السبت 5 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

130 عامًا على أول وفاة بحادث.. كيف أعادت السيارات تشكيل شوارع العالم؟

130 عامًا على أول وفاة بحادث.. كيف أعادت السيارات تشكيل شوارع العالم؟

شارك القصة

صدرت أول السيارات في العالم عام 1886- بنز
صدرت أول السيارات في العالم عام 1886- بنز
صدرت أول السيارات في العالم عام 1886- بنز
الخط
بدأ عصر السيارات بوعود هائلة لتغيير حياة البشر، لكنه حمل معه خطراً جديداً أجبر المدن على إعادة التفكير في الشارع وقواعده ومن يملك حق الحركة فيه.
في 17 أغسطس/ آب 1896، كانت بريدجيت دريسكول في زيارة إلى منطقة كريستال بالاس في لندن، حين صدمتها سيارة من طراز "روجر-بنز" يقودها آرثر إدسيل، الموظف لدى شركة "Anglo-French Motor".
سقطت دريسكول وأصيبت إصابة قاتلة في الرأس، لتسجل وفاتها واحدة من اللحظات المؤسسة والمأساوية في تاريخ عصر السيارات.

لم تكن السيارة تسير بسرعة تبدو لنا اليوم خطرة. ويقدر المتحف الوطني البريطاني للسيارات سرعتها بأربعة أميال في الساعة، أي نحو 6.4 كيلومترات في الساعة، ويسجل دريسكول بوصفها أول وفاة مرتبطة بسيارة في بريطانيا.

وتبدو المفارقة أكبر عند النظر إلى مدى ندرة السيارات في تلك الحقبة. ففي نهاية عام 1895، لم يكن على الطرق البريطانية سوى عدد محدود للغاية من السيارات، قبل أن تبدأ أعدادها بالارتفاع سريعًا مع اقتراب القرن العشرين.

كانت وفاة دريسكول إنذارًا مبكرًا بمشكلة لم يكن المجتمع قد امتلك لغتها بعد. فالسيارة بدأت تدخل إلى شوارع نشأت قبلها بقرون، وإلى عالم لم يحدد بعد كيف يتعامل مع كتلتها وسرعتها وقدرتها على تحويل خطأ عادي إلى إصابة قاتلة.

وما يبدو اليوم بديهيًا، من إشارات المرور وحدود السرعة وخطوط المسارات وممرات المشاة وأرقام المركبات ورخص القيادة واختباراتها، لم يظهر بوصفه منظومة واحدة.


بريطانيا

في نهاية عام 1895، لم يكن على الطرق البريطانية سوى عدد محدود للغاية من السيارات - غيتي 

احتاج الأمر إلى عقود من الحوادث والصراع والتجريب حتى يتعلم العالم أن التحدي لم يكن فقط: كيف نقود السيارة؟ وإنما: كيف نعيد تنظيم الشارع كله بعدما دخلته آلة جديدة؟

شارع بلا مالك واحد


قبل السيارة، لم يكن الشارع مجرد ممر لنقل الأشخاص من نقطة إلى أخرى. كان مساحة مشتركة للحركة والعمل والحياة اليومية، يمشي فيه الناس، وتعبره العربات التي تجرها الخيول، وتمر فيه الدراجات والترام، ويتوقف فيه الباعة، ويستخدمه الأطفال للعب، من دون الفصل الصارم الذي نعرفه اليوم بين حركة المركبات والمشاة.

لهذا لم تدخل السيارة إلى فراغ. وصلت إلى فضاء يستخدمه آخرون أصلاً، ومعها جاءت خاصيتان غيرتا قواعد اللعبة: كتلة الآلة وسرعتها.

ويتتبع المؤرخ بيتر نورتون في كتابه "Fighting Traffic: The Dawn of the Motor Age in the American City" الصراع الذي شهدته المدن الأميركية، خصوصًا بين عامي 1915 و1930، حول معنى الشارع ووظيفته.

ويوضح نورتون أن مستخدمي الشوارع قبل هيمنة السيارة كانوا يشملون المشاة والأطفال ووسائل النقل المختلفة، قبل أن تتحول شوارع كثيرة بحلول ثلاثينيات القرن الماضي إلى مساحات موجهة أساسًا لحركة المركبات. ولم يكن الصراع متعلقًا بالحوادث وحدها. كان السؤال أيضًا:

لمن الشارع؟ هل يبقى فضاءً عامًا تتقاسمه فئات مختلفة، أم يصبح أساسًا ممرًا للمركبات؟
الشارع قبل وبعد السيارات

وكان المشاة في المدن الأميركية يعبرون الطرق حيث يشاؤون ويستخدمونها بوصفها جزءاً من المجال العام، فيما احتاج تحويلهم تدريجياً إلى مستخدمين مقيدين بأماكن عبور محددة إلى تغيير في القوانين والأعراف والهندسة المرورية معاً.

فالشارع الحديث لم يظهر بهذه الصورة بصورة تلقائية، بل أعيد تعريفه اجتماعيًا وماديًا كي يستوعب السيارة. وكانت السيارة، بهذا المعنى، تحتاج إلى أكثر من محرك أفضل. كانت تحتاج إلى مجتمع جديد من القواعد.


الحل الأول: أبطئوا الآلة إلى سرعة الإنسان


قبل أن يعيد البشر تصميم الشوارع من أجل المركبات، جربت بريطانيا حلاً أبسط: إذا كانت الآلة الجديدة خطرة، فلتتحرك بسرعة العالم القديم.

فرض قانون القاطرات البريطاني لعام 1865 قيودًا مشددة على المركبات الآلية التي كانت آنذاك في معظمها مركبات بخارية ثقيلة.

وكان من بين القواعد أن يسبق المركبة شخص على الأقدام لتحذير مستخدمي الطريق، فيما حددت السرعة القصوى بميلين في الساعة في المناطق المأهولة وأربعة أميال خارجها. واشتهرت هذه المرحلة لاحقاً بقوانين "الراية الحمراء".

وتكشف هذه القيود فلسفة المرحلة: الطريق لن يتغير من أجل الآلة، بل على الآلة أن تتكيف مع الطريق. لكن تطور المركبات الخفيفة ذات المحركات جعل هذا الحل أقل قابلية للاستمرار.

وفي 14 أغسطس/ آب 1896، أقر قانون "Locomotives on Highways Act"، الذي استثنى المركبات الآلية الخفيفة من عدد من القيود القديمة، وحدد سقف سرعتها بـ14 ميلًا في الساعة، على أن يدخل القانون حيز التنفيذ بعد ثلاثة أشهر.


قوانين السيارات

وهنا تظهر مصادفة زمنية لافتة: أقر القانون قبل وفاة بريدجيت دريسكول بثلاثة أيام فقط.

كانت بريطانيا، في اللحظة التاريخية نفسها تقريباً، تفك القيود التي أبقت المركبة في سرعة قريبة من المشاة، وتبدأ في اكتشاف أن إطلاق إمكانات السيارة سيحتاج إلى شيء أكبر بكثير من تعديل رقم للسرعة: سيحتاج إلى إعادة بناء قواعد الطريق نفسه.

رجل أمام السيارة

من ضبط السيارة إلى تنظيم من يقودها


كلما زاد عدد السيارات، أصبح واضحًا أن تحديد السرعة لن يكون كافيًا..

من يملك المركبة؟ من كان يقودها عند وقوع الحادث؟ كيف يمكن التعرف إليها إذا غادرت المكان؟ وهل يكفي أن يستطيع شخص شراء سيارة كي يحق له استخدامها على الطريق؟

بدأت الإجابات تتحول تدريجيًا إلى منظومة. فقد أدخل قانون "Motor Car Act" لعام 1903 في بريطانيا رخص القيادة وتسجيل المركبات وعلامات التسجيل.

لكن الرخصة في بدايتها لم تكن شهادة على مهارة السائق كما نفهمها اليوم. وتوضح الحكومة البريطانية أن الرخص أدخلت أساسًا وسيلة للتعرف إلى المركبات وسائقيها، وكان من الممكن الحصول عليها من مكتب البريد مقابل خمسة شلنات، من دون اجتياز اختبار قيادة.

أي أن الدولة احتاجت أولاً إلى معرفة من يقود ماذا، قبل أن تنتقل إلى السؤال التالي: هل يعرف هذا الشخص أصلاً كيف يقود؟

واحتاج ذلك إلى نحو ثلاثة عقود. ففي عام 1931، صدرت أول نسخة من "Highway Code" البريطاني، وكان على طرق بريطانيا العظمى آنذاك نحو 2.3 مليون مركبة فقط، فيما كان أكثر من سبعة آلاف شخص يقتلون في حوادث الطرق سنويًا.

