في مساء 27 يوليو/ تموز 1866، دخلت سفينة "غريت إيسترن" خليج ترينيتي متجهة إلى قرية هارتس كونتنت الصغيرة في نيوفاوندلاند على ساحل كندا.
لم تكن السفينة تحمل ركابًا يبحثون عن عالم جديد، وإنما كانت تجر خلفها خيطًا نحاسيًا طويلًا امتد في قاع المحيط حتى جزيرة فالنتيا على الساحل الغربي لإيرلندا.
عندما وصلت الإشارة الكهربائية عبر ذلك الخيط، لم تعد أوروبا وأميركا تنتظران السفن لتبادل الأخبار، فالمعلومة التي كانت تقطع الأطلسي خلال أيام أو أسابيع، بحسب سرعة السفينة والطقس، أصبح في الإمكان إرسالها في دقائق، وإن ظل نقل الرسالة كاملة أبطأ من الاتصالات التي نعرفها اليوم.
لم يكن كابل 1866 أول سلك يصل بين القارتين. سبقه كابل عام 1858، تبادلت بواسطته الملكة فيكتوريا والرئيس الأميركي جيمس بيوكانان رسائل التهنئة، لكنه تعطل بعد أسابيع قليلة.
إلا أن أهمية ما تحقق في يوليو 1866 جاءت من تحويل التجربة العابرة إلى اتصال دائم يمكن الاعتماد عليه، ومن إثبات أن المحيط لم يعد حاجزًا يستحيل على الكهرباء عبوره.
حين كانت الأخبار تسافر على ظهر سفينة
قبل التلغراف الأطلسي، لم تكن المسافة بين لندن ونيويورك تقاس بعدد الكيلومترات وحده، وإنما بالأيام التي تحتاج إليها السفينة لعبور المحيط.
إذ كانت الرسائل الدبلوماسية وأسعار الأسواق وأخبار الحروب تنتظر مواعيد الإبحار، ثم تخضع للرياح والعواصف والأعطال البحرية.
قد يصل قرار اتُّخذ في لندن إلى واشنطن بعدما تكون الظروف التي صدر بسببها قد تغيرت، وقد يتخذ تاجر قرارًا بالشراء أو البيع اعتمادًا على أسعار تجاوزها الزمن.
حتى الأخبار الكبرى لم تكن فورية؛ فعندما اغتيل الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن في أبريل/ نيسان 1865، استغرق وصول الخبر إلى الصحف البريطانية نحو 12 يومًا.
كان التلغراف قد غيّر الاتصال داخل القارات قبل ذلك. انتشرت الشبكات البرية في أوروبا والولايات المتحدة، وربط كابل بحري بريطانيا بفرنسا عبر القناة الإنكليزية.
لكن الرسالة كانت تتوقف عند شاطئ الأطلسي، وتعود من هناك إلى وسيلة الاتصال الأقدم: السفينة.
لذلك لم يكن مشروع الكابل محاولة لإرسال رسالة أسرع فحسب. كان محاولة لضم شبكتين تلغرافيتين واسعتين إلى شبكة واحدة، بحيث تصبح نيويورك ولندن أقرب في زمن الاتصال من مدن كثيرة كانت تفصل بينها طرق برية بطيئة.
رجل أعمال يريد مدّ سلك في قاع المحيط
ارتبط المشروع باسم رجل الأعمال الأميركي سايروس فيلد، الذي جمع المستثمرين والدعم السياسي والتقني اللازم لتحويل الفكرة إلى مشروع قابل للتنفيذ.
وبدأ فيلد تحركه عام 1854، وسأل خبراء الملاحة والمحيطات عن إمكان مد كابل بين نيوفاوندلاند وإيرلندا، كما استعان بخبرات العاملين في التلغراف للتأكد من قدرة الإشارة الكهربائية على قطع هذه المسافة.
