الأربعاء 7 أكتوبر / أكتوبر 2026
Close

36 عامًا على غزو الكويت.. كيف تبدلت الأمور وتغيرت معادلة الحماية؟

36 عامًا على غزو الكويت.. كيف تبدلت الأمور وتغيرت معادلة الحماية؟

شارك القصة

دخلت قوة عسكرية دولية ضخمة تقودها الولايات المتحدة لتحرير الكويت- غيتي
دخلت قوة عسكرية دولية ضخمة تقودها الولايات المتحدة لتحرير الكويت- غيتي
دخلت قوة عسكرية دولية ضخمة تقودها الولايات المتحدة لتحرير الكويت- غيتي
الخط
تحوّل أمن الخليج منذ غزو الكويت تدريجيًا إلى قواعد واتفاقات دفاع وتخزين مسبق للأسلحة وتدريبات ومنظومات اتصال وإنذار مبكر. 

في الساعات الأولى من صباح 2 أغسطس/ آب 1990، عبر نحو 100 ألف جندي عراقي الحدود مع الكويت، تتقدمهم وحدات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة. 

اتجهت القوات الرئيسية نحو العاصمة، فيما سيطرت وحدات أخرى على المطارات والجزر والمقار السيادية، لتسقط معظم مؤسسات الدولة خلال ساعات وتنتقل القيادة الكويتية إلى السعودية.

لم يكن الاجتياح مجرد حلقة جديدة في نزاع حدودي أو خلاف نفطي بين دولتين متجاورتين. فقد حاول العراق إلغاء دولة عربية مستقلة وضمها إلى أراضيه بالقوة، وكشف في الوقت نفسه أن الثروة النفطية وصفقات التسليح واتفاقات التعاون القائمة لم تكن كافية لمنع دولة خليجية من السقوط أمام جيش إقليمي أكبر.

وكان مجلس التعاون الخليجي قد تأسس قبل الغزو بتسع سنوات، وأنشئت قوة "درع الجزيرة" عام 1982 بوصفها نواة للدفاع المشترك.

لكن حجم القوة وطبيعة تجهيزها وآليات اتخاذ القرار داخل المجلس لم تكن تتيح لها مواجهة اجتياح بهذا المستوى أو خوض حرب واسعة لتحرير الكويت. 

استدعت الأزمة قوة عسكرية دولية ضخمة، تقودها الولايات المتحدة وتعمل تحت غطاء قرارات مجلس الأمن. حررت الحرب الكويت، لكنها غيّرت أيضًا الجهة التي تتولى حماية الخليج وطبيعة الأدوات المستخدمة في ذلك.

فمنذ 1990، لم يعد الوجود العسكري الدولي انتشارًا مؤقتًا يصل بعد وقوع الخطر، وإنما تحول تدريجيًا إلى قواعد واتفاقات دفاع وتخزين مسبق للأسلحة وتدريبات ومنظومات اتصال وإنذار مبكر. 

كيف سقطت الكويت سريعًا؟

خرج العراق من الحرب مع إيران، التي امتدت بين عامي 1980 و1988، بجيش ضخم اكتسب خبرة طويلة في القتال التقليدي، لكنه خرج أيضًا باقتصاد منهك وديون تقدر بعشرات مليارات الدولارات، كان جزء كبير منها مستحقًا للسعودية والكويت ودول خليجية أخرى.

واعتبرت القيادة العراقية أنها خاضت الحرب دفاعًا عن دول الخليج في مواجهة إيران، وطالبت بتحويل القروض إلى منح أو إسقاطها.

تداخل ملف الديون مع الخلاف حول مستويات إنتاج النفط وأسعاره، إذ اتهمت بغداد الكويت والإمارات بتجاوز حصصهما داخل منظمة "أوبك"، بما أدى إلى خفض الأسعار وتقليص الإيرادات التي احتاج إليها العراق لإعادة إعمار ما دمرته الحرب.

غزو الكويت

كما أعادت بغداد طرح النزاعات الحدودية، واتهمت الكويت باستخراج النفط من حقل الرميلة الحدودي، وطالبت بترتيبات تمنح العراق منفذًا أوسع إلى الخليج.

وتحولت هذه الملفات خلال أسابيع من أدوات للضغط السياسي إلى ذرائع استخدمها صدام حسين لتبرير قرار عسكري كان هدفه يتجاوز تعديل الأسعار أو الحدود إلى إخضاع الكويت وضمها.

وحسم التفوق العددي والناري نتيجة المواجهة الأولى. تحركت القوات العراقية مستفيدة من عنصر المفاجأة، وسيطرت على الطرق الرئيسية والمطارات والمقار الحكومية، فيما حدت مساحة الكويت الصغيرة وغياب العمق الجغرافي من قدرة قواتها على الانسحاب وإعادة تنظيم الدفاع. وقعت مواجهات ومقاومة كويتية، إلا أن اختلال ميزان القوة جعل صد الاجتياح منفردة مهمة شبه مستحيلة.

ثم أعلن العراق لاحقًا تحويل الكويت إلى "المحافظة التاسعة عشرة"، في خطوة نقلت الأزمة من خلاف بين دولتين إلى محاولة لمحو الحدود والسيادة المعترف بهما دوليًا. وفي يوم الغزو نفسه، أصدر مجلس الأمن القرار 660، الذي أدان الاجتياح وطالب بانسحاب عراقي فوري وغير مشروط.

انقسام عربي فتح الباب أمام تدويل الأزمة

لم يتأخر الموقف الدولي في إدانة الغزو. فبعد القرار 660، أصدر مجلس الأمن القرار 661 في 6 أغسطس/ آب، وفرض حظرًا اقتصاديًا وماليًا واسعًا على العراق والكويت الواقعة تحت الاحتلال، كما دعا الدول إلى عدم الاعتراف بأي سلطة ينشئها العراق داخل الكويت.

وفي المقابل، بدت الاستجابة العربية أكثر انقسامًا. فقد أدانت دول عربية الغزو وطالبت بانسحاب العراق، في حين رفضت دول أخرى التدخل العسكري الأجنبي أو دعت إلى منح الوساطات العربية وقتًا أطول. وعندما عقدت القمة العربية الطارئة في القاهرة في 10 أغسطس/ آب، صدر قرار يدين الغزو ويدعم إرسال قوات عربية لحماية السعودية ودول الخليج، لكنه لم يحظ بإجماع عربي.

انضمت مصر وسوريا والمغرب ودول خليجية إلى الجهد العسكري الذي تشكل لاحقًا، بينما اتخذت دول أخرى مواقف أقرب إلى بغداد أو تحفظت على الاستعانة بالقوات الغربية. 

لم يقتصر الانقسام على الموقف من صدام حسين، إذ شمل سؤالًا أعمق يتعلق بمصدر الأمن العربي: هل تستطيع الدول العربية إنهاء احتلال دولة عضو في الجامعة العربية، أم أن تحريرها يحتاج إلى الولايات المتحدة والقوى الكبرى؟

التحالف الدولي يحرر الكويت ويغير معادلة الحماية

بعد أيام من الاجتياح، وافقت السعودية على استقبال قوات أميركية ودولية ضمن عملية "درع الصحراء". كان الهدف الأول حماية أراضي المملكة ومنع الجيش العراقي من التقدم جنوبًا، خصوصًا مع تمركز قواته قرب الحدود السعودية ووجود مخاوف من تهديد المنطقة الشرقية وحقول النفط.

تحول الانتشار الدفاعي خلال الأشهر التالية إلى استعداد لتحرير الكويت. وفي 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1990، أصدر مجلس الأمن القرار 678، الذي منح العراق مهلة حتى 15 يناير/ كانون الثاني 1991 للانسحاب، وأجاز للدول المتعاونة مع الحكومة الكويتية استخدام "جميع الوسائل اللازمة" لتنفيذ قرارات المجلس إذا انقضت المهلة من دون استجابة.

موقف العرب من غزو الكويت

بدأت الحملة الجوية فجر 17 يناير/ كانون الثاني بتوقيت المنطقة، واستهدفت مراكز القيادة والقواعد الجوية والدفاعات ومنصات الصواريخ والقوات العراقية المنتشرة داخل الكويت. وفي 24 فبراير/ شباط، بدأت العملية البرية التي انتهت خلال نحو مئة ساعة بانهيار مواقع الجيش العراقي وتحرير الكويت.

احتاجت العملية إلى تحالف دولي واسع، وقوة جوية وبرية وبحرية ضخمة، وشبكات استخبارات واتصالات ونقل وتموين لم تكن أي دولة خليجية قادرة على توفيرها منفردة. حملت الحرب بذلك درسًا تجاوز حدود الكويت: لا يكفي أن تصل القوات الدولية بعد وقوع الهجوم، وإنما ينبغي إعداد المطارات والموانئ والمخازن ومراكز القيادة التي تتيح استقبالها وتشغيلها بسرعة.

توقفت قوات التحالف بعد إخراج الجيش العراقي من الكويت ولم تتقدم لإسقاط النظام في بغداد.

العقوبات تعيد تشكيل العراق

لم يؤد انسحاب الجيش العراقي من الكويت إلى رفع العقوبات التي فرضت عام 1990. فقد ربط قرار مجلس الأمن 687، الذي وضع شروط وقف إطلاق النار، تخفيف القيود بتنفيذ التزامات تتعلق بتدمير برامج الأسلحة المحظورة والصواريخ بعيدة المدى، والخضوع للتفتيش الدولي، والاعتراف بالحدود ودفع التعويضات للكويت.

أصبح العراق خاضعًا لنظام غير مسبوق من الرقابة والعقوبات. دخل المفتشون منشآته العسكرية والصناعية، وجرى تدمير أسلحة ومعدات وبرامج مرتبطة بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية والصاروخية. وظلت الخلافات حول مدى تعاون بغداد وما أخفته من قدرات مصدر أزمات متكررة مع مجلس الأمن والولايات المتحدة.

حملت العقوبات كلفة إنسانية واقتصادية شديدة. فقد تضرّرت البنية الأساسية خلال الحرب، وتراجعت إيرادات النفط والقدرة على استيراد الغذاء والدواء وقطع الغيار، وانهارت قيمة الرواتب والمدخرات. توسعت تبعية السكان لنظام الحصص التموينية الذي تديره الدولة، ما منح السلطة وسيلة إضافية لتوزيع الموارد وضبط مجتمع يعاني الندرة.

النفط مقابل الغذاء

ولاحقًا، أطلقت الأمم المتحدة برنامج "النفط مقابل الغذاء"، الذي بدأ تطبيقه عام 1996، للسماح للعراق ببيع كميات من النفط واستخدام جزء من العائدات في شراء الغذاء والدواء وتلبية الاحتياجات الإنسانية تحت الرقابة الدولية. 

خفف البرنامج بعض آثار العقوبات، لكنه لم ينه انهيار الخدمات أو الجدل حول مسؤولية النظام العراقي والدول التي أصرت على استمرار القيود الواسعة.

تحمل نظام صدام حسين المسؤولية الأولى عن قرار الغزو وعن توجيه موارد الدولة بما يخدم بقاءه وأجهزته. غير أن العقوبات الشاملة لم تبق محصورة بالنخبة الحاكمة، إذ أصابت المجتمع والبنية الاقتصادية، وأسهمت في إضعاف الدولة العراقية قبل أكثر من عقد على غزوها مجددًا.

الطريق من حرب 1991 إلى غزو 2003

شكل تحرير الكويت المسار السياسي والعسكري الذي قاد إلى غزو العراق في عام 2003. فقد بقي العراق خاضعًا للعقوبات وعمليات التفتيش، وأقيمت مناطق حظر جوي في شمال البلاد وجنوبها، واستمرت القوات الأميركية والبريطانية في تنفيذ ضربات عسكرية عند تصاعد الخلافات مع بغداد.

وتحول ملف أسلحة الدمار الشامل من شرط في اتفاق وقف إطلاق النار إلى محور العلاقة بين العراق ومجلس الأمن. شهدت التسعينيات أزمات متكررة بين المفتشين والسلطات العراقية، قبل أن تُستأنف عمليات التفتيش أواخر عام 2002 بموجب القرار 1441.

أمن الخليج

نفذ مفتشو لجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش مئات الزيارات خلال الأشهر التي سبقت الحرب. وفي 18 مارس/ آذار 2003، سحبت الأمم المتحدة موظفيها وعلقت أعمال التفتيش مع اقتراب الهجوم الأميركي البريطاني، الذي بدأ بعد ذلك من دون صدور قرار جديد وصريح من مجلس الأمن يجيز إسقاط النظام العراقي بالقوة.

قدمت حرب 1991 نموذجًا لتحالف دولي هدفه إنهاء احتلال دولة وإعادة حكومتها تحت غطاء أممي واضح. أما حرب 2003، فانتقلت إلى إسقاط النظام واحتلال العراق وإعادة بناء مؤسساته السياسية والأمنية، وسط انقسام دولي واسع.

وأدت الحرب الثانية إلى تفكيك الدولة العراقية وإضعاف جيشها، وفتحت المجال أمام توسع النفوذ الإيراني وصعود الجماعات المسلحة والانقسامات الطائفية. وهكذا وفّر غياب العراق بوصفه قوة توازن إقليمية أسبابًا جديدة لاستمرار الوجود العسكري الدولي في الخليج، بعدما كان احتواء بغداد أحد مبرراته الأساسية.

لماذا بقي أمن الخليج مرتبطًا بالخارج؟

لم يبدأ الوجود العسكري الغربي في الخليج عام 1990. فقد احتفظت بريطانيا ثم الولايات المتحدة بوجود بحري وعلاقات أمنية في المنطقة قبل الغزو بوقت طويل. غير أن حرب الكويت غيرت حجم هذا الحضور ووظيفته وطبيعته.

وقعت دول الخليج بعد الحرب اتفاقات دفاع وتعاون عسكري مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، ووسعت المطارات والموانئ والمنشآت القادرة على استقبال القوات. انتشرت مخازن الأسلحة والمعدات المعدة مسبقًا، وتطورت التدريبات المشتركة وشبكات القيادة والاتصال والدفاع الجوي والصاروخي.

لم يكن المطلوب إبقاء مئات آلاف الجنود المنتشرين عام 1991 بصورة دائمة. قامت الاستراتيجية الجديدة على وجود عسكري أقل عددًا، لكنه قادر على الوصول إلى منشآت جاهزة والاستفادة من معدات مخزنة وقوات محلية مدربة على العمل مع الجيوش الغربية. أصبحت سرعة الحشد والتعزيز جزءًا من الردع، لا مجرد إجراء يبدأ بعد اندلاع الحرب.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي