حماية المنسحبين، لكنها لم تستطع وقف انهيار جيش فقد قيادته واتصالاته وقدرته على المقاومة.
امتدت الكارثة بعد أنوال إلى مواقع أخرى، أبرزها مونتي عروي، حيث حوصرت حامية كبيرة قبل سقوطها في أغسطس/ آب 1921. لذلك تشمل تقديرات الخسائر أحيانًا معركة أنوال وحدها، وأحيانًا كامل الانهيار الذي أعقبها، وتتراوح الأرقام الشائعة بين نحو ثمانية آلاف وأكثر من 13 ألف قتيل ومفقود. وتضع دراسات أخرى الخسائر في نطاق أوسع يصل إلى 10 آلاف أو 16 ألفًا.
كيف انتصر الخطابي؟
لم يكن الانتصار نتيجة الكمائن أو الشجاعة الفردية وحدهما. فقد نجح الخطابي في استغلال أربعة عناصر أساسية:
لم يهزم الخطابي الجيش الإسباني في مواجهة واحدة. تركه يتمدد فوق مساحة لا يستطيع حمايتها، ثم ضرب المواقع الأضعف وعزل الحاميات، قبل أن يحوّل قرار الانسحاب إلى انهيار كامل.
ما بعد الهزيمة
فقدت إسبانيا خلال أسابيع معظم الأراضي التي سيطرت عليها في شرق الريف، واستولى المقاتلون على كميات كبيرة من البنادق والمدافع والذخائر. أتاح هذا السلاح للخطابي تطوير قواته والانتقال من مقاومة محلية إلى مشروع سياسي وعسكري أوسع. في سبتمبر/ أيلول 1921، أُعلنت "جمهورية الريف"، وسعى الخطابي إلى بناء إدارة مركزية وتنظيم الجيش وجباية الضرائب وتجاوز الانقسامات القبلية، مع الإبقاء على ولائه الاسمي لسلطان المغرب.
أمّا في إسبانيا، فتحولت أنوال إلى أزمة سياسية وعسكرية. كشف "ملف بيكاسو" أوجه التقصير في القيادة والتجهيز والإمداد، وأصبحت مسؤولية كبار الضباط والحكومة والقصر موضوعًا للنقاش. كما عمّقت الهزيمة اضطراب النظام السياسي الإسباني، قبل انقلاب ميغيل بريمو دي ريفيرا عام 1923.
لم تنه أنوال الوجود الاستعماري. فقد أعادت إسبانيا بناء جيشها، وتحالفت لاحقًا مع فرنسا، وشن الطرفان حملة واسعة انتهت باستسلام الخطابي عام 1926. لكن المعركة أثبتت أن التفوق في العدد والسلاح لا يضمن النصر عندما تتحول الأرض والإمدادات والقيادة إلى نقاط ضعف.
وبعد 105 أعوام، بقيت أنوال أكثر من ذكرى انتصار عسكري. فقد أظهرت كيف يمكن لقوة محلية منظمة، تعرف أرضها وخصمها، أن تهزم جيشًا متفوقًا عندما تدفعه إلى القتال بالطريقة والمكان اللذين تختارهما.