كانت الطريق المختارة من أقصر المسارات الممكنة عبر شمال الأطلسي. تبدأ من الساحل الغربي لإيرلندا، وتنتهي في نيوفاوندلاند، التي كانت مرتبطة بدورها بخطوط برية وبحرية تقود إلى مدن أميركا الشمالية.
لكن قصر الطريق نسبيًا لم يجعل المهمة سهلة؛ فالمشروع تطلب تصنيع آلاف الكيلومترات من الكابل، وحمايته من مياه البحر، وإنزاله بصورة منتظمة إلى أعماق لم يكن المهندسون يعرفونها بدقة كاملة.
تكوّن الكابل في جوهره من موصل نحاسي تمر عبره النبضات الكهربائية، تحيط به طبقات عازلة تحميه من الماء، ثم أسلاك معدنية تمنحه القوة اللازمة لتحمل وزنه والحركة فوق السفينة والاستقرار في قاع المحيط. كانت أي فجوة صغيرة في العزل أو زيادة مفاجئة في الشد كافية لإفساد مئات الكيلومترات من العمل.
نجاح عام 1858 الذي لم يعش طويلًا
بدأت المحاولات العملية عام 1857، باستخدام سفينتين تحمل كل منهما قسمًا من الكابل. تعطل المشروع بعدما انقطع السلك وسقط جزء كبير منه في المحيط. عادت السفينتان في العام التالي، وبعد إخفاق جديد، التقتا في منتصف الأطلسي وربطتا قسمي الكابل، ثم اتجهت إحداهما إلى إيرلندا والأخرى إلى نيوفاوندلاند.
في 5 أغسطس/ آب 1858، وصلت السفينتان إلى طرفي المسار، وأصبح إرسال الإشارات بين القارتين ممكنًا للمرة الأولى.
وبعد 11 يومًا، تبادلت الملكة فيكتوريا والرئيس جيمس بيوكانان رسالتين احتفاليتين، وسادت في بريطانيا والولايات المتحدة أجواء توحي بأن العالم دخل عصرًا جديدًا.
كانت الحقيقة التقنية أقل احتفالية. وصلت الإشارات ضعيفة ومشوشة، واستغرق نقل الأحرف وقتًا طويلًا.
وحاول كبير كهربائيي الشركة وايلدمان وايتهاوس تقوية الإشارة باستخدام جهد كهربائي أعلى، فتدهور العزل وتوقف الكابل عن العمل بحلول سبتمبر/ أيلول.
ليس دقيقًا تحميل الجهد الكهربائي المرتفع المسؤولية وحده. فقد كشف التحقيق اللاحق مشكلات في جودة تصنيع الكابل وقوة عزله وقدرته على تحمل ظروف الإنزال وقاع البحر. فقد أظهرت التجربة أن النجاح لم يكن يتطلب مد سلك طويل فقط، وإنما فهمًا جديدًا لكيفية تصرف الكهرباء داخل كابل يمتد آلاف الكيلومترات تحت الماء.
لماذا لم تتصرف الإشارة مثل تلغراف عادي؟
في خطوط التلغراف البرية القصيرة، يمكن إرسال نبضة كهربائية وقراءتها بوضوح عند الطرف الآخر، لكن الكابل الأطلسي الطويل كان يخزن جزءًا من الشحنة الكهربائية ويطلقها تدريجيًا، ما يجعل النبضات تتمدد وتتداخل، ويصعب التمييز بين إشارة وأخرى.
فهم، الذي عُرف لاحقًا باسم اللورد كلفن، أن الحل لا يقوم على زيادة قوة الكهرباء بلا حدود، فقد طوّر جهازًا شديد الحساسية عُرف باسم "الغلفانومتر المرآتي"، يستطيع رصد الإشارات الضعيفة التي تصل عبر الكابل وعرضها بواسطة حركة شعاع ضوئي. كما عمل على تحسين طريقة إرسال النبضات لتقليل تداخلها.
