فيما بدا أنها صيحة استغاثة أخيرة، طالبت إلهام أحمد، القيادية البارزة في الإدارة المدنية الكردية بشمال شرق سوريا، في مؤتمر صحافي (21 يناير/ كانون الثاني 2026)، الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى "بالتوقف عن لعب دور المنافقين" و"اتخاذ موقف واضح" من الهجوم الذي كانت تشنه فصائل الجيش السوري والعشائر العربية على المواقع الكردية شمال سوريا.
صيحة أحمد الأخيرة عكست "الصدمة" التي تشعر بها القيادات الكردية من حالة "التسليم" التي اتسم بها الموقف الأميركي ومن خلفه الدولي، ولا سيما المؤيد والمتحالف مع التنظيم الكردي، تجاه تقدم قوات الحكومة السورية برفقة مقاتلي العشائر، وتوسع سيطرتها في ما كان سابقًا مناطق "الحكم الكردي" بما يزيد عن عقد، من دون تدخل يُذكَر من قوات التحالف.
رغم ذلك، لم تتوانَ المسؤولة الكردية البارزة عن الاعتراف ضمنيًا بأن "إذا لم يكن هناك رد فعل، فمن السهل افتراض أنهم أعطوا الضوء الأخضر (للهجوم)"، بشكل يعكس قناعة قادة التنظيم الكردي بأن ما يجري كان تخليًا صريحًا من الولايات المتحدة، حليفهم الأكبر ومصدر تسليحهم وقوتهم خلال السنوات الماضية، عنهم لصالح الحكم في دمشق.
في ما يلي نستعرض حالات مشابهة من انسحاب الولايات المتحدة أو تخفيف دعمها لحلفاء استراتيجيين على مدى خمسة عقود مضت:
فيتنام الجنوبية (1973-1975)البراغماتية بعد الإرهاق
بعد توقيع اتفاقيات باريس للسلام (1973)، انسحبت الولايات المتحدة عسكريًا من فيتنام، لكنها وعدت بدعم حكومة سايغون عسكريًا واقتصاديًا. ومع ذلك، خفض الكونغرس الأميركي المساعدات العسكرية من 1.5 مليار دولار (1973) إلى 700 مليون دولار (1974) تحت ضغط الرأي العام المناهض للحرب[1].
وفي أبريل/ نيسان 1975، مع تقدم القوات الفيتنامية الشمالية نحو سايغون، رفض الرئيس جيرالد فورد طلبات النجدة العسكرية العاجلة من الرئيس نجوين فان ثيو. وأسفرت عملية إجلاء سايغون عن إنقاذ عشرات الآلاف من الفيتناميين الجنوبيين المتعاونين مع الأميركيين، بينما فر آلاف آخرون إلى دول مجاورة، وواجه عشرات الآلاف من الفيتناميين مصيرًا قاسيًا واتهامات بالعمالة.
ويصف المؤرخ جورج سي. هيرينغ في كتابه "حرب أميركا الطويلة في فيتنام" قرار الانسحاب بأنه نتيجة "متلازمة فيتنام"، التي تمثلت بـ"إرهاق سياسي وعسكري وشعبي عميق ناتج عن حرب استنزاف طويلة فقدت فيها أميركا نحو 58 ألف جندي"[2]. وتزامن ذلك مع فضيحة ووترغيت التي أطاحت بالرئيس ريتشارد نيكسون في قفص الاتهام، فيما تظهر وثائق البيت الأبيض، التي رفعت عنها السرية عام 2004، أن إدارة نيكسون كانت تدرك منذ 1972 أن "سايغون قد لا تنجو رغم الوعود العلنية"[3].
كما أظهرت التسجيلات أن نيكسون ومستشاره للأمن القومي حينها، هنري كيسنجر، ناقشا في 1972 و1973 أن الانسحاب الأميركي قد يؤدي إلى سقوط سايغون، معتبرين أن "الأهم هو أن يظل الفاصل الزمني بين الانسحاب والسقوط طويلاً بما يكفي لتجنب تهمة الهزيمة المباشرة".
شاه إيران (1977-1979):تضارب الأولويات
كان الشاه محمد رضا بهلوي حليفًا استراتيجيًا للغرب منذ انقلاب 1953 الذي دعمته وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA). ومع صعود الاحتجاجات ضد حكمه لأسباب عديدة عام 1978، أظهرت إدارة الرئيس جيمي كارتر ترددًا بين دعم حقوق الإنسان والحريات من ناحية، والخوف من فقدان حليف مهمّ في الخليج من ناحية أخرى.
ووفقًا لوثائق وزارة الخارجية، رفضت الولايات المتحدة طلبات الشاه المتكررة للدعم العسكري العلني أو التدخل[4]. وفي النهاية، أدت تلك السياسة المتخبطة بين الخيارين إلى خسارة طرفي المعادلة، فلا حقوق الإنسان تحسنت في إيران ما بعد الشاه، ولا بقي النظام حليفًا، بل على العكس تمامًا.
وتكشف في هذا السياق مقابلات أجرتها شبكة PBS عام 2000 مع مسؤولين أميركيين سابقين أن هناك انقسامًا داخل الإدارة بين وزير الخارجية سايروس فانس (المعارض للتدخل) والمستشار الأمني زبغنيو بريجينسكي (المؤيد لدعم أقوى)[5]. وزاد على ذلك أن الاستخبارات الأميركية قدمت تقديرات خاطئة بخصوص قوة نظام الشاه وطبيعة الثورة، الأمر الذي حسم الموقف لصالح الأخيرة.
الأكراد في العراق (1972-1975)أداة تفاوض مؤقتة
في سياق الحرب الباردة، دعمت الولايات المتحدة (بالتنسيق مع إيران) "الانتفاضة الكردية" في شمال العراق ضد حكومة صدام حسين الموالية للسوفييت، في محاولة لإضعاف نظامه وعرقلة تحالفه مع موسكو.
لكن عندما توصلت إيران (نظام الشاه) والعراق إلى اتفاقية الجزائر عام 1975 حول نزاع شط العرب، توقفت المساعدات الأميركية والإيرانية للأكراد على الفور.
وتظهر مذكرة داخلية لوزارة الخارجية من مارس/ آذار 1975، رفعت عنها السرية لاحقًا، أن المسؤولين الأميركيين استنتجوا أن "الدعم الكردي لم يعد ضروريًا" بعد تحسن العلاقات الإيرانية-العراقية حينها، حيث يذكر وزير الخارجية هنري كيسنجر أنه "لم يكن أمام الوكالة خيار سوى إنهاء برنامجها الخاص بالمساعدة للأكراد"[6]. وعلى إثر تداعيات الاتفاق ووقف الدعم، انهار التمرد وتعرض الأكراد لعمليات قمع شديدة.
في مذكراته، اعترف كيسنجر بأن "الانتفاضة الكردية كانت مفيدة لنا فقط حتى توقيع اتفاقية الجزائر"[7]. إلا أنه، من باب الذكر، عادت هذه العلاقة لتزدهر بعد مواجهة نظام صدام حسين الدموية مع الأكراد لاحقًا، والتي قادت إلى "أهم لحظة تأسيسية في العلاقة الكردية الأميركية"، عندما "اندلعت انتفاضات كردية في شمال العراق، وقمعها نظام الرئيس السابق صدام حسين بعنف شديد، وأدى ذلك لاحقًا إلى فرض الولايات المتحدة وحلفائها منطقة حظر جوي شمال العراق، وهي الحماية التي مكَّنت الأكراد من إجراء انتخابات وتشكيل حكومة إقليم كردستان عام 1992"[8].
وبالطبع، أضعفت هذه السياسة نظام حسين وهشمت بنيان الدولة العراقية الموحدة.
حلفاء أميركا اللاتينية (عقب الحرب الباردة):التحول القيمي
بعد نهاية الحرب الباردة، خففت الولايات المتحدة دعمها لأنظمة استبدادية كانت حليفة لها في أميركا اللاتينية، من بينها نظام أوغستو بينوشيه في تشيلي (1973-1990)، والذي ساعدته في انقلابه على الحكم اليساري، ليلُقب بعدها بـ"جنرال واشنطن" في أميركا اللاتينية بسبب قربه من السياسة الأميركية.
وإثر الانقلاب تلقت تشيلي ملايين الدولارات، فدعمت واشنطن حكمه بلا حدود على الرغم من انتهاكاته الصارخة لحقوق الإنسان، حيث تشير منظمة العفو الدولية إلى أنه "بحسب الأرقام الرسمية، فقد خلّف النظام 40,175 ضحية، بما في ذلك التعذيب والإعدام والاعتقال والاختفاء، وتشير سجلات مرصد العدالة الانتقالية إلى أنه لم يكن هناك عدالة أو حقيقة أو تعويض في أكثر من 70% من حالات الإعدام أو الاختفاء"[9].
إلا أنه مع مرور الوقت، وحصول تغير بنيوي في السياسة الأميركية، اتجهت واشنطن للتخلي عنه بعد رفضه ضغوطها لإجراء تغييرات ديمقراطية، وهو ما تمثل بتوجه الإدارة الأميركية حينها في كامل أميركا اللاتينية. وانطبق ذلك أيضًا على أنظمة عسكرية في غواتيمالا والسلفادور، حيث ضغطت الولايات المتحدة عليها من أجل انتقال ديمقراطي، وأحيانًا سحبت الدعم الاقتصادي والعسكري، مما ساهم في نهاية تلك الأنظمة.
وساهم في التحول الأميركي حينها تراجع التهديد الشيوعي، والذي كان حجر الزاوية في الاعتماد على الدكتاتوريات العسكرية بالنسبة لواشنطن.
أفغانستان (2020-2021)نهاية صعبة لأطول حرب
بعد 20 عامًا من الحرب التي نشبت انتقامًا من هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وقعت الولايات المتحدة "اتفاق الدوحة 2020" مع حركة طالبان، ووافقت على انسحاب كامل مقابل وعود من الحركة بخوض مفاوضات مع السلطات الموالية لواشنطن في كابُل، والتي نُحيت بعيدًا عن المحادثات بين الطرفين ولم تكن طرفًا مباشرًا فيها.
لكن إدارة جو بايدن نفذت الانسحاب بشكل متسارع في صيف 2021، مما أدى إلى سقوط سريع لكابُل في أغسطس/ آب، وفرار من استطاع من السياسيين الموالين لواشنطن.
وتشير تقارير عديدة إلى تلقي بايدن - خلال الأيام الأولى من حكمه - تقديرات من فريق الأمن القومي تؤكد أن سحب جميع القوات من أفغانستان قد يؤدي إلى انهيار الحكومة الأفغانية في نهاية المطاف، وهو أمر أكده أيضًا مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، الجنرال ديفيد بتريوس، لشبكة "سي إن إن" قائلًا:
"نعم، بمجرد أن سحبنا قواتنا التي يتراوح عددها بين 2,500 و3,500 جندي، الأمر الذي استلزم سحب دول الناتو الأخرى 7,000 جندي، وكذلك انسحاب آلاف المتعاقدين، أدرك الجنود الأفغان في وقت مبكر أنه لن يساعدهم أحد في صد هجوم طالبان"[10].
وأدى استيلاء طالبان السريع على السلطة إلى الانسحاب الفوضوي للقوات الأميركية، الذي خلف آلاف المترجمين والموالين الأفغان في مواجهة انتقام طالبان. واعترف تقرير رفيع المستوى لوزارة الخارجية الأميركية (نُشر جزئيًا) بأن عملية الانسحاب "فشلت في تأمين حلفائنا الأفغان بالشكل الكافي"[11].
كما وثق تحقيق استقصائي لصحيفة "نيويورك تايمز" بعنوان The Interpreters the US Left Behind in Afghanistan قصص مئات الأفغان الذين ساعدوا الجيش الأميركي ولم يتم إجلاؤهم، فتركوا لمصيرهم الصعب[12]. واعتبر كثيرون، ومن بينهم الجنرال ديفيد بتريوس، أن الانسحاب أرسل "رسالة خطيرة" للحلفاء حول العالم بشأن موثوقية الالتزام الأميركي في التحالفات السياسية والعسكرية.
وكان من العوامل الحاسمة لهذا الانسحاب، الذي شبهه معلقون كثر بـ"انسحاب سايغون 1975"، عامل "الإرهاق الاستراتيجي" المتمثل بالحرب الأفغانية والفشل في بناء دولة ذات نظام مستقر في أفغانستان، إضافة إلى حاجة واشنطن لنقل تركيزها لمناطق أخرى، ولا سيما إثر المنافسة المحتدمة مع الصين.
ويُضاف إلى ذلك الكلفة الهائلة للوجود الأميركي على الأراضي الأفغانية، حيث يشير تحقيق نشرته "بي بي سي" إلى أن "إجمالي الإنفاق العسكري في أفغانستان (من أكتوبر 2001 حتى ديسمبر 2020) بلغ 825 مليار دولار، بالإضافة إلى نحو 130 مليار دولار أُنفقت على مشاريع إعادة الإعمار"[13].
في النهاية، لم تجد إدارة بايدن مخرجًا سوى وقف هذا النزيف، بقرار الانسحاب السريع، من دون اكتراث يُذكر لعشرات الآلاف من المتعاونين والمترجمين والسياسيين الحلفاء لواشنطن على مدى عشرين عامًا من سيطرتها على كابُل.
خلاصة: أنماط متكررة عبر خمسة عقود
أثار تشبيه ما حصل للوجود الأميركي في أفغانستان بمثيله في فيتنام فكرة وجود نمط متكرر لهذه السياسات التحالفية، التي تُبنى لضرورات مصلحية أو بسبب حسابات ضيقة الأفق، مما يقود في النهاية إلى انهيارها أو التخلي عنها.
ويمكن تلخيص عوامل هذا النمط المتكرر بتفوق المصالح الكبرى (البراغماتية) على الصغرى؛ ففي كل حالة تقريبًا، تم التضحية بالحليف الأصغر عندما تعارض مع علاقة استراتيجية أكبر أو مصلحة وطنية عليا. ويصب في هذه الخانة أيضًا مصالح النظام القائم نفسه (الإدارة الحاكمة)، الذي يخضع لتأثيرات الرأي العام والدورات الانتخابية، كما كان الحال في فيتنام وأفغانستان.
ويُضاف إلى هذه العوامل التغير في البيئة الجيوستراتيجية، ومنها على سبيل المثال نهاية الحرب الباردة، التي غيرت حسابات دعم الأنظمة الدكتاتورية. وفي الحالة السورية راهنًا، حُسم الصراع لمصلحة حليف أكثر قوة وأكثر قبولًا إقليميًا. وهنا نأتي إلى طبيعة الحليف، التي تحدد إلى مدى كبير مستقبل التحالف معه؛ فالحلفاء من غير الدول (مثل الجماعات العرقية أو الميليشيات) أكثر عرضة للتخلي، لأن العلاقة مع الدول ذات السيادة تعتبر أكثر استقرارًا واستراتيجية.
كما يمكن القول إن السياسة لا تستطيع الاعتماد على ما يتردد في الوعود الخطابية، ولا على الدعم السياسي والعسكري المقنن، وأنها في النهاية تخضع للضغوط البراغماتية، وهو ما يجعل ظاهرة التخلي عن الحلفاء "سمة هيكلية" في السياسة الخارجية الأميركية، وليست حالة عابرة، كونها تنبع من الطبيعة البراغماتية للدولة، وتواترها الدائم بين المثالية والواقعية، وبين الالتزامات الطويلة الأمد والحسابات المتغيرة قصيرة الأمد.
ويكمن التحدي الأكبر للولايات المتحدة في إدارة هذه التحولات بطريقة تحافظ على الحد الأدنى من المصداقية، وهو حد تفقده تدريجيًا، كما تظهر ردود فعل الحلفاء في أوروبا وآسيا على أحداث أفغانستان وأوكرانيا، ومؤخرًا بسبب لهجة الإدارة الأميركية الحالية وأطماعها التوسعية.