كانت الأصوات مرعبة في طهران. بعد منتصف الليل، تتالت الانفجارات المدوية، فاستيقظ سكان العاصمة الإيرانية من نومهم. هرعت ليلى تحمل حقيبة طوارئ أعدّتها مسبقًا مع زوجها، وركضت خارج المنزل.
ما إن التقطت أنفاسها خارج المبنى حتى اتصلت بمصطفى، وسألته لاهثة: "أين يقصفون؟". أجابها مستغربًا: "أين؟ لا يوجد قصف.. إنه رعد وبرق". ولم يكد ينهي كلماته محاولًا تهدئتها، حتى انهمرت الأمطار بغزارة.
ليل الرعب في طهران
في تلك الليلة، اختلطت الأصوات على كثيرين، بين دويّ المقاتلات والمسيّرات والصواريخ الإسرائيلية - الأميركية، وصوت الرعد.
كان ذلك يوم الثلاثاء الأخير من العام الإيراني، وهو يوم اعتاد الإيرانيون منذ قرون إحياء ليلته بإضرام النيران والقفز فوقها والاستمتاع بالألعاب النارية. لكن هذا العام، حذّرت السلطات من هذه المظاهر، إذ لم تكن طهران ولا مدن إيرانية أخرى بحاجة إلى مزيد من أصوات التفجيرات والمفرقعات.
وجاء ذلك بالتزامن مع دعوات أطلقها "رضا بهلوي" لأنصاره للتحرك، بما في ذلك العمل المسلح، تزامنًا مع احتفالات "تشهارشنبه سوري" - (أربعاء الاحتفال) - في عموم البلاد. وهو ما قابلته السلطات بتنظيم تجمعات شعبية في الساحات العامة، استمرت من قبل الإفطار حتى قبيل السحور.
وإذا كانت أصوات المقاتلات والرعد قد اختلطت في سماء طهران، فإن الغيوم التي اقتربت لتعانق جبال العاصمة، بعد ليلة باردة بطقسها وساخنة بقصفها، تداخلت مع دخان متصاعد من نقاط مختلفة في المدينة.
في تلك الأثناء، كانت الحرب قد دخلت يومها الثامن عشر، وهي حرب بدأت باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من القادة العسكريين، ونفذتها إسرائيل والولايات المتحدة، قبل أن تتطور سريعًا إلى حرب إقليمية، كما كانت طهران قد حذّرت سابقًا.
ولم تقتصر الغارات الإسرائيلية - الأميركية على أهداف عسكرية، بل طالت أيضًا مناطق سكنية، إلى جانب مخافر ومراكز شرطية وأمنية وحكومية وثكنات عسكرية.
في المقابل، واصلت إيران إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة، إضافة إلى استهداف مصالح الولايات المتحدة في مناطق غير عسكرية داخل دول خليجية، فضلًا عن استمرارها في التحكم بمضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية.
حرب على البشر والحجر
كان الحذر والترقب يهيمنان على المشهد داخل إيران. ومع ذلك، نجحت إسرائيل في اغتيال علي لاريجاني، أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وقائد قوات التعبئة (الباسيج). وأكدت هذه الاغتيالات استمرار الثغرة الأمنية التي كشفت عنها حرب الاثني عشر يومًا في يونيو/ حزيران 2025، ما يشير إلى أنها لا تزال قائمة حتى الآن.
وكانت أصوات القصف مدوية ليلًا، حيث كتبت إحداهن على حسابها في إنستغرام: "كانت الأرض تهتز يوم أمس. كانوا يستهدفون أنفاقًا أو منشآت محصنة تحت الأرض".
واهتزت الأرض بالقذائف أكثر من مرة في مناطق مختلفة من إيران، فيما تطايرت الشظايا مخلفة أضرارًا جسيمة طالت البشر والممتلكات، إذ اقتُلعت الأشجار وتهدمت الحجارة.
وخلال زيارتي إلى قصر كلستان وسط طهران، وأخرى إلى مجمع قصور سعد آباد التاريخي، بدت الأضرار واضحة وكبيرة. كما أظهرت صور ومقاطع فيديو من أصفهان ومدن إيرانية أخرى حجم الدمار. وأكدت وزارة السياحة الإيرانية تضرر نحو 56 معلمًا سياحيًا جراء الحرب.
استحضار الذكريات
أدّى انقطاع الإنترنت، الذي لم يستثنِ الصحفيين هذه المرة، إلى إتاحة وقت أطول للتواصل المباشر، ما منح الحاج مهدي فرصة للجلوس مع أصدقائه واستعادة ذكرياته إبان الحرب الإيرانية - العراقية، التي شارك فيها بعد تزوير تاريخ ميلاده في هويته، إذ كان يبلغ آنذاك الثالثة عشرة من عمره.
يقول الحاج مهدي:
"حاربنا لسنوات، وكان كثير من الشباب يزوّرون هوياتهم كما فعلتُ دفاعًا عن الوطن. لم نكن نملك شيئًا".
ويستفيض في حديثه عن نجاته مع عدد قليل من رفاقه بعد استهداف كتيبتهم في أحد أيام الحرب، مشيرًا إلى أن أحد الناجين يقيم حاليًا خارج إيران، ورغم إيمانه بالإيديولوجيا الحاكمة، فإنه من أشد المنتقدين لما آلت إليه الأوضاع في البلاد.
ويضيف: "لكننا اليوم نملك الكثير.. الصواريخ والمسيّرات، ولا شك أننا سننتصر في هذه الحرب".
النوروز على الأبواب
كان الإيرانيون يستعدون لنوروزهم، رأس السنة الإيرانية، عيد الأعياد في البلاد. ويحل هذا العام في ظل أوضاع استثنائية، يرفع فيها الإيرانيون أكفّ الضراعة أكثر من أي وقت مضى، وهم يجلسون حول مائدة "السينات السبع"، مرددين: "يا مقلب القلوب والأبصار، يا مدبر الليل والنهار، يا محول الحال والأحوال، حوّل حالنا إلى أحسن حال".
وبدت الاستعدادات هذا العام مختلفة؛ أعلام الحداد والانتقام ترفرف في سماء طهران، فيما تشهد الأسواق ازدحامًا مع اقتراب العيد. يمتزج الحزن بالأمل، وكأن الإيرانيين ينتظرون فعلًا "نو روز".. يومًا جديدًا.
طهران بين الحداد والأمل
غريبة هي إيران؛ حتى في الحرب تحافظ على تناقضاتها. حشود لم تغادر الساحات منذ اليوم الثاني للحرب، فيما يجلس آخرون في بيوتهم يراقبون الشاشات المشوشة ويبحثون عن وسيلة للتواصل مع الخارج. اختار بعضهم مغادرة العاصمة، بينما لم يتمكن آخرون من ذلك، إذ ترخي الأوضاع الاقتصادية الصعبة بظلالها على البلاد منذ أشهر، بالتزامن مع اعتقالات بالمئات منذ اندلاع الحرب لمن تصفهم الاستخبارات الإيرانية بالمتآمرين أو المرتزقة أو الجواسيس. وبين مؤيد حاضر في الشوارع، ومعارض صامت في الغالب، وآخر رمادي لا يتبنى موقفًا واضحًا، ينتظر الجميع نهاية الحرب.
في طهران، قد لا ترى الحرب، لكنك تشعر بها؛ في مسحة الحزن التي تغمر المدينة، وتشمها في رائحة البارود، خصوصًا بعد استهداف خزانات وقود في ثلاث جهات تحيط بالعاصمة: شرقًا وغربًا وجنوبًا. تقرأها في وجوه سائقي توصيل الطلبات وسيارات الأجرة؛ لم تتغير أجورهم، لكن ملامحهم باتت باهتة بلا لون.
بالقرب من طهران، في مناطق الاصطياف المعروفة مثل فشم ولواسان، أغلقت معظم المطاعم والمتنزهات أبوابها. ومع ذلك، لجأت بعض العائلات إلى مزارعها هناك، بعيدًا عن مخاطر العاصمة. في تلك المناطق، لا يكسر صوت خرير مياه نهر جاجرود سوى هدير المقاتلات الإسرائيلية المتجهة نحو طهران. يقول أحد السكان:
"نسمع أصوات المقاتلات، ثم تفعيل الدفاعات الجوية، وبعدها دوي انفجارات قادمة من طهران". ويضيف: "أحيانًا أتصل بأقربائي وأصدقائي في طهران، وأخبرهم أنهم سيَسمعون انفجارات بعد دقائق".
ورغم ذلك، في طهران لا تُرى الحرب بسهولة، لاتساع المدينة. الاستهدافات كثيرة، وكذلك الوحدات السكنية والتجارية المتضررة، التي يُقدّر عددها، حتى اليوم العشرين للحرب، بنحو 45 ألفًا في عموم إيران. جولة في الشوارع والأزقة تكشف جانبًا من المشهد؛ إذ طالت الضربات، إلى جانب الثكنات العسكرية والمقار الأمنية، مراكز شرطية ومقار لقوات التعبئة ومدنًا صناعية ومبانٍ سكنية عديدة.
في طهران، يجتمع الحداد مع الأعياد؛ حزن يولّد غضبًا لا يراد له أن ينتهي، وأمل يولد رغم تعقّد المشهد إقليميًا ودوليًا، في ظل سياسات تتبدل مع تقاطع تحركات العسكر والساسة في إيران.
بين الصواريخ والسياسة ومآلات ما بعد الحرب
في اليوم العشرين للحرب، وبعد أن امتدت المعركة إلى منشآت الطاقة، بما يشمل النفط والغاز والبتروكيماويات، تصاعدت حدة التوترات في العلاقات الإيرانية الخليجية إلى مستويات قد يصعب ترميمها لاحقًا. وفي تطور لافت، أعلنت إيران للمرة الأولى إصابة مقاتلة من طراز "إف-35"، دون إسقاطها.
في المقابل، كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن أهداف الحرب، قائلًا:
"القضاء على صواريخ إيران ومشروعها النووي، وتهيئة الظروف أمام الشعب للإطاحة بالنظام... تعهدتُ بتغيير الشرق الأوسط وقد فعلنا ذلك، وإسرائيل باتت قوة إقليمية عظمى".
على الجانب الآخر، سخر النظام الإيراني من التصريحات الإسرائيلية - الأميركية. ويقول رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف:
"بحسب ادعاءات الأعداء، تم تدمير 320% من قدراتنا الصاروخية".
ورغم الاغتيالات التي استهدفت قمة هرم النظام الإيراني، وامتدت إلى قادة عسكريين ومسؤولين سياسيين، فإن تقويض النظام لا يزال يبدو بعيد المنال. وفي هذا السياق، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميزوري، مهرداد بروجردي، لصحيفة "لوموند" الفرنسية:
"تُقدّر النخبة السياسية في إيران بنحو 2800 شخص، ولم يُقتل خلال الحرب الجارية سوى ستة أو سبعة منهم... لن يثور الإيرانيون لمجرد القضاء على عدد من المسؤولين".
في موازاة ذلك، تبدو إيران وكأنها تتهيأ لمرحلة ما بعد الحرب. ويقول محمد مخبر، مساعد المرشد الإيراني: "بعد انتهاء الحرب، ومن خلال إرساء نظام جديد لإدارة مضيق هرمز، ستنتقل إيران من موقع الخاضعة للعقوبات إلى موقع القوة في المنطقة والعالم. وباستغلال الموقع الاستراتيجي للمضيق، يمكن فرض عقوبات على من يفرض علينا عقوبات، ومنع سفنهم من المرور عبر هذا الممر المائي". كما أشار نواب في البرلمان الإيراني إلى توجه مماثل، من خلال دراسة مشروع قرار يتبنى هذه المقاربة.
-
من المؤكد أن ما بعد هذه الحرب لن يكون كما قبلها. تغييرات عميقة، أمنية واقتصادية وثقافية وإعلامية، ستشهدها إيران والدول المنخرطة في الصراع، بل والمنطقة والعالم بأسره. ومع ذلك، تبقى مآلات هذه التحولات واتجاهاتها مرهونة بنهايات الحرب، وهي نهايات لا تزال غامضة، ولا يملك أحد تصورًا واضحًا لها حتى الآن.