56 عامًا على رحلة "أبولو 11".. هل كان هبوط الإنسان على القمر زائفًا؟
"إنها خطوة صغيرة للإنسان، لكنها قفزة عملاقة للبشرية".. هكذا وصف رائد الفضاء الأميركي نيل أرمسترونغ هبوط رحلة "أبولو 11" على سطح القمر في 20 يوليو/ تموز 1969.
في ذلك اليوم، أصبح أرمسترونغ أول شخص يطأ سطح القمر، وانضم إليه زميله إدوين "باز" ألدرين، بينما بقي القائد مايكل كولينز يحلق بمركبة القيادة "كولومبيا" وحده في مدار حول القمر.
وأمضى أرمسترونغ وألدرين نحو ساعتين وربع الساعة في جمع 21.5 كيلوغرامًا من صخور القمر وعينات من تربته لدراستها في المعامل على الأرض. كما التقطا صورًا، بما في ذلك آثار أقدامهما على سطح القمر، وغرسا العلم الأميركي، وتحدّثا لبعض الوقت مع الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون.
وبعد ثلاثة أيام، عادت مركبة "أبولو 11" إلى الأرض، وسقطت في المحيط الهادئ غرب هاواي، حيث نقلتها وروّاد الفضاء الثلاثة حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس هورنت" (U.S.S. Hornet) إلى هيوستن، ووُضع الروّاد في الحجر الصحي لمدة ثلاثة أسابيع، قبل أن يُرحّب بهم في جولة شملت 21 دولة، تقديرًا لدورهم في فتح حقبة جديدة في استكشاف الإنسان للكون.
هذا المشهد بدا مثاليًا للغاية، لولا بعض نظريات المؤامرة التي اتّهمت الولايات المتحدة بتزييف الهبوط على القمر.
واستند المنظّرون إلى فكرة أن وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" قد تكون امتلكت دافعًا للكذب بشأن الهبوط، في ظلّ احتدام "سباق الفضاء" بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، وسعي كل طرف إلى أن يكون أول من يضع قدم الإنسان على سطح القمر.
وقد أثار نجاح الروس في إطلاق القمر الصناعي "سبوتنيك" إلى الفضاء في 4 أكتوبر/ تشرين الأول 1957 قلق المهندسين الأميركيين الذين اعتبروا أن الروس باتوا يقتربون من هدفهم.
وحينها، كانت واشنطن بحاجة إلى نصرٍ رمزي، وكان الهبوط على القمر السبيل الأمثل للتغلّب على الشيوعيين.
ويشير المشككون إلى أن "ناسا" كانت مصمّمة على التفوّق على روسيا بأيّ ثمن، حتى لو تطلّب الأمر مخرجًا سينمائيًا محترفًا لتصوير مشهد شبيه بهبوط روّاد الفضاء على القمر.
ورغم وجود مئات الأدلة التي تثبت هبوط الإنسان على القمر، لا تزال نظرية التزييف قائمة بعد مرور أكثر من 56 عامًا.
كيف بدأت نظرية المؤامرة حول هبوط الإنسان على القمر؟
في منتصف سبعينيات القرن الماضي، بدأت نظرية المؤامرة بالانتشار مع تراجع الحماسة الأولية لهبوط "أبولو 11". وبدأ البعض يزعم أن الولايات المتحدة لم تصل إلى القمر أصلًا، وأن "ناسا" كذبت من أجل التفوّق على السوفييت.
وازداد زخم النظرية عام 1976، حين نشر ضابط البحرية السابق بيل كايسينغ كتيبًا بعنوان "لم نذهب إلى القمر قط: خدعة أميركا بثلاثين مليار دولار" (We Never Went to the Moon: America's Thirty Billion Dollar Swindle).
كايسينغ، الذي لم تكن لديه أي معرفة بعلوم الصواريخ، عمل سابقًا كاتبًا تقنيًا في شركة "روكيتداين"، التي صنّعت محركات صاروخ "ساتورن 5" المستخدَم في إرسال الروّاد إلى القمر.
وجادل كايسينغ بأن احتمالات الهبوط الناجح على القمر ضئيلة للغاية، لدرجة أنّه كان من الأسهل تزييفه على خشبة مسرح. وسرعان ما اشتهر بلقب "أب نظرية خدعة القمر"، قبل أن يقر لاحقًا بأنه استخدم النظرية لحثّ الناس على التشكيك في السلطة.
كيف ساهم "مجتمع الأرض المسطحة" في نشر النظرية؟
بعد أربع سنوات من صدور كتيب كايسينغ، تبنّت "الجمعية الدولية لأبحاث الأرض المسطحة" هذه النظرية وروّجت لها.
وفي مقابلة عام 1980 مع مجلة ساينس دايجست، قال رئيس الجمعية تشارلز كينيث جونسون: "الحقائق بسيطة. الأرض مسطحة، ولا يمكنك الدوران حولها. مكوك الفضاء مجرد مزحة سخيفة للغاية".
كان جونسون متدينًا بشدة، ويعتقد أن العلم، ولا سيما استكشاف الفضاء، مجرّد محاولة لإخفاء حقيقة أن الأرض مسطّحة كما ورد في الكتاب المقدس. وأضاف أنّ الترويج لفكرة كروية الأرض "يجعل الكتاب المقدس بأكمله أضحوكة".
كما قدّم جونسون العديد من الادعاءات المثيرة الأخرى، مثل أن "موسى كان يؤمن بأن الأرض مسطحة"، وأن "كولومبوس كان يؤمن بذلك أيضًا".
وعن الهبوط على القمر وصور الأرض من سطحه، قال: "لم يكن أحد تقريبًا يعتبر العالم كرويًا. عمليات الهبوط دفعت نحو هذا الاعتقاد، لكنّ كثيرين عادوا اليوم إلى فكرة الأرض المسطّحة".
أبرز نظريات تزييف الهبوط على القمر
لم يكن الذهاب إلى القمر مهمة سهلة، كما أقرّ كايسينغ. وقد عبّر الرئيس الأميركي جون إف. كينيدي عن ذلك عام 1962 حين قال: "نختار الذهاب إلى القمر في هذا العقد والقيام بأمور أخرى، ليس لأنها سهلة، بل لأنها صعبة".
ومن هنا انطلقت نظريات مؤامرة عديدة، أبرزها:
-
أنّ "ناسا" استعانت بالمخرج ستانلي كوبريك والكاتب آرثر سي. كلارك، اللذين عملا معًا في فيلم "2001: ملحمة الفضاء" عام 1968، لتصوير مشهد الهبوط.
-
أن العلم الأميركي في الصور بدا وكأنه يرفرف، رغم انعدام الهواء على القمر.
-
أن الصور لم تُظهر أي نجوم في السماء.
-
أن أرمسترونغ وألدرين لم يكونا يحملان كاميرات، ورغم ذلك التُقطت صور عالية الدقة.
-
أن المركبة لم تثر غبارًا عند هبوطها، ولم تترك حفرة نتيجة انفجار الصاروخ.
-
أن الظلال في الصور بدت غير متسقة، ما يدلّ على استخدام إضاءة اصطناعية.
دحض "الأدلة" على زيف هبوط الإنسان على القمر
بحسب موقع allthatsinteresting، فإنّه لو كانت "ناسا" قد زوّرت الهبوط على القمر، لكان الاتحاد السوفيتي أول من يكتشف الزيف. فضلًا عن وجود أدلة كثيرة، منها صخور القمر، والتصوير بالليزر، والصور الحقيقية الموثّقة.
وفي 2019، ردّ المؤرخ السابق في "ناسا"، روجر لاونيوس، في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس، على الادعاء المتعلق بتحرّك العلم، قائلًا: "قرّرت ناسا استخدام عمود قائم الزاوية لإبقاء العلم منبسطًا، لكن أرمسترونغ وألدرين ثنياه قليلًا عن طريق الخطأ، ما جعله يبدو كأنه يتحرك".
وأضاف أن "الروّاد خافوا من سقوط سارية العلم بعد غرسها، فسارعوا إلى التقاط الصور، وكان لا يزال يتحرك".
أما عن غياب النجوم، فقالت عالمة الفلك إميلي درابيك-موندر من المرصد الملكي في غرينتش: إن الصور التُقطت في وضح النهار، وإن سرعة الغالق العالية منعت التقاط ضوء النجوم الخافت.
وأضافت أن "ناسا" استخدمت سرعة غالق عالية لتفادي فرط التعريض بسبب ضوء القمر الساطع.
كما أوضحت أن الكاميرات وُضعت على صدور أرمسترونغ وألدرين، لأن حملها باليد كان صعبًا بسبب البزّات.
وعن غياب الغبار، قالت موندر إن المركبة كانت تسير أفقيًا قبل الهبوط، وبالتالي لم تكن المحركات موجّهة إلى الأسفل لإثارة الغبار.
وأضافت: "عند ملامسة المركبة لسطح القمر، يمكن رؤية الغبار وهو يُقذف فعلًا".
وبشأن عدم وجود حفرة، قال لاونيوس إن روّاد الفضاء "لم يحتاجوا إلى انفجار كبير لتخفيف السرعة، فجاذبية القمر تعادل سدس جاذبية الأرض، وكان الهبوط ناعمًا".
وحول الادعاء باستخدام إضاءة صناعية، أوضح كل من لاونيوس ودرابيك-موندر أن سطح القمر، بما فيه من نتوءات وفوهات، يعكس الضوء بطرق مختلفة. كما أن الكاميرات المستخدمة كانت مزوّدة بعدسات واسعة الزاوية قد تُشوّه الأجسام.