3 عقود على مجزرة سربرنيتسا.. هكذا تحوّلت الإبادة الجماعية لمعركة رواية
مرّ 31 عامًا على سقوط بلدة سربرنيتسا البوسنية ووقوع المجزرة التي حملت اسمها، وما زالت هذه البقعة الجغرافية الصغيرة تمثل الجرح الأكثر عمقًا في وجدان القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.
ففي خضم حرب البوسنة والهرسك (1992-1995)، التي أودت بحياة أكثر من 100 ألف شخص، معظمهم من البوشناق، وتسببت في تهجير أكثر من مليوني شخص، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة، شكلت مجزرة يوليو/ تموز 1995 أحد أكثر فصول الحرب قتامة وأشدها مرارة، بعدما تحولت إلى رمز لإبادة جماعية ممنهجة وقعت تحت أنظار المجتمع الدولي، وداخل واحدة من المناطق التي أعلنتها الأمم المتحدة "آمنة".
اليوم، لم يعد ملف سربرنيتسا محصورًا في بعده الحقوقي والقضائي، وإنما دخل طورًا جديدًا عنوانه "معركة الذاكرة ضد الإنكار"، حيث تخوض الحقيقة التاريخية الموثقة صراعًا متواصلًا ضد محاولات إعادة هندسة الرواية السياسية ومحو الأدلة من الوعي العام.
التوثيق الجنائي للجريمة وطمس الأدلة
في 11 يوليو/ تموز 1995، اقتحمت قوات جيش جمهورية صرب البوسنة، بقيادة الجنرال راتكو ملاديتش، بلدة سربرنيتسا، منتهكة صفتها كـ"منطقة آمنة" بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 819.
خلال الأيام التالية، فصلت القوات الرجال والفتيان البوشناق عن النساء والأطفال، واقتادتهم إلى مواقع مختلفة، حيث اقترفت تلك القوات مجزرة حصدت أرواح أكثر من 8 آلاف شخص من المدنيين البوشناق المعزولين. أما من تبقى من سكان المدينة البالغ عددهم نحو 25 ألفاً من النساء والأطفال وكبار السن، فقد تعرضوا للترحيل القسري الجماعي خارج المنطقة، في واحدة من أسوأ الفظائع التي شهدتها الأراضي الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.
لم تتوقف الجريمة عند الإعدامات والترحيل؛ إذ تكشف التقارير الجنائية الصادرة عن اللجنة الدولية للمفقودين، إلى جانب الوقائع المثبتة في أحكام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، أن القوات الصربية استخدمت الجرافات والآليات الثقيلة لنبش المقابر الجماعية الأولية.
ونُقلت رفات الضحايا بعد ذلك إلى مقابر "ثانوية" و"ثالثية" نائية ومشتتة في مناطق وعرة، في محاولة لمحو معالم الجريمة وطمس أدلتها الجنائية. وأدى تشتيت أجزاء الجسد الواحد بين أكثر من مقبرة إلى تعقيد عملية التعرف على الضحايا، التي اعتمدت بصورة أساسية على مطابقة الحمض النووي بقيادة اللجنة الدولية للمفقودين.
على الصعيد القضائي، أصبحت سربرنيتسا من الحالات التاريخية القليلة التي حظيت بتوصيف رسمي بوصفها جريمة "إبادة جماعية" من هيئات قضائية دولية مختصة، لتتحول الأحكام الصادرة بشأنها إلى سجل قانوني يواجه محاولات التشكيك والإنكار (الصورة من غيتي
أحكام قضائية ثبّتت توصيف الإبادة
كوّنت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، ثم الآلية الدولية لتصريف الأعمال المتبقية للمحكمتين الجنائيتين، سجلًا قضائيًا واسعًا وثّق عمليات القتل والترحيل وطمس المقابر. وقد أُدين أمامهما 18 شخصًا بجرائم ارتُكبت في سربرنيتسا، شملت الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
جاء التحول القانوني الأبرز في قضية الجنرال راديسلاف كرستيتش، إذ قضت الدائرة الابتدائية في المحكمة عام 2001 بأن إبادة جماعية وقعت في سربرنيتسا، وأدانته بارتكابها. وفي عام 2004، أكدت دائرة الاستئناف توصيف الجريمة بأنها إبادة جماعية، مع تعديل إدانة كرستيتش الشخصية إلى المساعدة والتحريض على ارتكاب الإبادة، وخفض عقوبته إلى السجن 35 عامًا.
لاحقًا، أُدين رادوفان كاراديتش، رئيس جمهورية صرب البوسنة والقائد الأعلى لقواتها المسلحة خلال الحرب، بارتكاب الإبادة الجماعية في سربرنيتسا، إلى جانب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وفي مارس/ آذار 2019، شددت دائرة الاستئناف عقوبته من السجن 40 عامًا إلى السجن المؤبد.
أما القائد العسكري راتكو ملاديتش، فقد أُدين عام 2017 بالإبادة الجماعية وجرائم أخرى، قبل أن تؤكد دائرة الاستئناف في يونيو/ حزيران 2021 الحكم النهائي بسجنه مدى الحياة.
يشارك الآلاف سنويًا في "مسيرة السلام" لإحياء ذكرى ضحايا إبادة سربرنيتسا - غيتي
في حكمها التاريخي الصادر عام 2007، قضت محكمة العدل الدولية بأن عمليات القتل التي ارتكبها جيش صرب البوسنة في سربرنيتسا تشكل جريمة إبادة جماعية وفقًا لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948.
خلصت المحكمة إلى أنها لم تجد أساسًا لنسب ارتكاب الإبادة إلى أجهزة الدولة الصربية، كما لم تثبت مسؤولية صربيا عن التواطؤ فيها، لكنها قضت بأن بلغراد انتهكت التزاماتها الدولية بسبب إخفاقها في منع الجريمة ومعاقبة مرتكبيها، وعدم تعاونها الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة لتسليم راتكو ملاديتش.
هندسة المحو واستمرار الإنكار السياسي
انتقلت الجريمة، بعد توقف عمليات القتل، من الحقل العسكري المباشر إلى الحقلين المعرفي والسياسي. وأصبح الإنكار أداة تستخدم لإعادة تشكيل الذاكرة العامة، ولا سيما في الخطاب السياسي والإعلامي داخل جمهورية صربسكا، الكيان الصربي في البوسنة، وفي صربيا.
يتخذ هذا الإنكار ثلاثة مسارات رئيسية:
ووفقًا لما وثقه "تقرير إنكار إبادة سربرنيتسا لعام 2023" الصادر عن مركز سربرنيتسا التذكاري، لا يقتصر الإنكار على النفي المباشر، وإنما يشمل أيضًا التقليل من حجم الجريمة، ونسبتها إلى ظروف الحرب، وتشويه الحقائق المثبتة قضائيًا وتمجيد مرتكبيها.
يضع الباحث والأكاديمي سايمون ماسي هذا النمط ضمن سلسلة متصلة من الإنكار، لا تبدأ بعد انتهاء الجريمة، وإنما تنشأ بالتوازي مع التخطيط لها وتنفيذها، ثم تتطور لاحقًا إلى سياسات وخطابات تهدف إلى طمس الحقائق وإنتاج رواية بديلة.
فشل الحماية الدولية وصون الذاكرة الحية
يشكل سقوط سربرنيتسا واحدة من أكثر صفحات إخفاق الأمم المتحدة قسوة. فقد وقفت الكتيبة الهولندية التابعة للقوات الأممية، المحدودة التسليح والمحرومة من إسناد جوي فاعل، عاجزة أمام اقتحام البلدة وفصل الرجال والفتيان عن عائلاتهم وترحيل السكان.
وفي خطوة لتصحيح هذا المسار ومواجهة موجات الإنكار الإقليمية، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 مايو/ أيار 2024، خطوة لمواجهة موجات الإنكار، باعتماد القرار رقم 78/282، الذي أعلن 11 يوليو/ تموز من كل عام "اليوم الدولي للتفكر وإحياء ذكرى الإبادة الجماعية التي وقعت في سربرنيتسا عام 1995".
تضمن القرار إدانة إنكار الإبادة وتمجيد مرتكبيها، ودعا الدول إلى صون الحقائق المثبتة قضائيًا وإدماجها في المناهج والبرامج التعليمية، كما كلّف الأمين العام للأمم المتحدة بإنشاء برنامج للتوعية والتواصل يحمل عنوان "الإبادة الجماعية في سربرنيتسا والأمم المتحدة".
أما على الأرض، فتتجدد الذاكرة سنويًا عبر "مسيرة السلام"، التي تنطلق من بلدة نزوك شرقي البوسنة وتنتهي في مركز بوتوتشاري التذكاري. وفي يوليو/ تموز 2026، شارك أكثر من 6300 شخص في المسيرة، قاطعين نحو 100 كيلومتر على مدى ثلاثة أيام.
يسلك المشاركون، في الاتجاه المعاكس، طريق الغابات الوعر الذي حاول آلاف الرجال والفتيان الفرار عبره عام 1995، قبل أن يقع عدد كبير منهم في قبضة القوات الصربية ويُقتادوا إلى مواقع الإعدام. وتنتهي المسيرة بالوصول إلى مقبرة بوتوتشاري، حيث تصطف شواهد الضحايا الذين جرى التعرف إليهم ودفنهم على امتداد العقود الماضية.
هكذا، لا تبقى "مسيرة السلام" مجرد طقس سنوي لإحياء الماضي، وإنما تتحول إلى إعلان صريح بأن الذاكرة الحية هي الحصن الأخير في وجه هندسة الإنكار والمحو، وأن المعركة التي بدأت بالبحث عن الجثامين لم تنتهِ بعد، بعدما انتقلت إلى الدفاع عن أسماء الضحايا وعن المعنى الحقيقي لما جرى.