وبعد أربع سنوات، أصبح اختبار القيادة إلزاميًا اعتبارًا من 1 يونيو/ حزيران 1935 للسائقين والراكبين الذين بدأوا القيادة في 1 أبريل/ نيسان 1934 أو بعده.

هكذا تغير معنى القيادة نفسه. لم تعد مجرد امتلاك آلة والقدرة على تشغيلها، بل أصبحت نشاطًا عامًا منظمًا يحتاج إلى هوية وقواعد ومعرفة وإثبات للكفاءة.

مسؤولية السائق

حين بدأ الشارع يتكلم


لكن القانون وحده لا يستطيع إدارة آلاف الأشخاص والمركبات الذين يلتقون يوميًا في التقاطعات. احتاج الشارع نفسه إلى لغة.

والمثير أن أول محاولة لصنع هذه اللغة سبقت السيارة الحديثة. ففي 10 ديسمبر/ كانون الأول 1868، نصبت خارج مجلسي البرلمان في لندن أول إشارة مرورية معروفة في العالم.

واستعارت الإشارة فكرتها من السكك الحديدية، واستخدمت أذرعًا ميكانيكية نهارًا ومصابيح غازية حمراء وخضراء ليلاً، وكان شرطي يشغلها يدويًا.

ولم تعش التجربة طويلاً، إذ انفجرت الإشارة في يناير/ كانون الثاني 1869 وأصابت الشرطي الذي كان يديرها.

الإشارة الضوئية

 في 10 ديسمبر 1868، نصبت خارج مجلسي البرلمان في لندن أول إشارة مرورية معروفة في العالم - غيتي

اختفت التجربة، لكن المشكلة التي حاولت حلها ازدادت إلحاحًا مع انتشار السيارات. وظهرت أول إشارة كهربائية بنظام "قف-سر" في كليفلاند الأميركية عام 1914، ثم تطورت الأنظمة متعددة الألوان.

وفي بريطانيا استخدمت إشارات ثلاثية الألوان تشغل يدويًا في لندن عام 1926، قبل تجربة إشارات آلية في وولفرهامبتون في العام التالي.

لم تكن الإشارة مجرد جهاز جديد إلى جانب الطريق. لقد نقلت قرار المرور من التفاوض المباشر بين مستخدمي الشارع إلى قاعدة بصرية مشتركة: الأحمر يمنع، والأخضر يسمح، والجميع يعرف متى ينتظر ومتى يتحرك.

وبدأ الشارع يحصل بعد ذلك على مفردات أخرى: لوحات وخطوط وجزر مرورية ومسارات وأماكن للعبور.

وفي بريطانيا ظهرت عام 1934 مصابيح "Belisha Beacons" لتنبيه السائقين إلى ممرات المشاة، ثم أدخلت ممرات "Zebra" الشهيرة عام 1951. ويحمل ممر المشاة في ذاته مفارقة تاريخية. فالإنسان الذي كان يعبر الشارع حيث يشاء أصبح، مع هيمنة المركبة، يحصل على مكان محدد يعاد فيه تثبيت حقه في العبور.

لم يكن الممر مجرد ابتكار تقني للسلامة، بل كان علامة على تغير مفهوم الشارع. صار هناك مكان لحركة السيارات، ومكان للمشاة، ونقطة للعبور، ووقت تمنحه الإشارة لهذا الطرف أو ذاك. وبذلك لم يتعلم العالم فقط كيف يمنع السيارات من صدم الناس، بل أعاد توزيع المساحة والحقوق داخل المدينة.

وصار الشارع، شيئاً فشيئاً، يتحدث إلى مستخدميه ويخبر كل واحد منهم أين يقف ومتى يتحرك.


إشارات الشارع

من "من أخطأ؟" إلى "لماذا سمح النظام للخطأ بأن يقتل؟"


بقي التفكير في السلامة المرورية طويلًا متمركزًا حول سؤال مباشر: من المخطئ؟ 

السائق أسرع مما ينبغي، أو المشاة عبروا في المكان الخطأ، أو راكب الدراجة لم ينتبه. لكن فلسفة السلامة الحديثة تنطلق من فرضية مختلفة: الإنسان سيخطئ مهما بلغ حرصه.

قد يتشتت السائق للحظة، وقد يندفع طفل إلى الطريق، وقد يخطئ شخص مسن في تقدير الوقت اللازم للعبور، أو يسيء راكب دراجة تقدير سرعة مركبة تقترب منه.

فإذا كان تصميم الطريق يجعل خطأً بشرياً عادياً قادراً على قتل شخص، فإن المسؤولية لا تتوقف عند الفرد.

هذا هو جوهر ما تسميه منظمة الصحة العالمية نهج "النظام الآمن" (Safe System). فهو يفترض أن البشر معرضون للخطأ وأن أجسادهم محدودة في قدرتها على تحمل قوة الاصطدام، ولذلك يجب أن تعمل الطرق والمركبات والسرعات والقواعد معاً بحيث لا تتحول الأخطاء المتوقعة إلى وفيات أو إصابات خطرة.

نظام السلامة

ولهذا قد تعني السلامة اليوم خفض السرعة، أو تضييق المسار، أو رفع ممر المشاة، أو فصل حركة الدراجات عن السيارات، أو تصميم تقاطع يجبر المركبة على تخفيف سرعتها.

لم يعد السؤال فقط: كيف نجعل الإنسان يتجنب الخطأ؟ أصبح السؤال أيضاً: كيف نجعل منظومة الطريق قادرة على تحمل خطئه؟

بعد 130 عامًا.. ما زالت السرعة في قلب المشكلة


تغيرت السيارة جذريًا منذ زمن بريدجيت دريسكول. ظهرت أحزمة الأمان والوسائد الهوائية والفرامل المانعة للانغلاق وأنظمة الثبات الإلكتروني والحساسات والكاميرات، وصولاً إلى تقنيات قادرة على التحذير من الاصطدام أو التدخل لمنعه.

لكن الفيزياء لم تتغير. كلما ارتفعت السرعة، ازدادت شدة عواقب الاصطدام، وضاق الوقت المتاح للسائق للاستجابة، وطالت المسافة اللازمة لإيقاف المركبة.

وتوضح منظمة الصحة العالمية أن كل ارتفاع بنسبة 1% في متوسط السرعة يرتبط بارتفاع خطر الحوادث القاتلة بنسبة 4%، فيما يرتفع خطر وفاة المشاة الذين تصدمهم مقدمة سيارة بنحو 4.5 مرات عند الانتقال من سرعة 50 إلى 65 كيلومتراً في الساعة. وحتى بعد أكثر من قرن من القوانين والإشارات والتكنولوجيا، لا تزال المشكلة هائلة.

ففي بيانات نشرتها منظمة الصحة العالمية في 20 يوليو/ تموز 2026، تراجع المعدل العالمي للوفيات المرورية بنسبة 21% بين عامي 2011 و2025، رغم إضافة أكثر من مليار مركبة إلى طرق العالم.

حوادث السيارات

ومع ذلك، أودت حوادث الطرق بحياة نحو 1.16 مليون شخص في عام 2025، ولا تزال الإصابات المرورية السبب الأول للوفاة بين الأطفال والشباب من 5 إلى 29 عاماً، فيما يقع أكثر من نصف وفيات الطرق عالمياً بين مستخدمين أكثر عرضة للخطر، بينهم المشاة وراكبو الدراجات والدراجات النارية.

كان يكفي أن تدخل آلة جديدة، بسرعة تقارب سرعة المشي السريع، إلى شارع لم يكن العالم قد تعلم بعد كيف يعيش معها فيه.

وبعد 130 عامًا على وفاة بريدجيت دريسكول، يبدو شارع اليوم مختلفًا جذريًا عن شارع عام 1896: إشارات في التقاطعات، وأرقام على السيارات، ورخص في جيوب السائقين، وخطوط على الإسفلت، وممرات وحواجز وقوانين تفصيلية.

لكن القصة التي بدأت مع السيارات الأولى لم تنته. فالسيارة لم تعلم البشر فقط كيف يقودون آلة جديدة، بل أجبرتهم على إعادة تعريف الشارع:

لمن هو؟ ومن يملك الأولوية فيه؟ وأين يتحرك الإنسان وأين تمر الآلة؟ وكم من السرعة يستطيع المجتمع تحمله مقابل الوصول بصورة أسرع؟

ولهذا تحمل حادثة بريدجيت دريسكول مفارقتها حتى اليوم، فأولى الوفيات المرتبطة بالسيارات في بريطانيا لم تحتج إلى مركبة تنطلق بسرعة هائلة، فقد كانت السيارة تسير بسرعة لا تتجاوز نحو 6.4 كيلومترات في الساعة. 

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي