وخلال الأيام الماضية، انشغل الشارع السوري بمعلومات تتحدث عن مخالفات محتملة في عقود أبرمتها الشركة السورية للبترول مع شركات خاصة، وعن أضرار مالية قُدّرت بأكثر من 110 ملايين دولار.
ويأتي ذلك في بلد يعاني مواطنوه من ارتفاع أسعار المحروقات وضغوط المعيشة، ما جعل الأرقام المتداولة تتحول سريعًا إلى قضية رأي عام، وتفتح باب الأسئلة حول آلية إبرام العقود، واختيار الشركات، وحقيقة الأموال والأضرار المالية المشار إليها.
الشركة السورية للبترول تنفي اختلاس الأموال
خرجت الشركة السورية للبترول ببيان رسمي نفت فيه وجود اختلاس، موضحة أن الرقم المتداول لا يمثل أموالًا مفقودة، وإنما تقديرًا أوليًا لضرر محتمل، ضمن ملفات لا تزال قيد التحقيق والتدقيق.
وقالت الشركة إن بعض العقود أُبرمت في ظروف استثنائية، بعد استعادة منشآت وحقول نفطية في المنطقة الشرقية، فيما جرت عقود أخرى عبر طلب عروض ومنافسة بين عدة شركات.
كما نفت توقيف رئيسها التنفيذي أو إحالته إلى التحقيق.
وكان يمكن أن يبقى النقاش محصورًا في العقود والأرقام والوثائق، لولا ظهور الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، من داخل مصفاة حمص، للدفاع عن عمل الشركة والعقود المبرمة مع الشركات الخاصة.
وتحدث قبلاوي عن الشركات التي تعاقدت معها الشركة السورية للبترول، مؤكدًا أنها مؤهلة، وأن معظم العاملين فيها من أبناء المنطقة الشرقية، كما اتهم ما وصفها بـ"قنوات معادية" بمحاولة التشكيك في قطاع النفط.
لكن عبارة واحدة من حديثه غيّرت مسار النقاش.
"الشعب السوري ينساق كالقطيع"
وقال قبلاوي: "الشعب السوري ينساق كالقطيع خلف فيسبوك".
وسرعان ما انتشر المقطع على منصات التواصل الاجتماعي، وتحول الجدل من العقود النفطية والأرقام المتداولة إلى تصريحات المسؤول، بعدما اعتبر مستخدمون أن وصف المواطنين بـ"القطيع" يحمل إساءة لهم، خصوصًا في ظل تساؤلاتهم عن المال العام والعقود الحكومية.
وطالب بعض السوريين بإقالة قبلاوي، فيما رأى آخرون أن مسؤولًا يدير قطاعًا اقتصاديًا حساسًا لا ينبغي أن يواجه أسئلة المواطنين بهذه اللغة.
قبلاوي يعتذر عن وصف السوريين بـ"القطيع"
وبعد تصاعد الغضب، ظهر قبلاوي في تسجيل جديد بعنوان "من شيم الرجال الاعتذار، ومن شيم الكرام قبوله"، وقال إن الكلمة صدرت منه بصورة غير مقصودة خلال وجوده في مصفاة حمص، وإنها لا تمثله ولا تعبّر عنه.
وأرجع قبلاوي ما وصفه بسوء التعبير إلى ضغوط العمل، موضحًا أنه عاش معظم حياته خارج سوريا، وأن ذلك يدفعه أحيانًا إلى ترجمة بعض المصطلحات بين العربية والإنكليزية بطريقة قد تؤدي إلى الخلط.
من شيم الرجال الاعتذار ومن شيم الكرام قبوله .. وأشهد بالله أنكم قوم كرام. pic.twitter.com/Cp8A1YHoAH
— يوسف قبلاوي Yousef Qiblawy (@YousefQiblawy) September 28, 2026
وأضاف: "أنا منكم وفيكم وابن للبلد"، طالبًا من السوريين قبول اعتذاره، ومعلنًا أنه سامح كل من أخطأ بحقه.
وقال قبلاوي في التسجيل: "مبارح كنا بمصفاة حمص مع الشباب هناك... وللأسف، بشكل غير مقصود طلع مني كلمة ما بقصدها نهائيًا، وما بتعبّر عني نهائيًا".
وأضاف أن العاملين في القطاع يعيشون "تحت ضغوطات شديدة وتحديات كبيرة"، قبل أن يجدد اعتذاره، قائلًا إن هذا الكلام "ما بمثلني نهائيًا".
هل ينهي الاعتذار الجدل؟
لم ينهِ الاعتذار الأسئلة التي أثارتها القضية، إذ واصل رواد المنصات النقاش حول العقود النفطية، إلى جانب موقف قبلاوي من المواطنين.
وقال صهيب اليعربي إن وصف الناس بـ"القطيع" يتجاوز مجرد زلة لسان إلى ما اعتبره أزمة في التعامل مع الشأن العام، مضيفًا أنه لا يملك وثائق أو أحكامًا قضائية تثبت فسادًا ماليًا أو إداريًا بحق قبلاوي، لكنه انتقد ما وصفه بلغة الاستعلاء على المواطنين.
من جهته، رأى توفيق أن الاعتذار العلني يمكن أن يكون محل قبول، لكنه لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بالعقود، وحجم الضرر الفعلي، والمسؤولية في حال أثبتت التحقيقات وجود مخالفات.
وأشار علي إلى استمرار مشكلات الفساد المالي والإداري، بحسب رأيه، في مؤسسات الدولة، معتبرًا أن أمام الحكومة الجديدة مسؤوليات كبيرة.
أما يمان، فاعتبرت أن عبارة "القطيع" صرفت الانتباه عن الأسئلة المتعلقة بالعقود والمخالفات المحتملة، داعيًا إلى انتظار نتائج التحقيقات وعدم إغلاق الملف بالاعتذار.