1500 قتيل وكشف أسماء المشاركين.. تفاصيل جديدة عن مجازر الساحل السوري
كشف تقرير خاص لوكالة "رويترز" للأنباء، نُشر أمس الإثنين، أن نحو 1500 سوري من الطائفة العلوية قُتلوا، وأن العشرات لا يزالون في عداد المفقودين، وذلك إثر موجة العنف التي شهدها الساحل السوري في مارس/ آذار الماضي.
ووقعت أعمال العنف بعد تمرد استمر يومًا واحدًا نظمه عسكريون سابقون موالون لرئيس النظام السابق، بشار الأسد، وقالت الإدارة السورية الجديدة إنّه أسفر عن مقتل المئات من قوات الأمن.
وكشف تحقيق لوكالة "رويترز" عن تفاصيل المجازر، وحدّد تسلسل قيادة المسؤولين عن أعمال القتل، بدءًا من المهاجمين إلى رجال مقربين من الإدارة الجديدة في دمشق.
من شارك في أحداث الساحل السوري؟
ويبين التحقيق أن 40 موقعًا مُختلفًا شهدت عمليات قتل انتقامية، وهجمات وأعمال نهب استهدفت العلويين، الذين كانوا يتمتعون بنفوذ كبير داخل الجيش والحكومة خلال حكم نظام آل الأسد، وحزب البعث السوري لأكثر من نصف قرن من الزمن.
ووجدت "رويترز" أن ما لا يقل عن عشرة فصائل سورية مسلحة تضم أجانب، وتخضع حاليًا لسيطرة الحكومة الجديدة ضالعة في أعمال القتل التي وقعت في الساحل، ويخضع ما يقرب من نصف هذه الفصائل لعقوبات دولية منذ سنوات، بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان من بينها القتل والخطف والاعتداءات الجنسية.
وفي مقابلة مع "رويترز" بعد أيام قليلة من عمليات القتل، ندد الرئيس السوري أحمد الشرع بالعنف باعتباره تهديدًا لجهوده لتوحيد البلاد التي مزقتها الحرب، وتعهد بمعاقبة المسؤولين عنها حتى لو كانوا "أقرب الناس" إليه.
ومن بين الوحدات التابعة لـ"هيئة تحرير الشام" سابقًا، التي كشف تحقيق "رويترز" تورطها جهاز الأمن العام، وهو جهاز فرض القانون الرئيسي، والفرقة 400، وهي فرقة من مقاتلي النخبة، ولواء عثمان.
وتورطت فصائل مسلحة انضمت حديثًا إلى صفوف القوات الحكومية، من بينها فرقة "السلطان سليمان شاه" وفرقة "الحمزة"، اللتان فرض الاتحاد الأوروبي عليهما عقوبات بسبب ضلوعهما في عمليات القتل.
وقالت ثلاثة مصادر أمنية، من بينهم محمد الجاسم، قائد فرقة السلطان سليمان شاه المعروفة أيضًا باسم "العمشات"، إن وزارة الدفاع قسمت منطقة الساحل السوري إلى قطاعات، ووضعت كل قطاع تحت إمرة مسؤول كبير لتنسيق التحركات.
وأوضح محمد الجاسم، في تصريح لوكالة "رويترز"، أنه كان في مستشفى في تركيا لأسباب صحية حين اندلع القتال، وأضاف أنه سرعان ما أُضيف إلى مجموعة على تطبيق "تراسل" يديرها مسؤول كبير في وزارة الدفاع، قال إنه يعرفه فقط باسم "أبو عهد".
ويُعد "أبو عهد الحموي" الاسم المستعار لحسين عبد الغني، المتحدث باسم وزارة الدفاع، بحسب "رويترز".
"ضعف السيطرة" على المقاتلين
وخلف الكواليس، كان حسين عبد الغني يدير مجموعة على تطبيق "تراسل" عبر تلغرام، تضم قادة فصائل وقادة في الجيش، حيث نسّقوا تحرك الحكومة لقمع تمرد أنصار الأسد، وفقًا لعشرات الرسائل النصية والصوتية المتبادلة بينه وبين قائد كبير من فصيل آخر، اطلعت عليها وكالة "رويترز".
وفي إشارة إلى ضعف سيطرة الحكومة على مقاتليها، شهدت بعض الأحيان مواجهات بين الفصائل المندمجة حديثًا في صفوف القوات الحكومية في شوارع القرى، وفقًا لشهود عيان من ثلاثة مواقع مختلفة.
ولم يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على وحدات "هيئة تحرير الشام" السابقة، كما لم تفرض الولايات المتحدة أي عقوبات تتعلق بأعمال القتل، فيما أصدر الشرع قرارًا بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق في أحداث الساحل ولجنة عليا للحفاظ على السلم الأهلي.
وصرّح أحمد الشامي، محافظ طرطوس والمسؤول في الحكومة الجديدة، لوكالة "رويترز" بأن العلويين ليسوا مُستهدفين. وأقرّ بوقوع "انتهاكات" بحق المدنيين العلويين، وقدّر عدد القتلى في المحافظة بنحو 350 شخصًا، وهو ما يتوافق مع ما توصلت إليه "رويترز" أيضًا.
مجازر وانتهاكات
وأحصت وكالة "رويترز" عدد القتلى من خلال جمع قوائم محلية بأسماء الضحايا، كان كثير منها مكتوبًا بخط اليد، من زعماء محليين وأسر القتلى.
وكان لدى عدد من سكان القرى أيضًا صور وتفاصيل شخصية عن القتلى. وعكفت "رويترز" على التحقق من الأسماء في كل القوائم المكتوبة باللغة العربية بالتعاون مع ناشطين في القرى التي شهدت أعمال القتل، أو يديرون صفحات على فيسبوك، أو يقيمون في الخارج ولديهم أقارب في المناطق المتضررة.
وتحدثت "رويترز" مع أكثر من 200 من عائلات الضحايا خلال زيارات لمواقع المذابح وعبر الهاتف، كما أجرت مقابلات مع 40 من المسؤولين الأمنيين والمقاتلين والقياديين، بالإضافة إلى محققين ووسطاء عيّنتهم الحكومة.
واطلعت "رويترز" على رسائل في صفحة مراسلة على تطبيق "تلغرام" أنشأها مسؤول في وزارة الدفاع لتنسيق تحركات الحكومة. كما فحص صحفيو الوكالة عشرات مقاطع الفيديو، وحصلوا على لقطات من كاميرات المراقبة.
وكان من بين القتلى عائلات بأكملها، شملت نساءً وأطفالًا وعجائز ومعاقين، في عشرات القرى والأحياء ذات الأغلبية العلوية. ففي أحد الأحياء، كانت هناك 46 امرأة بين 253 قتيلًا، وفي قرية أخرى كان هناك 10 أطفال ضمن 30 قتيلًا. وفي حالة واحدة على الأقل، أُخليت بلدة علوية بأكملها. وظهرت لاحقًا أسماء أفراد عائلات بأكملها في قوائم القتلى التي كتبها شيوخ القرى بخط اليد.
بداية الأحداث في الساحل
وبدأت الأحداث بعد تمرد نفّذه موالون للأسد في أوائل مارس/ آذار في مناطق الساحل السوري. وبعد ساعات قليلة من اندلاعها، دعت الحكومة الجديدة إلى نشر تعزيزات لدحر فلول نظام الأسد. وتدفقت وقتها عشرات الآلاف من المركبات التي تنقل المقاتلين والأسلحة إلى المنطقة.
ووفقًا للحكومة السورية وسكان محليين، كان المهاجمون يقودهم ضباط لا يزالون موالين للأسد. وانضم إلى هؤلاء الضباط شبان فقدوا سبل عيشهم بعد أن فصلت الحكومة الجديدة آلاف الموظفين العلويين وفككت أجهزة الأسد الأمنية، بحسب مقابلات مع السكان.
وشنّت قوات موالية للأسد هجمات أيضًا في بانياس، أكبر مدن طرطوس، حيث سيطرت على الطريق الرئيسي في المدينة وعلى المستشفى، وهاجمت المقر الأمني للحكومة الجديدة. وصرّحت الحكومة السورية بأن "المئات" من قواتها قتلوا في هذه الأحداث.
وفي 23 يونيو/ حزيران، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على ثلاثة ضباط سابقين موالين للأسد، واعتبرهم مسؤولين عن قيادة مجموعات مسلحة "أججت التوتر الطائفي وحرضت على العنف".
وبعد هذه الأحداث، تقول وكالة "رويترز" إن الكثير من القرى والأحياء العلوية في محافظات اللاذقية، وطرطوس وحماة باتت خاوية على عروشها، وخيم السكان بالآلاف في القاعدة الروسية القريبة خوفًا من تجدد العنف، حيث لا يزال استهداف العلويين مستمرًا حتى يومنا هذا، وفق "رويترز".
وقال باولو سيرجيو بينير، رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا التابعة للأمم المتحدة، إن السلطات أبلغت المنظمة أنها اعتقلت العشرات من المشتبه بهم، جاء ذلك في تقريره إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للمنظمة الدولية في 27 يونيو/ حزيران الجاري.
وفي 30 مايو/ أيار الفائت، أصدرت وزارة الدفاع لائحة لقواعد السلوك والانضباط العسكري تحظر الإساءة إلى المدنيين والتمييز ضدهم وإساءة استخدام السلطة.