وفي 31 أغسطس/ آب، حلت ذكرى رحيل أحد أبرز وجوه الفن الشعبي الجزائري، الذي انطلقت مسيرته من الجزائر وامتدت إلى المقاهي الباريسية، حيث وجد المهاجرون الجزائريون في أغانيه نصوصًا قريبة من حياتهم اليومية وهمومهم.
ولم تقتصر تجربة الحراشي على التعبير عن الهجرة، إذ تناولت أغانيه الحب والصداقة والخيانة وقضايا اجتماعية مختلفة، مستندةً إلى لغة بسيطة وقريبة من الناس، ومقدمةً أسلوبًا منح الشعبي الجزائري قالبًا أكثر عصرية.
من هو دحمان الحراشي؟
ولد دحمان الحراشي، واسمه الحقيقي عبد الرحمن عمراني، في 1926 في حي الأبيار بالعاصمة الجزائر، قبل أن ينشأ في حي الحراش الذي استمد منه اسمه الفني.
وبرز خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وارتبطت تجربته بالمهاجرين الجزائريين في فرنسا، حيث غنى في المقاهي الباريسية، فيما أصبحت "يا الرايح وين مسافر" أشهر أعماله وأكثرها ارتباطًا بالغربة والحنين.
وتميز الحراشي باستخدام آلة الموندول والإيقاعات الشعبية، وتقديم قصيدة الملحون بلغة أقرب إلى الحياة اليومية، ضمن جيل أسهم في تطوير الموسيقى الشعبية الجزائرية.
ورحل في 31 أغسطس/ آب 1980 إثر حادث سير، بعدما ترك إرثًا فنيًا يضم أكثر من 500 أغنية، لا يزال كثير منها حاضرًا في المنازل والمقاهي والمناسبات الجزائرية.
"سابق لزمانه"
ويرى أستاذ الموسيقى والمايسترو وقائد الأوركسترا السيمفونية لأوبرا الجزائر طفي سعيدي، في حديث لبرنامج "ضفاف"، الذي يبث على شاشة "العربي 2"، أن الحراشي لم يكن مجرد فنان، بل شكّل "ذاكرة فنية وثقافية بالنسبة للجزائر".
وأوضح سعيدي أن نشأة الحراشي في حي شعبي وبساطة حياته انعكستا على أعماله، التي تناولت قضايا يعيشها الإنسان العادي، معتبرًا أن سر نجاحه كان في قربه من الناس وقدرته على التعبير عنهم.
ووصف تجربته بأنها كانت "سابقة لزمانها"، مشيرًا إلى أنه لم يقدم الشعبي بصورته التقليدية فحسب، بل صنع قالبًا أكثر عصرية، يمكن وصفه بمفهوم اليوم بأنه "نيو شعبي".
"يا الرايح وين مسافر"
وتبرز أغنية "يا الرايح" بوصفها النموذج الأوضح لهذا الارتباط بالجمهور، خصوصًا بين الجزائريين الذين غادروا بلادهم إلى فرنسا للعمل أو الدراسة.
وقال سعيدي إن كلمات الأغنية كانت قادرة على إدخال المهاجر الجزائري في حالة من الحنين بمجرد سماعها، لأنها خاطبت تجربة عاشها بنفسه.
وبعد أكثر من أربعة عقود على رحيل الحراشي، يرى سعيدي أن استمرار سماع أغانيه في المقاهي والمنازل دليل على بقاء أثره، مؤكدًا أن نصوصه ما زالت قادرة على مخاطبة المستمع الجزائري حتى اليوم.