الخميس 10 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

8 عقود على يوم العمل المباشر.. كلكتا والبروفة الدموية لتقسيم الهند

8 عقود على يوم العمل المباشر.. كلكتا والبروفة الدموية لتقسيم الهند

شارك القصة

تبدو كلكتا بعد 80 عامًا أشبه بـبروفة دموية لما سيحدث في صيف 1947 - غيتي
تبدو كلكتا بعد 80 عامًا أشبه بـبروفة دموية لما سيحدث في صيف 1947 - غيتي
تبدو كلكتا بعد 80 عامًا أشبه بـبروفة دموية لما سيحدث في صيف 1947 - غيتي
الخط
دعا "حزب الرابطة الإسلامية لعموم الهند" إلى "يوم العمل المباشر" للضغط من أجل إقامة باكستان، فتحولت التعبئة السياسية في كلكتا إلى واحدة من أسوأ موجات العنف.

في صباح 16 أغسطس/ آب 1946، لم تكن الهند قد قُسّمت بعد، ولا باكستان قد وُلدت، ولا الحدود التي ستفصل البنجاب والبنغال قد رُسمت، وكان البريطانيون لا يزالون يحاولون إيجاد صيغة للانسحاب من شبه القارة من دون تفكيكها.

لكن شوارع كلكتا، التي تُعرف اليوم بكولكاتا، قدمت في ذلك اليوم صورة قاتمة لما يمكن أن يحدث إذا انتقل الخلاف على شكل الدولة من طاولات المفاوضات إلى الأحياء والأسواق والشوارع.

دعا "حزب الرابطة الإسلامية لعموم الهند" إلى "يوم العمل المباشر" للضغط من أجل إقامة باكستان، فتحولت التعبئة السياسية في كلكتا إلى واحدة من أسوأ موجات العنف الهندوسي الإسلامي التي عرفتها "الهند البريطانية".

وخلال أيام قليلة قُتل نحو 4 آلاف شخص، وأصيب الآلاف، وتشرد عشرات الآلاف، وتختلف التقديرات الدقيقة، لكن الدراسات التاريخية تتفق على ضخامة الكارثة التي عُرفت لاحقًا باسم "مذبحة كلكتا الكبرى".

لم تكن أحداث كلكتا سبب تقسيم الهند وحدها، ولم يكن التقسيم في أغسطس/ آب 1946 قدرًا محسومًا، لكنها أظهرت كيف يمكن لخلاف سياسي حول الدولة والتمثيل والحدود أن يتحول إلى حرب بين الجيران.

ولهذا تبدو كلكتا، بعد 80 عامًا، أشبه بـبروفة دموية لما سيحدث في صيف 1947.

خطة أخيرة لإنقاذ الهند الواحدة

كانت بريطانيا قد خرجت من الحرب العالمية الثانية منهكة اقتصاديًا وسياسيًا، وأصبح استمرار حكمها للهند أكثر صعوبة. وفي مارس/ آذار 1946، أرسلت الحكومة البريطانية ما عُرف باسم "بعثة مجلس الوزراء" لمحاولة الاتفاق مع القوى الهندية على طريقة نقل السلطة وتشكيل الهند المستقلة.

وتوضح وثائق الأرشيف الوطني البريطاني أن المهمة جاءت صراحة للبحث في عملية نقل السلطة من الحكم البريطاني إلى الهنود، وكانت المشكلة أن أكبر قوتين سياسيتين في البلاد تنظران إلى مستقبل الهند من زاويتين مختلفتين.

تمسك "المؤتمر الوطني الهندي"، وأبرز قادته حينها جواهر لال نهرو، بدولة هندية موحدة ذات مركز قادر على الحكم، فيما رأى محمد علي جناح و"الرابطة الإسلامية" أن المسلمين يحتاجون إلى ضمانات سياسية أوسع، بعدما أصبحت فكرة إقامة وطن منفصل لهم تحت اسم باكستان محورًا أساسيًا في برنامج الرابطة منذ قرار لاهور عام 1940.

حاولت بعثة مجلس الوزراء الجمع بين الموقفين، فاقترحت هندًا موحدة ذات حكومة مركزية محدودة الصلاحيات، مع تجميع المقاطعات في كتل تمنح المناطق ذات الأغلبية المسلمة قدرًا كبيرًا من الاستقلال الذاتي.

لكن الخلاف على إلزام المقاطعات بهذه التجمعات وعلى صلاحيات الجمعية التأسيسية أعاد الطرفين إلى المواجهة، فسحبت الرابطة الإسلامية موافقتها على الخطة في 29 يوليو/ تموز، واتجه جناح إلى الضغط عبر "العمل المباشر".

كان المقصود إظهار القدرة الشعبية للرابطة خارج مسار المفاوضات عبر الإضراب والتظاهر والتجمعات الجماهيرية، حيث اختارت الرابطة 16 أغسطس/ آب يومًا للتحرك في أنحاء الهند دعمًا لمطلب باكستان.

غير أن اللغة السياسية شحنت الأجواء، وجاء التحرك في بلد كانت العلاقات بين جماعاته قد أصبحت شديدة التوتر. ومن بين معظم أنحاء الهند كلكتا كانت الاستثناء الكارثي.

لماذا انفجرت كلكتا تحديدًا؟

كانت كلكتا عاصمة البنغال، إحدى أكثر مناطق الهند تعقيدًا من الناحية السكانية والسياسية، حيث يشكل المسلمون أغلبية على مستوى مقاطعة البنغال، والمدينة نفسها تضم غالبية هندوسية كبيرة إلى جانب تجمعات مسلمة وأقليات أخرى وكانت أيضًا مركزًا تجاريًا وصناعيًا مكتظًا بالسكان.

وكانت حكومة البنغال في يد الرابطة الإسلامية، برئاسة حسين شهيد سهروردي، أحد أبرز قادتها في الإقليم.

حددت الرابطة تجمعًا جماهيريًا وسط كلكتا، وأعلنت حكومة البنغال 16 أغسطس/ آب عطلة عامة، فتدفقت حشود الرابطة إلى وسط المدينة للاستماع إلى سهروردي وقادة آخرين يؤكدون مطلب باكستان.

لكن تفسير الانفجار بمجرد دعوة الرابطة إلى التظاهر يبقى ناقصًا، إذ يشير المؤرخ جانام موخيرجي، إلى أن أحداث 1946 لا يمكن فصلها عن الخراب الاجتماعي الذي خلفته مجاعة البنغال عام 1943 والحرب العالمية الثانية.

كانت كلكتا مدينة تعيش تفاوتًا اقتصاديًا حادًا، وفقرًا واسعًا، واضطرابًا في الطعام والسكن والعمل. ولذلك لم يكن العنف طائفيًا فقط بل امتزج فيه الصراع على المناطق والنهب والانهيار العام لقدرة الدولة الاستعمارية على ضبط المدينة.

من مظاهرة إلى القتل في ساعات

بدأت الاشتباكات منذ ساعات الصباح، حيث تكشف شهادة محفوظة في الأرشيف الوطني البريطاني سرعة انهيار النظام في المدينة.

ففي نحو الساعة 11 صباحًا أطلقت الشرطة النار لتفريق حشود، ثم اندلعت مواجهات بين مجموعات هندوسية ومسلمة في الشوارع المجاورة. وبحلول الظهر أصبحت الاشتباكات منتشرة في الشوارع والأزقة من سيلداه إلى شامبازار.

بعد ذلك خرج العنف عن السيطرة، وتحولت الشوارع إلى مناطق تتنازعها مجموعات مسلحة بالعصي والسكاكين والأسلحة البدائية، واندلعت الحرائق وعمليات النهب، وسرعان ما انتقلت الهجمات خارج المشاركين إلى السكان الذين أصبح انتماؤهم الديني سببًا كافيًا لاستهدافهم.

