الجمعة 9 أكتوبر / أكتوبر 2026

46 عامًا على "قانون القدس".. كيف حاول الاحتلال تحويل الضم إلى أمر دستوري؟

46 عامًا على "قانون القدس".. كيف حاول الاحتلال تحويل الضم إلى أمر دستوري؟

شارك القصة

لا يزال "قانون القدس" الذي أقرته إسرائيل قبل 46 عامًا موضع رفض دولي- غيتي
لا يزال "قانون القدس" الذي أقرته إسرائيل قبل 46 عامًا موضع رفض دولي- غيتي
لا يزال "قانون القدس" الذي أقرته إسرائيل قبل 46 عامًا موضع رفض دولي- غيتي
الخط
قانون "القدس 1980" عزّز السيطرة الإسرائيلية على المدينة ضمن القوانين الداخلية، لكنه لم يحظ باعتراف دولي.

في 30 يوليو/ تموز 1980، أقرّ الكنيست الإسرائيلي ما عُرف باسم "القانون الأساسي: القدس عاصمة إسرائيل"، بأغلبية 69 صوتًا مقابل 15، في خطوة هدفت إلى تثبيت مكانة المدينة داخل القانوني الإسرائيلي.

واستهل القانون بعبارة أصبحت محور الموقف الإسرائيلي من القدس: "القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة إسرائيل". ورغم أن النص لم يذكر القدس الشرقية صراحة، ولم يستخدم مصطلحي "الضم" أو "السيادة"، فإن تعريف المدينة باعتبارها "كاملة وموحدة" جاء في سياق سيطرة إسرائيل على الجزء الشرقي منها منذ احتلاله عام 1967.

بدأت إسرائيل إجراءات غيّرت واقع القدس الشرقية بعد حرب 1967- غيتي
بدأت إسرائيل إجراءات غيّرت واقع القدس الشرقية بعد حرب 1967- غيتي

ولم يكن قانون 1980 بداية ضم القدس الشرقية، إذ سبقه بعد أسابيع من حرب يونيو/ حزيران 1967 فرض إسرائيل قوانينها وتوسيع حدود بلدية القدس، لكن القانون منح تلك الإجراءات السابقة مكانة دستورية داخل إسرائيل، عبر إدراجها ضمن مجموعة "القوانين الأساسية" التي تقوم مقام الدستور في النظام الإسرائيلي.


ضم القدس الشرقية بدأ بعد حرب 1967


تعود جذور الخلاف حول القدس إلى قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، والذي نص على وضع المدينة تحت نظام دولي خاص، لكن حرب عام 1948 أدت إلى تقسيمها، إذ خضعت القدس الغربية لإسرائيل، بينما بقيت القدس الشرقية، بما فيها البلدة القديمة، تحت الإدارة الأردنية.

بعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967، بدأت إجراءات تغيير وضع المدينة سريعًا، ففي 27 يونيو/ حزيران من العام نفسه، أقر الكنيست تعديلات قانونية سمحت للحكومة الإسرائيلية بتطبيق قوانينها وإدارتها على مناطق تحددها بقرار رسمي.

وفي اليوم التالي، وسّعت إسرائيل حدود بلدية القدس لتشمل نحو 70 كيلومترًا مربعًا من الأراضي المحتلة، ضمت القدس الشرقية وأجزاء واسعة من بلدات وقرى فلسطينية مجاورة. كما ألغت بلدية القدس العربية وأخضعت المناطق الجديدة للمؤسسات الإسرائيلية.

ومنذ ذلك الحين، حصل معظم الفلسطينيين في القدس الشرقية على صفة "المقيم الدائم" بدل المواطنة الإسرائيلية، وهو وضع قانوني يختلف عن الجنسية، ويمكن أن يؤدي إلى فقدان الإقامة في حالات محددة وفق القوانين الإسرائيلية.


لماذا أُقر قانون القدس عام 1980؟


رغم أن إسرائيل كانت قد فرضت سيطرتها الإدارية على القدس الشرقية منذ عام 1967، جاء قانون القدس في توقيت سياسي حساس، خصوصًا مع استمرار تداعيات اتفاقات "كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل ومفاوضات الحكم الذاتي الفلسطيني.

طرحت مشروع القانون عضو الكنيست غيئولا كوهين، التي كانت قد غادرت حزب "الليكود" اعتراضًا على مسار المفاوضات، ووجد رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن صعوبة في معارضة المشروع، رغم أن القانون لم يضف تغييرًا عمليًا كبيرًا على إدارة المدينة، لأن أي تراجع عنه كان سيُفسر على أنه مساس بالموقف الإسرائيلي من القدس.

