السبت 14 مارس / مارس 2026
Close

إسرائيل تهدّد... لأنّ سوريا تتغيّر

إسرائيل تهدّد... لأنّ سوريا تتغيّر

Changed

شارك القصة

تحاول إسرائيل رسم "خط أحمر" قبل أن تتّضح ملامح السلطة الجديدة في دمشق - غيتي
تحاول إسرائيل رسم "خط أحمر" قبل أن تتّضح ملامح السلطة الجديدة في دمشق - غيتي
الخط
تهديدات تل أبيب لسوريا تعكس توجّسًا من تحوّل بطيء لكن عميق؛ دولة تستعيد حدودها، وملفات مؤجّلة تعود إلى الطاولة، وحدود تتحوّل من ساحة عسكرية إلى مساحة سياسة

بدت الجملة التي تناقلتها القناة 12 الإسرائيلية كأنها خرجت من مكانٍ مكتوم داخل المؤسسة الأمنية. عبارة قصيرة، لكنها تحمل ثِقل مرحلة كاملة:

إسرائيل تتابع ما يجري في سوريا، وإذا تخطّى السوريون الخط الأحمر، فإنّ تل أبيب "تعرف كيف تتصرف".

لا شيء جديدًا ظاهريًا؛ إسرائيل اعتادت صياغة "خطوطها الحمراء". لكنّ الزمن الذي قيلت فيه الجملة ليس هو الزمن الذي صيغت فيه تلك المعادلة قبل عشر سنوات، وهذا وحده يجعل التصريح أكثر جديّةً ممّا يبدو.

جنوبٌ يتبدّل بهدوء

قد تكون إسرائيل أوّل من استشعر أنّ سوريا، بعد سقوط النظام، تسير في اتجاهٍ مختلف.

الجنوب، الذي ظلّ مساحةً رخوة لسنوات، لم يعد كذلك. وبقدر ما شهدته تلك المنطقة من انهيارٍ وتشتّت، إلّا أنّ ما يجري اليوم في القنيطرة ودرعا يشي بمرحلةٍ يجري بناؤها بهدوء.

عودة إدارةٍ مدنية، محاولات لترتيب الأمن، وجمهور يتحرّك دون انتظار إشارةٍ من خارج الحدود؛ في تفاصيل كهذه يكمن جوهر القلق الإسرائيلي الحقيقي.

فيديو يشرح مسار التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري منذ سقوط النظام وحتى اليوم

من القوّة العسكريّة إلى لعبة السياسة

عقل الأمن في إسرائيل لا ينزعج من وجود قوّةٍ عسكرية هنا أو هناك، فهذا أمر اعتادت التعامل معه. ما يقلقها هو المسار الاجتماعي والسياسي الذي يعيد تشكيل الجنوب.

المنطقة التي أرادتها تل أبيب هامشًا ساكنًا، تتحوّل أمامها تدريجيًا إلى مجالٍ سياسي، وكلّ مجالٍ سياسي يحمل في داخله بذرة قرارٍ مستقل، وإسرائيل لا تتسامح مع فكرة القرار المستقل في مكانٍ يلاصق حدودها.

إسرائيل كشفت قلقها قبل أن تكشف قوّتها. والبلد الذي يعترف بقلقه، يعترف ضمنيًا بأنّ الآخرين يتغيّرون بطريقةٍ لا تلائم حساباته

التهديد الإسرائيلي يعبّر عن إدراكٍ متأخّر لحقيقةٍ تتشكّل بصمت: سوريا، رغم النزيف الطويل، تتّجه نحو نوعٍ من التماسك المجتمعي والمؤسسي.

ليس تماسكًا كاملاً، ولا سريعًا، ولا بالضرورة مستقرًا، لكنه يضع البلاد على خطٍّ مختلف عن خطّ الحرب الذي اعتادت إسرائيل التعامل معه. وحين يتغيّر هذا الخط، تتغيّر معه الحسابات العسكرية.

حرب الظلال لم تعد مريحة

منذ سنواتٍ استخدمت إسرائيل الجنوب بوصفه نافذة عبور لعملياتها المباشرة وغير المباشرة. حرب الظلال كانت مريحةً لها: ضربات دقيقة، رسائل صامتة، وإيقاع ثابت لا يحتاج إلى تفسير.

اليوم، تتغيّر الأرض تحت قدميها. فالسلطة السورية الجديدة ليست استمرارًا للنظام السابق، ومع ذلك لا تحمل ملامح خصومةٍ عقائدية مباشرة معها.

هذا التعقيد يزيد قلق تل أبيب، لأنّ التعامل مع خصمٍ واضح أسهل بكثير من التعامل مع حيّزٍ سياسي يبحث عن توازنٍ جديد.

حرب الظلال كانت مريحة لإسرائيل لكنّ الأرض تتغيّر تحت قدميها اليوم - غيتي
حرب الظلال كانت مريحة لإسرائيل لكنّ الأرض تتغيّر تحت قدميها اليوم - غيتي

خوفٌ من المستقبل لا من الحاضر

التصريح نفسه يكشف أنّ إسرائيل تفضّل أن تضع حدودًا مسبقةً للمرحلة المقبلة قبل أن تتّضح معالمها النهائية؛ تريد رسم خطٍّ أحمر حتى قبل أن تعرف ما الذي ستفعله دمشق فعليًا.

وهذا السلوك هو ما يميّز الدول التي تخشى المستقبل أكثر من الحاضر. فالمشهد في الجنوب ما زال يتحرّك داخل مساحةٍ رمادية، لكنّ إسرائيل تتصرّف وكأنّ الأمور حُسمت في اتجاهٍ يقلقها.

لا يمكن فصل هذا التوتّر عن السياق الإقليمي؛

المنطقة كلّها تتفتّح على مرحلةٍ جديدة.

  • لبنان مضطرب.

  • العراق يعيد تعريف علاقاته.

  • الأردن متوجّس من أيّ تغيّرٍ شمال حدوده.

  • موسكو أعادت تموضعها بعدما فقدت رهانها على النظام السابق.

  • واشنطن تنظر إلى سوريا من زاويةٍ مختلفة بعد أن تغيّرت السلطة فيها.

أمام شبكةٍ كهذه، تحتاج إسرائيل إلى نظام قواعد واضح، لأنّها لا تجيد العمل داخل المساحات المتحرّكة.

عودة الدولة.. وفتح الملفات المؤجّلة

مع أنّ الجنوب السوري لا يشهد صعود قوّةٍ معادية لإسرائيل بالمعنى التقليدي، إلّا أنّ مجرّد عودة الدولة إلى تنظيمه كفيل بإعادة رسم المشهد.

فالدول حين تستعيد حدودها، تستعيد بالضرورة جزءًا من موقعها السياسي. وهذا الموقع هو ما تخشى تل أبيب أن يعود لدمشق، لأنّ عودته تعيد فتح ملفات كانت مغلقة تحت ضغط الحرب.

تفضّل إسرائيل أن تضع حدودًا مسبقةً للمرحلة المقبلة قبل أن تتّضح معالمها النهائية؛ بل تريد رسم خطٍّ أحمر حتى قبل أن تعرف ما الذي ستفعله دمشق فعليًا.

التهديد الإسرائيلي، في جوهره، محاولة لوضع سقفٍ فوق مرحلةٍ لم تكتمل بعد. لكنه أيضًا إعلان غير مباشر بأنّ إسرائيل ترى في سوريا ما لم تقله صراحة: بلد يخرج ببطءٍ من الفوضى، ويعيد اختبار نفسه، ويمدّ يده نحو شكل دولة لا يشبه ما كان قبله. وكلّ دولةٍ تخرج من الفوضى تحمل قدرة على إعادة تعريف توازن القوى حولها.

الجنوب السوري يتحول إلى ساحة تصعيد إسرائيلي جنوني وحياة الأهالي تتحول إلى مأساة صادمة

قلقٌ يسبق الاعتراف بالتغيّر

هكذا يمكن فهم تصريح القناة 12؛ لم يكن مجرّد تهديد، بل محاولة قراءةٍ مبكرة لمشهدٍ تشعر إسرائيل أنّه يفلت من يدها.

الجنوب لم يعد مساحةً فارغة، والحدود لم تعد حدّ السلاح فقط، بل حدّ السياسة أيضًا، وهذا ما يقلق تل أبيب أكثر من أيّ تهديدٍ عسكري محتمل.

في النهاية، يمكن القول إنّ إسرائيل كشفت قلقها قبل أن تكشف قوّتها. والبلد الذي يعترف بقلقه، يعترف ضمنيًا بأنّ الآخرين يتغيّرون بطريقةٍ لا تلائم حساباته.

سوريا تتغيّر... ببطءٍ، بصعوبةٍ، بحذرٍ، لكنها تتغيّر. وهذا وحده كافٍ ليجعل إسرائيل تتحدّث بهذه النبرة.

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من
تغطية خاصة
سياسة - فلسطين

شارك القصة

Share
الرياح المحملة بالغبار غطت سماء قطاع غزة بلون برتقالي داكن
الرياح المحملة بالغبار غطت سماء قطاع غزة بلون برتقالي داكن- غيتي

تعيش غزة يوماً جديداً من المعاناة مع استمرار سقوط الضحايا برصاص الجيش الإسرائيلي وتفاقم الظروف الإنسانية بسبب العواصف الرملية التي تضرب خيام النازحين.

سياسة - إيران

شارك القصة

Share
ايران تعلن اسقاط 112 طائرة مسيرة
ايران تعلن اسقاط 112 طائرة مسيرة - غيتي

قال المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، العميد أبو الفضل شكارجي، إن القوات أخرجت أكبر حاملة طائرات أميركية “أبراهام لينكولن”، من المنطقة بعد أن كانت تهدد الأمن وتستولي على ثروات المنطقة

سياسة - العالم

شارك القصة

Share
يطالب الزعيم الكوري الشمالي واشنطن بالاعتراف ببلاده كقوة "نووية"
يطالب الزعيم الكوري الشمالي واشنطن بالاعتراف ببلاده كقوة "نووية"- غيتي

تصعّد كوريا الشمالية التوتر في شبه الجزيرة الكورية بإطلاق دفعة جديدة من الصواريخ الباليستية باتجاه بحر اليابان بالتزامن مع مناورات عسكرية مشتركة بين واشنطن وسول.