الإثنين 14 سبتمبر / سبتمبر 2026

20 عامًا على رحيل نجيب محفوظ.. كيف جعل القاهرة شخصية في الرواية؟

20 عامًا على رحيل نجيب محفوظ.. كيف جعل القاهرة شخصية في الرواية؟

شارك القصة

نجيب محفوظ
توقفت لجنة جائزة نوبل للأدب عند الحضور المتكرر للقاهرة في أعمال نجيب محفوظ - غيتي
توقفت لجنة جائزة نوبل للأدب عند الحضور المتكرر للقاهرة في أعمال نجيب محفوظ - غيتي
الخط
في 30 أغسطس/ آب 2006 توفي محفوظ في القاهرة، المدينة نفسها التي وُلد فيها عام 1911 وعاش فيها معظم حياته.

يكفي أن تقول بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، خان الخليلي، زقاق المدق حتى تبدو أسماء روايات نجيب محفوظ أقرب إلى خريطة للقاهرة منها إلى فهرس أدبي. الشوارع والأزقة والمقاهي والبيوت التي اختارها لم تكن أسماء اعتباطية؛ ففي عالمه الروائي يمكن للمكان أن يكبر ويتقدم في السن ويتبدل سكانه، تمامًا كما تفعل الشخصيات.

في 30 أغسطس/ آب 2006 توفي محفوظ في القاهرة، المدينة نفسها التي وُلد فيها عام 1911 وعاش فيها معظم حياته، وبعد عشرين عامًا على رحيله ما تزال صور كثيرة للقاهرة في النصف الأول من القرن العشرين تصل إلى قراء العربية والعالم عبر رواياته.

حتى الأكاديمية السويدية، عندما منحته جائزة نوبل للآداب عام 1988، توقفت عند الحضور المتكرر للقاهرة في أعماله، من زقاق المدق إلى الثلاثية.

لكن كيف تجاوز محفوظ استخدام المدينة بوصفها مسرحًا للقصة، وجعلها تؤدي وظيفة تكاد تشبه وظيفة الشخصية؟

مدينة بدأت من طفولة الكاتب

وُلد محفوظ في حي الجمالية بالقاهرة القديمة، وسط شبكة من الأزقة والمساجد والأسواق والمنازل التي ستعود لاحقًا، بأسماء حقيقية أو متخيلة، في عدد كبير من أعماله.

انتقلت أسرته في طفولته إلى العباسية، لكن علاقته بالقاهرة القديمة ظلت حاضرة في ذاكرته وفي كتابته.

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ في مقاهه المفضل في وسط القاهرة في يوم إعلان فوزه بجائزة نوبل 1988- غيتي
نجيب محفوظ في مقهاه المفضل في وسط القاهرة في يوم إعلان فوزه بجائزة نوبل 1988 - غيتي

وكان المكان بالنسبة إليه مرتبطًا أيضًا بالتاريخ. وهو طفل شاهد أجواء ثورة 1919 في القاهرة، ثم عاش انتقال المجتمع المصري من زمن الاحتلال البريطاني والملكية إلى الثورة والجمهورية، ومن المدينة التي تتحرك فيها العربات القديمة إلى القاهرة التي يدخلها الراديو والسيارة وتتبدل فيها أنماط العمل والأسرة والعلاقات بين الرجال والنساء.

لهذا لم تكن ذاكرة الجمالية مجرد حنين إلى حي الطفولة. لقد أصبحت مادة يمكن من خلالها مراقبة مجتمع كامل وهو يتغير. وتشير الجامعة الأميركية في القاهرة، التي نشرت أعمال محفوظ بالإنكليزية، إلى أن القاهرة ليست في معظم أعماله مجرد خلفية، وإنما جزء من البناء الروائي نفسه يؤدي دورًا داخل الأحداث

وهنا تبدأ إحدى أهم حيل محفوظ: بدلًا من محاولة وصف مصر كلها، كان يختار مساحة صغيرة جدًا.

زقاق صغير يكفي ليروي مجتمعًا

وفي "زقاق المدق"، الصادرة عام 1947، تبدو حدود العالم ضيقة للغاية. هناك زقاق ومقهى ودكاكين ومنازل وسكان يعرف بعضهم بعضًا. لكن هذا الحيز الصغير يسمح لمحفوظ بأن يضع داخله نماذج اجتماعية ورغبات وصراعات متباينة.

حميدة تريد الخروج من حياة الزقاق الضيقة، وعباس الحلو يبحث عن فرصة أخرى، وأصحاب المقهى والدكاكين يعيشون إيقاعًا يبدو ثابتًا.

ثم تدخل تحولات العالم الخارجي إلى المكان: الحرب العالمية الثانية، الجنود البريطانيون، الوظائف الجديدة، المال، والراديو الذي يغيّر حتى وظيفة الحكواتي في المقهى.

وهكذا يصبح التغيير المادي في الزقاق جزءًا من القصة. جهاز جديد أو وظيفة جديدة أو انتقال شخص من مكان إلى آخر ليس تفصيلًا للزينة، وإنما إشارة إلى أن العالم القديم يفقد بعض قواعده. وتصف الجامعة الأميركية الرواية باعتبارها صورة لمجتمع يعيش أزمة وتحولًا داخل شارع خلفي صغير في القاهرة. 

وستتكرر هذه الطريقة بأشكال مختلفة: الحي صورة مصغرة للمجتمع، والمدينة الكبيرة يمكن قراءتها من خلال بضعة أمتار منها.

حين أخذت الشوارع أسماء الروايات

ذهب محفوظ أبعد من وصف الأمكنة، فجعل أسماء بعضها عناوين لأعماله: خان الخليلي، زقاق المدق، بين القصرين، قصر الشوق، السكرية.

هذه أسماء موجودة في جغرافيا القاهرة القديمة، لكنها داخل الروايات تكتسب حياة موازية. يعرف القارئ الشخصيات من خلال الأمكنة التي تسكنها والأماكن التي تستطيع الوصول إليها، بل والأماكن التي تُمنع من الذهاب إليها.

وفي "خان الخليلي"، مثلًا، تنتقل أسرة إلى الحي القديم خلال الحرب العالمية الثانية هربًا من الغارات، فيصبح الانتقال الجغرافي مدخلًا إلى عالم اجتماعي مختلف. وفي أعمال أخرى تتحرك الشخصيات بين الأحياء كلما تبدلت مكانتها أو طموحاتها أو تصورها عن الحياة. 

بذلك، لا تسأل روايات محفوظ فقط: من هذه الشخصية؟ بل يمكن أن تسأل أيضًا: أين تعيش؟ وأي نافذة ترى منها المدينة؟ وإلى أي شارع تستطيع أن تذهب؟ 

فالمسافة في القاهرة المحفوظية قد تكون اجتماعية بقدر ما هي جغرافية.

بيت واحد يتسع لمصر

يصل هذا الأسلوب إلى أوضح صوره في الثلاثية: "بين القصرين"، و"قصر الشوق"، و"السكرية"، التي ظهرت في منتصف خمسينيات القرن الماضي وأصبحت أشهر أعمال محفوظ.

تتابع الروايات ثلاثة أجيال من أسرة السيد أحمد عبد الجواد، فيما تتحول القاهرة ومصر حولهم. تبدأ الحكاية في مجتمع تحكمه سلطة أبوية شديدة، ثم يدخل الأبناء عالم السياسة والتعليم والحب والأفكار الجديدة، قبل أن يحمل الجيل التالي خيارات فكرية واجتماعية أكثر اختلافًا.

البيت هنا ليس جدرانًا محايدة. هناك أبواب ونوافذ وأدوار داخلية وحدود واضحة للحركة. أمينة تعيش عالمًا منزليًا شديد الانغلاق، فيما يتحرك الرجال بحرية أكبر في الشوارع والمقاهي. وعندما تتغير علاقة أفراد الأسرة بالخارج، يصبح خروجهم إلى المدينة علامة على تغير اجتماعي أوسع.

ومع تقدم الرواية من جيل إلى آخر، تتغير القاهرة أيضًا. ثورة 1919 والاحتلال والسياسة الحديثة والتعليم والتيارات الفكرية تدخل إلى حياة العائلة، فيتحول تاريخ أسرة واحدة إلى طريقة لقراءة تاريخ مجتمع خلال العقود الأولى من القرن العشرين.

وتصف الدراسات المرتبطة بأعمال محفوظ الثلاثية بأنها سجل للتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مصر عبر ثلاثة أجيال.

المدينة تسمع وترى وتتغير

أعطى محفوظ القاهرة حضورها أيضًا من خلال التفاصيل الصغيرة.

لا يعرف القارئ فقط اسم الشارع، وإنما يعرف المقهى والدكان والبيت والمسجد، ويسمع أصوات الباعة والمارة ويلاحظ ازدحام الطريق. تظهر الروائح والأضواء والحركة، ويصبح دخول تقنية جديدة أو تغير شكل متجر أو انتقال السكان جزءًا من إحساس الرواية بمرور الزمن.

نجيب محفوظ
محفوظ يتصفح جريدة الأهرام وعليها خبر فوزه بجائزة نوبل - غيتي

ولهذا يمكن للقاهرة أن تؤثر في الشخصيات مثلما تؤثر شخصية أخرى فيها. الزقاق يضيّق على حميدة، والبيت يحدد عالم أمينة، والمقهى يجمع شخصيات "قشتمر"، والنيل في "ثرثرة فوق النيل" يوفر مكانًا يسمح لشخصياته بالابتعاد مؤقتًا عن المجتمع الذي تنتقده

حتى الأكاديمية السويدية، في خطاب تقديم جائزة نوبل، انتقلت بين هذه الأماكن عند وصف عالمه: ازدحام زقاق المدق، وأسرة الثلاثية، والعوامة فوق النيل. فالمدينة لم تكن خلف هذه القصص؛ كانت إحدى الروابط التي تجمع بينها. 

القاهرة لا تبقى المدينة نفسها

لكن محفوظ لم يكتب مدينة ثابتة.

والقاهرة في أعمال الأربعينيات ليست القاهرة نفسها في روايات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. تتغير الأحياء، وتظهر طبقات اجتماعية جديدة، وتتحول اللغة والعلاقات وأشكال السلطة. وحتى عندما يعود إلى المكان نفسه، يعود إليه في زمن مختلف.

في رواية "قشتمر"، التي صدرت في أواخر الثمانينيات، يصبح مقهى في العباسية نقطة يلتقي عندها خمسة أصدقاء تمتد حياتهم لعقود. ومع تقدم أعمارهم يتغير الحي من حولهم، فكأن السيرة الجماعية للشخصيات تسير بالتوازي مع سيرة المكان. 

لهذا يمكن قراءة الكثير من أعمال محفوظ باعتبارها أرشيفًا أدبيًا لتحولات القاهرة: ليس أرشيفًا يوثق عدد المباني أو شكل الشوارع بدقة المؤرخ، وإنما يسجل كيف شعر سكان المدينة بهذه التحولات وكيف غيرت حياتهم.

من حي محلي إلى أدب عالمي

قد تبدو المفارقة أن الكاتب الذي ارتبط بهذا القدر بمدينة واحدة استطاع الوصول إلى قراء لم يروا القاهرة أصلًا.

وعندما حصل محفوظ على نوبل عام 1988، أشادت الأكاديمية السويدية بقدرته على إنتاج فن سردي عربي يخاطب التجربة الإنسانية الأوسع.

وكانت إحدى الوسائل التي حقق بها ذلك شديدة المحلية: بيت في الجمالية، أو مقهى، أو زقاق ضيق، أو عائلة تعيش خلف نافذة مطلة على شارع قديم. 

فالمدينة كلما أصبحت أكثر تحديدًا في رواياته، أصبحت العلاقات التي تدور فيها أكثر قابلية للتعرف عليها: سلطة الأب، رغبة الأبناء في التحرر، البحث عن الحب والمكانة، الخوف من التغيير، الصراع بين القديم والجديد، ومحاولة العثور على موقع في عالم يتحرك أسرع من أفراده

وبعد عشرين عامًا على رحيله، تغيرت القاهرة التي عرفها محفوظ كثيرًا، وتغير بعضها حتى يصعب العثور عليه خارج الكتب. لكن بين صفحات "الثلاثية" و"زقاق المدق" و"خان الخليلي" وغيرها بقيت مدينة أخرى محفوظة: مدينة لا يقف فيها المكان خلف الشخصيات، وإنما يعيش معها، يكبر ويشيخ ويتحول، ويشاركها الحكاية.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من