غيّرت هذه المقاربة فلسفة المشروع، فبدل محاولة إجبار إشارة قوية على عبور المحيط، أصبح المطلوب حماية الكابل، وإرسال نبضات مدروسة، ثم استخدام أجهزة حساسة لالتقاط ما يصل منها.
سفينة ضخمة تحمل الكابل كاملًا
أعاقت الخسارة المالية وفقدان ثقة المستثمرين استئناف المشروع، فيما أدت الحرب الأهلية الأميركية إلى تأجيل المحاولة سنوات إضافية.
وعاد سايروس فيلد وشركاؤه إلى جمع التمويل، وصُنّع كابل جديد وفق معايير أكثر صرامة، مع تحسين العزل والقوة الميكانيكية واختبارات الجودة.
وساعدت سفينة "غريت إيسترن" على تغيير المعادلة. كانت أكبر سفينة عائمة في زمنها، وتمتلك مساحة تكفي لحمل الكابل كاملًا داخل خزانات ضخمة، بدل تقسيمه بين سفينتين وربطه في عرض المحيط. كما زُودت بمعدات لضبط سرعة إخراج الكابل وشده أثناء الإبحار.
وانطلقت السفينة في محاولة جديدة عام 1865، ونجحت في مد معظم المسار. لكن الكابل انقطع قرب نهاية الرحلة وسقط في الأعماق، وفشلت محاولات انتشاله قبل نفاد الوقت والوقود.
لم تكن الرحلة فشلًا كاملًا. أثبت الكابل الجديد قدرته على العمل، وأظهرت السفينة أنها تستطيع حمله وإنزاله بثبات. بقي المطلوب تكرار العملية مع تفادي الخطأ الذي بدد المحاولة السابقة.
14 يومًا فوق آلاف الكيلومترات من الأسلاك
غادرت "غريت إيسترن" فالنتيا في 13 يوليو/ تموز 1866، وعلى متنها نحو 2730 ميلًا بحريًا من الكابل. تحركت غربًا ببطء، بينما كانت الآلات تخرج السلك من الخزانات وتمرره فوق مؤخرة السفينة إلى قاع المحيط.
كان المهندسون يختبرون الاتصال باستمرار. لم ينتظروا الوصول إلى نيوفاوندلاند لاكتشاف العطل، وإنما راقبوا مقاومة الكابل وعزله والإشارات الواردة من إيرلندا طوال الرحلة. أي تغير غير طبيعي كان يمكن أن يعني وجود عيب يحتاج إلى إيقاف السفينة واستعادة الجزء المتضرر.
بعد 14 يومًا، وصلت السفينة إلى هارتس كونتنت. كان نحو 1852 ميلًا من الكابل قد استقر في قاع المحيط، وثبت أن الاتصال بين طرفيه يعمل. للمرة الأولى، أصبح العالم القديم والعالم الجديد مرتبطين بخط تلغرافي دائم.
لم يكتفِ الفريق بالكابل الجديد. عادت السفينة إلى الموقع الذي فُقد فيه كابل 1865، وحاول الطاقم اصطياد طرفه من قاع المحيط بخطاطيف خاصة.
بعد محاولات استمرت أسابيع، رُفع السلك إلى السفينة، واختبر المهندسون الاتصال بإيرلندا، ثم وصلوه بكابل جديد ومدوه إلى نيوفاوندلاند. أصبح هناك بذلك خطان عاملان بدل خط واحد، ما ضاعف القدرة المتاحة للرسائل وقدم مسارًا بديلًا عند تعطل أحدهما.
هل كانت الرسالة تعبر المحيط في دقائق فعلًا؟
كانت النبضة الكهربائية تعبر الكابل بسرعة هائلة مقارنة بالسفينة، لكن هذا لا يعني أن برقية طويلة كانت تصل كاملة بالسرعة نفسها. احتاج العاملون إلى تحويل الكلمات إلى إشارات، وإرسالها بوتيرة تسمح بتمييز كل حرف، ثم قراءتها وكتابتها عند الطرف الآخر.
مرت الرسالة أيضًا بعدة محطات. تبدأ من مكتب تلغراف داخل مدينة، وتنتقل عبر الخطوط البرية إلى محطة الكابل، ثم تعبر المحيط، قبل أن تُرسل من نيوفاوندلاند إلى وجهتها النهائية في أميركا الشمالية. لذلك تراوح زمن التسليم بحسب طول النص والازدحام ومكان المرسل والمتلقي.
مع ذلك، كان الفرق جذريًا. ما كان يحتاج إلى رحلة بحرية قد تمتد أسابيع صار ممكنًا في اليوم نفسه، وأصبح الجزء الأطلسي من الرسالة يُقطع في دقائق بدل انتظار وصول سفينة إلى الميناء.
ماذا غيّر الكابل؟
كان الأثر الأول اقتصاديًا. استطاع التجار والمصارف متابعة أسعار السلع والعملات والأسهم عبر القارتين من دون الاعتماد على معلومات تصل متأخرة. قلل ذلك الفارق الزمني بين الأسواق، وجعل خبرًا يقع في لندن يؤثر في نيويورك خلال ساعات، لا بعد أسبوعين.
ظهر الأثر السياسي والدبلوماسي سريعًا أيضًا. لم تعد الحكومات مضطرة إلى منح مبعوثيها في الخارج هامشًا واسعًا فقط لأن تعليمات العاصمة تحتاج أسابيع للوصول. أصبح في الإمكان طلب التوجيه والرد على الأزمات وتبادل المواقف خلال وقت أقصر، ما سرّع الدبلوماسية، حتى إن لم يجعل قراراتها أكثر حكمة بالضرورة.
تغير عمل الصحافة بدوره. لم تعد الجريدة الأميركية تنتظر سفينة تحمل صحف لندن، ولم تعد الصحف الأوروبية تتعامل مع الأخبار الأميركية بوصفها أحداثًا مضى عليها نصف شهر.
إذ قدّم الكابل المادة الخام لنشوء سوق دولية للأخبار، ثم شجّع على تأسيس مزيد من الخطوط البحرية التي ربطت القارات والجزر خلال العقود التالية.
لم تكن الخدمة متاحة بالتساوي للجميع. كانت البرقيات الأطلسية مكلفة، وطُلب من المرسل اختصار عباراته إلى أقصى حد لأن الرسوم ارتبطت بعدد الكلمات. استفادت منها الحكومات والمؤسسات المالية والصحف الكبرى قبل أن تتحول تدريجيًا إلى وسيلة أوسع للاستخدام التجاري والشخصي.
السلك الذي سبق الإنترنت
لم يكن كابل 1866 سريعًا وفق مقاييس العصر الرقمي، ولم يكن قادرًا على نقل الصوت أو الصور. مع ذلك، أسس لفكرة ما زالت تقوم عليها الاتصالات العالمية: مد خطوط مادية في قاع البحر لنقل المعلومات بين القارات.
استُبدل النحاس لاحقًا بالكابلات الهاتفية، ثم بالألياف الضوئية القادرة على حمل كميات هائلة من البيانات. تغيرت الإشارات والأجهزة والسرعات، لكن السفن لا تزال تمد الكابلات الحديثة عبر مسارات بحرية وتضعها في الأعماق بالطريقة الأساسية نفسها التي اتبعها مهندسو القرن التاسع عشر.
لهذا لا تختصر قصة الكابل الأطلسي في اختراع نجح بعد سلسلة إخفاقات. كانت لحظة تغير فيها معنى المسافة نفسها. ظل المحيط واسعًا كما كان، وبقيت السفن تحتاج أيامًا لعبوره، لكن الخبر لم يعد مضطرًا إلى السفر معها.
في 27 يوليو/ تموز 1866، لم تقترب القارتان جغرافيًا. الذي تقلّص هو الزمن بين وقوع الحدث ومعرفة الطرف الآخر به، وهي الخطوة التي مهّدت للعالم المتصل الذي نعيش فيه اليوم.