على غير ما هو معتاد في العلاقة بين أنقرة وبغداد، تتسارع خطى التقارب بين تركيا والعراق. ثمة متغيرات جيوسياسية تدفع البلدين باتجاه بعضهما البعض، وثمة مصالح سياسية واقتصادية تأخذ مسؤولي البلدين إلى آفاق جديدة في العلاقة بينهما.
قبل أقل من شهر تقريبًا، وتحديدًا في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2025، زار وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين أنقرة. واليوم يعلن الوزير حسين، في مؤتمر صحفي مشترك مع ضيفه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من العاصمة بغداد، عن التوصل إلى اتفاق حول آلية تنفيذية خاصة باتفاقية التعاون الإطارية مع تركيا في مجال المياه، الموقّعة في أبريل/ نيسان 2024 خلال زيارة الرئيس التركي إلى بغداد.
كما تم توقيع وثيقة أخرى حول آلية تمويل مشاريع البنى التحتية للمياه في العراق. وذكرت مصادر مقربة من وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن وثيقة الآلية تتضمن الترتيبات التي ستمكّن من التطبيق الفعلي لـ"اتفاقية التعاون الإطارية في مجال المياه"، وأن الشركات التركية ستقدّم عروضها لبناء مشاريع البنى التحتية للمياه، على أن تُستوفى كلفتها من رصيد عائدات النفط العراقي الموجودة في البنوك التركية.
ملف المياه.. عنوان التقارب الجديد
إذًا، العنوان الجديد في التقارب بين أنقرة وبغداد هو حلّ مشكلة شحّ المياه للشعب العراقي وترشيد استهلاك حصته من المياه. وإلى جانب ذلك، كان ملفان حاضرين بقوة في زيارة فيدان إلى العراق: ملف "مسار تركيا خالية من الإرهاب" وما يترتب عليه من إنهاء وجود حزب العمال الكردستاني وامتداداته في كلّ من سوريا والعراق، بالإضافة إلى ملف النفط والطاقة بما فيه الغاز والكهرباء.
وفقًا للتصريحات المعلنة، يبدو أن تركيا تعطي ولا تأخذ في ملف المياه الذي ظلّ مؤرقًا للشارع العراقي وحكوماته منذ عام 2005 وحتى اليوم. لكن ما تقتضيه المصالح في العلاقات الدولية قد يكون عكس ذلك؛ فطموح أنقرة واضح لدول الجوار في أن تجفّف أي وجود للتنظيمات التي تهدد أمنها القومي، وعلى رأسها حزب العمال الكردستاني وأذرعه في المنطقة، وأن تحصل على تعاون جدّي من دول الجوار بهذا الشأن. وقد اتّضحت معالم هذا التعاون مع بغداد طيلة العام المنصرم، وفي زيارة فؤاد حسين الأخيرة إلى أنقرة قبل أقل من شهر.
ورقة انتخابية في يد محمد شياع السوداني
زيارة فيدان إلى بغداد، وما حملته من توقيع تفاهمات، جاءت كورقة جديدة في يد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، المنافس الأقوى لنوري المالكي في الانتخابات البرلمانية المنتظرة بعد بضعة أيام.
قد تتعرّض زيارة فيدان لانتقادات تتعلق بتوقيتها، إذ درجت العادة في الأعراف الدبلوماسية والعلاقات الدولية على تجنّب هكذا زيارات قبيل أي استحقاق انتخابي في بلد ما، مخافة أن تُفهَم كدعم لفريق متنافس على حساب آخر، أو على حساب توازن العلاقات بين البلدين. لكن الزيارة هذه المرة لم تكن مرتبطة بملف سياسي طارئ، بل قدّمت حلًا سريعًا لمشكلة المياه التي تمسّ السواد الأعظم من الشعب العراقي، وستُحسب في رصيد السوداني كونه أشرف على حلّ هذا الملف مع تركيا، نظرًا لتعثر التفاهم مع أنقرة منذ عام 2005 حول الحصة العراقية من المياه.
تحالفات سنية برعاية أنقرة
تضمنت زيارة فيدان إلى بغداد لقاءات مكثفة مع عدد من الفاعلين في الداخل العراقي، من بينهم رئيس الحشد الشعبي وممثلون عن الكتلة التركمانية في العراق. وهنا يمكن الإشارة إلى قدرة أنقرة على التأثير في نسج تحالفات سنّية داخل العراق، لما تربطها من علاقات جيدة مع التركمان والأكراد، وكذلك مع رئيس تحالف السيادة خميس خنجر المعروف بقربه من أنقرة.
وليس خافيًا أن إيران تضع ثقلها إلى جانب الرجل القوي في الإطار الشيعي نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون. في المقابل، فإن جزءًا كبيرًا من المحور الدولي والإقليمي، ومنه الولايات المتحدة والدول الأوروبية الغربية وتركيا والسعودية والإمارات وسوريا، قد يفضّل ترشيح السوداني لولاية ثانية. لكن، ومع تراجع حظوظ السوداني، قد يحتاج الأخير إلى تحالفات مع الفائزين بمقاعد البرلمان من المكوّنات السنية القريبة من تركيا، ومن هنا يمكن أن تُفهَم زيارة فيدان بوصفها دعمًا غير مباشر للسوداني في الاستحقاقات القادمة.
دور تركي صاعد في العراق والمنطقة
إذًا، الدور التركي آخذ في التوسع إقليميًا. فبعد حضور أنقرة السياسي وتأثيرها في المشهد السوري، بدأت تتضح قدرتها على إحداث تغيير في المشهد العراقي الذي بقي لنحو عشرين عامًا تحت تأثير واضح ومباشر لطهران. يبقى السؤال: هل تكون نتائج الانتخابات العراقية المقبلة كما تشتهي أنقرة وترغب، فتتحول تركيا إلى لاعب رئيسي في ملء الفراغ الحاصل عقب انكفاء إيران على نفسها تحت تأثير الضربات الإسرائيلية؟
وهل تُعَدّ قوة تركيا الاقتصادية ونمو قدراتها العسكرية الوطنية عاملين حاسمين في ولادة هذا الدور المتعاظم لتركيا، أم أن الأمر جاء بتوافق غربي أميركي فرضته المتغيرات الدولية والمخاوف من تجارب روسيا النووية، ورغبة الرئيس الأميركي في منح أنقرة مساحة إقليمية جديدة مقابل تفاهمات حول المعادن الثمينة الدفينة في تركيا، ودورها في الوصول إلى اتفاق بشأن غزة؟
إن صحّ أن هذا الدور موكول إلى أنقرة، فقد يفتح ذلك الباب أمام تكهّنات بتمدد الحضور التركي الجديد في عدد من الدول الإقليمية مثل لبنان والسودان. وتبقى هذه التوقعات رهن ما ستكشفه الأيام القادمة، فهي وحدها القادرة على إثبات ذلك من عدمه.