تظهر صور في متحف الحرب الإمبراطوري البريطاني شوارع مغطاة بالحطام، وحواجز ودوريات وجثثًا تركت في بعض المواقع بعد انتهاء موجات العنف، وهي صور توثق حجم انهيار النظام في مدينة كانت قبل ساعات تمارس حياتها العادية.

واستمرت عمليات القتل  من 16 إلى 20 أغسطس من ذلك العام. وتشير تقديرات تاريخية متداولة في الدراسات الأكاديمية إلى مقتل ما لا يقل عن 4 آلاف شخص وإصابة نحو 15 ألفًا، فيما تقدر بعض المراجع عدد من فقدوا مساكنهم بنحو 100 ألف.

من بدأ المذبحة؟

اتهم خصوم الرابطة الإسلامية حكومة سهروردي بأنها وفرت الظروف المناسبة للانفجار، وانتقدوا قرار إعلان العطلة وطريقة تعامل الشرطة والسلطات مع أحداث اليوم. وبعد المذبحة، واجه سهروردي هجومًا سياسيًا شديدًا داخل المجلس التشريعي للبنغال، واتهمه خصومه بالتقصير، أو حتى بالتواطؤ مع مثيري الشغب.

في المقابل، رفضت الرابطة تحميلها المسؤولية الكاملة، وأكدت أن دعوتها كانت إلى تحرك سياسي وأن العنف شمل هجمات مضادة وعمليات انتقام نفذتها جماعات هندوسية أيضًا.

وتصف الدراسات الأكاديمية ما حدث بأنه تداخل بين الاستقطاب السياسي والعنف الطائفي والنهب والتنافس على السيطرة المكانية وعجز الدولة.

لكن المشكلة الأخطر لم تكن فقط في عدد القتلى، فقد اكتشف سكان المدينة أن الحي المختلط قد يصير خطرًا، وأن الجار يمكن أن يصبح جزءًا من "جماعة معادية"، وأن أفضل وسيلة للنجاة هي الانتقال إلى منطقة يسكنها أبناء الطائفة نفسها.

لم تبقَ الدماء داخل حدود كلكتا

في أكتوبر/ تشرين الأول 1946 اندلع عنف واسع في نواخالي وتيبيرا في شرق البنغال، استهدف فيه مسلمون هندوسًا ووقعت أعمال قتل ونهب وتهجير.

وتشير دراسة صادرة عن جامعة كامبريدج إلى أن أحداث نواخالي قُرئت جزئيًا باعتبارها امتدادًا وانتقامًا لما وقع للمسلمين في كلكتا، مع أن أسبابها المحلية كانت أعمق وترتبط أيضًا بالأزمة الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية في الريف.

ثم جاءت بيهار. وهناك تعرض مسلمون لمجازر ارتكبتها حشود هندوسية وسط خطاب انتقامي يستحضر أحداث كلكتا ونواخالي.

وتحولت الأخبار والصور والشائعات إلى وقود ينتقل بين المقاطعات: قتلى هنا يُستخدمون لتبرير قتل أشخاص لم يشاركوا أصلًا في الجريمة هناك.

ومع بداية عام 1947، وصلت موجات العنف إلى البنجاب ومناطق أخرى. وتشير الدراسات الخاصة بعنف البنجاب إلى أن كلكتا ونواخالي وبيهار ساهمت في تعميق الاستقطاب، فيما بدأت القوى السياسية والمجتمعية تستعد لاحتمال تقسيم المقاطعات والدخول في مواجهة حول الأرض والسكان.

بهذا المعنى، لم تعد المسألة سؤالًا نظريًا: هل يمكن للهندوس والمسلمين العيش داخل دولة واحدة؟ صار السؤال لدى أعداد متزايدة من السكان أكثر مباشرة: ماذا سيحدث لي إذا أصبحت أقلية في الدولة أو المقاطعة التي ستنشأ؟

كلكاتا
من أحداث الاشتباكات في كلكاتا عام 1946- غيتي
من أحداق الاشتباكات في كلكتا عام 1946 - غيتي

كيف أصبحت كلكتا "بروفة" للتقسيم؟

لم تكن هناك ورقة ترسم ما سيحدث في 1947، لكن كلكتا كشفت مبكرًا عن خمس آليات ستظهر بصورة أوسع خلال التقسيم.

الأولى هي تحويل الهوية الدينية إلى هوية سياسية ومكانية، فلم يعد الشخص مجرد هندي مسلم أو هندوسي يعيش في الحي نفسه مع الآخرين، وإنما أصبح موقع المنزل والمتجر والشارع مرتبطًا بسؤال الأغلبية والأقلية.

الثانية هي العنف الانتقامي، فالمجزرة لم تنتهِ حين توقف القتل في كلكتا؛ أصبحت ذكرى القتلى حجة تستخدم لتعبئة جماعات في نواخالي ثم بيهار ومناطق أخرى.

الثالثة هي التهجير باعتباره وسيلة للأمان حيث يبدأ السكان بالانتقال نحو مناطق يعتقدون أن جماعتهم قادرة على حمايتهم فيها. وستتحول هذه الحركة المحدودة لاحقًا إلى واحدة من أكبر عمليات النزوح في القرن العشرين حين قُسمت الهند.

الرابعة هي انهيار ثقة الناس بالدولة. ففي كلكتا ظهر مدى عجز الإدارة الاستعمارية والشرطة عن السيطرة سريعًا على العنف، ولذلك يرى موخيرجي أن اختزال المذبحة في "الكراهية الدينية" يغطي على فشل مؤسسات الحكم الاستعماري.

أما الخامسة، وربما الأخطر، فهي أن العنف بدأ يغير الممكن سياسيًا. فكل موجة قتل جعلت فكرة التعايش داخل المؤسسات نفسها أكثر صعوبة، وعززت مخاوف المسلمين من حكم أغلبية هندوسية، كما عززت لدى الهندوس والسيخ الخوف من أن يجدوا أنفسهم داخل باكستان.

حتى فكرة تقسيم البنغال والبنجاب نفسها أصبحت أكثر حضورًا: إذا كانت الهند ستقسم بين دولة هندوسية بأغلبيتها وباكستان ذات أغلبية مسلمة، فلماذا تبقى مقاطعات مختلطة مثل البنغال والبنجاب موحدة؟

حدود لم تكن رُسمت بعد

ظلت السياسة الهندية طوال أشهر تبحث عن ترتيبات مختلفة، ودخلت الرابطة الإسلامية لاحقًا الحكومة الانتقالية. كما استمرت النقاشات حول مستقبل البنغال والبنجاب وشكل العلاقة بين المناطق المسلمة والهندوسية. لكن هامش التسويات أخذ يضيق كلما ارتفعت كلفة العنف والخوف المتبادل.

وبحلول عام 1947 كانت بريطانيا قد انتقلت من محاولة الحفاظ على الهند ضمن بنية واحدة إلى قبول تقسيمها.

وفي أغسطس من ذلك العام وُلدت دولتان مستقلتان، الهند وباكستان، وقُسمت البنغال والبنجاب أيضًا، ثم جاءت الكارثة على نطاق يفوق كلكتا كثيرًا.

تقسيم الهند
لاجئون هنود يتكدسون على القطارات بعد إنشاء دولتين مستقلتين، الهند وباكستان- غيتي
لاجئون هنود يتكدسون على القطارات - غيتي

انتقلت ملايين الأسر عبر الحدود الجديدة، فيما اجتاح العنف الطائفي مساحات واسعة، خصوصًا في البنجاب، وأصبحت القطارات والطرق والقرى والمدن جزءًا من عملية هجرة قسرية وقتل جماعي تركت جرحًا عميقًا في ذاكرة الهند وباكستان.

لكن قبل عام واحد من تلك اللحظة، كانت كلكتا قد أعطت التحذير.

فالحدود التي رسمت على الخريطة في أغسطس 1947، بدأ بعضها قبل ذلك في الشوارع: حين صار الناس يسألون أي حي لهم وأي حي للآخرين، ومن يمكنه المرور في هذا الطريق، ومن ينبغي أن يغادر منزله كي يبقى حيًا.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي