على توقيت المسيرات الإسرائيلية يضبط لبنان ساعته. فبعدما كانت رسائل تل أبيب تصل عبر “البريد” الأميركي، باتت حركة طائرات الاستطلاع والاستهداف التي لم تفارق سماء لبنان، من الجنوب إلى البقاع مرورًا بالعاصمة وفي محطةٍ رئيسية فوق القصر الرئاسي، والغارات العنيفة، بمثابة رسالة تهديد مباشرة كما قرأها المسؤولون اللبنانيون، ومفادها: التصعيد آتٍ.
الحرب المفتوحة مُستبعَدة؟
بحسب ما يقول محسوبون على حزب الله لموقع التلفزيون العربي، فإنّه من غير المرجّح أن يرقى هذا التصعيد إلى مستوى حرب شاملة، وذلك لأسباب عدّة: أوّلها أنّ الولايات المتحدة لم تتخلَّ نهائيًا عن لبنان بعد، والرئيس الأميركي دونالد ترمب يسعى، قولًا، إلى إحلال السلام، فيما يمضي لبنان بحكومته، بما تعهّد به في إطار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. وعليه، فإنّ إسرائيل ستُمارس ضغوطًا إضافية لا تصل إلى حدّ الحرب المفتوحة.
إلا أنّ إسرائيل، التي تستعدّ لفصلٍ جديد ميداني وسياسي في غزة وتعوِّل على المفاوضات مع سوريا، تنظر إلى لبنان بوصفه "الملف المقبل". وهي تريد مقاربة هذا الملف من موقع قوّة، والجلوس إلى طاولة المفاوضات بوصفها الطرف الذي يفرض التنازلات.
وتعتبر إسرائيل أنها انتصرت في حربها على لبنان وتمتلك أوراق ضغط أكبر على عكس موقفها في غزة؛ ففي لبنان لا أسرى إسرائيليين لدى حزب الله على خلاف واقع الحال في غزة، أو حتى وضعها في لبنان عقب حرب عام 2006. من هنا، تعتقد تل أبيب أنّ خسائرها ستكون محدودة على حدودها الشمالية في أي مواجهة مقبلة مع لبنان.
إسرائيل ترسم سيناريو المرحلة المقبلة
بناءً على ما تقدّم، يبدو أنّ إسرائيل رسمت سيناريو للمرحلة المقبلة. فمع أنّ تركيزها الراهن يصبّ على إنهاء المرحلة الأولى من الاتفاق في غزة والدخول في المرحلة الثانية، فإنها تبقي الجبهة الشمالية في حساباتها، وقد تسعى، بضوء أخضر أميركي أو من دونه، إلى توسيع حدود نفوذها شمالًا مع لبنان، وفي الشمال الشرقي مع سوريا، بعمقٍ أكبر مما هو عليه اليوم.
في هذا السياق، يشير مصدر مطّلع إلى أنّ إسرائيل، ومن باب تحسين شروطها لأي مفاوضات مقبلة مع لبنان، مباشرة كانت أو غير مباشرة، قد تُقدم في الأيام المقبلة على توسيع النطاق الجغرافي لتواجدها داخل الأراضي اللبنانية وصولًا إلى عمق عشرة كيلومترات. ويترافق ذلك مع استمرار الاعتداءات وتصاعد وتيرة الغارات التي قد تصل إلى الضاحية الجنوبية، كوسيلة ضغط تُجبر الحكومة اللبنانية على العودة إلى طاولة المفاوضات وفرض اتفاقٍ أمنيّ يمنح إسرائيل حق استخدام القوّة متى تشاء.
ورغم أنّ الواقع الحالي لا يمنعها عمليًا من ذلك، فإنها تسعى إلى تكريسه في اتفاقٍ رسميّ يبدو تحقيقه مستحيلًا.
"مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل"
بالتوازي مع كلّ ذلك، أبدى الرئيس جوزيف عون استعداد لبنان للمضيّ في المفاوضات، وقد قارب هذا الخيار انطلاقًا من الإجماع العربي على اتفاق غزة وإمكان أن يشكّل هذا التلاقي الإقليمي مدخلًا وفرصة لإيجاد حلّ في لبنان أيضًا.
فوسط التحولات في المنطقة، سعى لبنان، بشخص الرئيس عون، لإحياء مفاوضات غير مباشرة بعد تعثّر مسعى المبعوث الأميركي توم براك. غير أنّ المواقف الداخلية، لدى حزب الله ومعه رئيس البرلمان نبيه بري، أعادت الكرة إلى مربّع السابع والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.
هنا طُرحت أسئلة حول مضمون المفاوضات: هل تهدف إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية وإعادة الأسرى والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وصولًا إلى ترسيم الحدود البرّية وحلّ إشكالية النقاط المتنازع عليها؟
في هذا السياق، تقول أوساط سياسية مقرّبة من حزب الله، لموقع "التلفزيون العربي"، إنّ العودة إلى تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار كفيلة بتحقيق ذلك من دون مفاوضات جديدة؛ إذ هناك اتفاقٌ قائم ولجنة لمراقبة تنفيذه، وما عدا ذلك فالحزب غير معنيّ به، كما لم يكن معنيًا بورقة توم براك قبلها.
غياب الوساطة ومخاطر الميدان
في المحصّلة، فإنّ الجلوس إلى طاولة المفاوضات لن يكون قريبًا في ظلّ غياب طرفٍ ثالث مستعدّ للعب دور الوسيط بعد انسحابٍ أميركيّ غير مُعلن منه، واصطدام المسعى الفرنسيّ للدخول على خطّ رعاية أي اتفاق برفضٍ إسرائيليّ. وعليه، يتعاظم الخوف من مؤشراتٍ ميدانية تصعيدية، ومن عدم التعويل على دور “الميكانيزم” الذي لم يُحدث أي خرق منذ أحد عشر شهرًا. وإذا كان الرئيس الجديد للجنة، الجنرال جوزيف كليرفيلد، يطمح إلى وقف الأعمال العدائية كما يقول، فإنّ تجارب أسلافه لا تبشّر بإحداث اختراقٍ في الواقع الذي فرضته إسرائيل.
في هذا الوقت الضائع الذي يعيشه لبنان، ومع الخشية من عزلةٍ محتملة خصوصًا وأنّ لبنان يبدو خارج معظم الاتفاقيات الجارية في المنطقة، يبرز السؤال عمّن يمكن أن يحمل كرة نار الوساطة إذا استمرّ الموقف الأميركي على حاله. هذا دورٌ يحتاج إلى طرفٍ قادر على التواصل مع الجميع. وبالتوازي، يبقى تعويل رؤساء الجمهورية والبرلمان والحكومة على الدور الذي يمكن أن تلعبه “اللجنة الخماسية” على الصعيد السياسي والدبلوماسي (تضم سفراء الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وقطر ومصر والسعودية). ورغم أن دورها الرسمي انتهى مع انتخاب رئيسٍ للبلاد، فإنّ تمنيات المسؤولين اللبنانيين هي أن تُبقي اللجنة على اجتماعاتها الدورية لمواكبة المرحلة الراهنة.
باختصار، هي المرحلة الأدقّ بالنسبة إلى لبنان، وسط إجماعٍ داخليّ وخارجيّ على أننا مُقبلون على أيامٍ صعبة ستحمل رسائل إسرائيلية أمنية متصاعدة، مع الخوف من غياب صلة وصلٍ قادرة على منع الانزلاق إلى مواجهةٍ مفتوحة.