لكن أهمية القانون لم تكن في إجراءاته التنفيذية فقط، بل في نقله قضية القدس من مستوى القرارات الحكومية إلى مستوى القوانين الأساسية، ما منحه وزنًا دستوريًا داخل إسرائيل.


على ماذا ينص قانون القدس؟


تضمن القانون في صيغته الأصلية أربع مواد رئيسية، فقد أعلن أن القدس "الكاملة والموحدة" عاصمة إسرائيل، وحددها مقرًا لرئيس الدولة والكنيست والحكومة والمحكمة العليا.

كما نص على حماية الأماكن المقدسة وضمان حرية الوصول إليها لمختلف الأديان، وألزم الحكومة بمنح المدينة أولوية في التنمية وتوفير موارد خاصة لبلديتها.

قانون يعلن حماية المقدسات وواقع يشهد تضييقًا على الوصول إليها- غيتي
قانون يعلن حماية المقدسات وواقع يشهد تضييقًا على الوصول إليها- غيتي

ولم يحدد القانون حدود القدس، ولم يذكر القدس الشرقية بالاسم، الأمر الذي سمح لإسرائيل بتقديمه باعتباره تثبيتًا لوضع قائم، لكن مفهوم "القدس الموحدة" ارتبط عمليًا بالحدود البلدية التي فرضتها إسرائيل بعد حرب 1967، والتي شملت الجزء الشرقي المحتل.


الأمم المتحدة ترفض القانون وتصفه بأنه باطل


واجه "قانون القدس" رفضًا دوليًا واسعًا منذ إقراره، فقد قرر مجلس الأمن الدولي عدم الاعتراف به وبغيره من الإجراءات التي تسعى إلى تغيير طابع القدس ووضعها.

وقبل إقرار القانون، أصدر مجلس الأمن القرار 476 الذي اعتبر الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بالمدينة غير قانونية، وبعد إقرار التشريع، أصدر المجلس القرار 478 في أغسطس/ آب 1980، الذي دان القانون واعتبره "باطلًا ولاغيًا"، ودعا الدول التي أقامت بعثات دبلوماسية في القدس إلى سحبها.

ورغم ذلك، استمر القانون نافذًا داخل النظام الإسرائيلي، لكنه لم يغيّر موقف المجتمع الدولي الذي بقي يعتبر القدس الشرقية أرضًا محتلة منذ عام 1967.


قانون عزز القيود أمام أي تسوية سياسية


توسعت تداعيات "قانون القدس" لاحقًا، خصوصًا عام 2000، عندما أضاف الكنيست تعديلات ربطت حدود المدينة بالمساحات التي ضمتها إسرائيل عام 1967، ومنعت نقل صلاحيات في تلك المناطق إلى جهة سياسية أجنبية إلا بموافقة برلمانية خاصة.

وفي عام 2018، رفع الكنيست عدد الأصوات المطلوبة لتعديل هذه المادة إلى 80 عضوًا من أصل 120، ما جعل أي اتفاق مستقبلي يتعلق بالقدس أكثر تعقيدًا داخل النظام الإسرائيلي.

كما أعاد "قانون القومية" الإسرائيلي الصادر عام 2018 استخدام العبارة نفسها بشأن "القدس الكاملة والموحدة" عاصمة لإسرائيل، ما عزز مكانتها في التشريعات الأساسية.


قانون إسرائيلي للمدينة لا يغيّر وضعها الدولي


بعد أكثر من أربعة عقود على إقراره، رسّخ قانون القدس واقعًا قانونيًا وإداريًا إسرائيليًا في القدس الشرقية، لكنه بقي مرفوضًا دوليًا ولم يحظ باعتراف المجتمع الدولي.

فالأمم المتحدة لا تزال تعتبر القدس الشرقية جزءًا من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، فيما أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري عام 2024 أن تطبيق إسرائيل قوانينها على المدينة لا يلغي صفة الاحتلال.

وهكذا بقيت القدس بين واقعين متناقضين، مدينة تعتبرها إسرائيل "عاصمتها الموحدة" وفق قوانينها الداخلية، بينما تبقى القدس الشرقية في القانون الدولي أرضًا محتلة، في نزاع لم يحسمه قانون من أربع مواد.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي