الثلاثاء 10 مارس / مارس 2026
Close

إيران أولًا.. لماذا أصبحت طهران محور الصراع الإقليمي والدولي؟

إيران أولًا.. لماذا أصبحت طهران محور الصراع الإقليمي والدولي؟

Changed

شارك القصة

أميركا أولاً مقابل إيران أولًا
بدت إيران أولوية قصوى لواشنطن، حتى مع رفع شعار "أميركا أولًا" - غيتي
الخط
عندما تصبح إيران أولًا لدى واشنطن، وأولًا لدى إسرائيل، وأولًا لدى دول المنطقة، وأولًا لدى الإيرانيين أنفسهم، فإننا نكون أمام لحظة تاريخية استثنائية لا تشبه ما سبقها..
خرج المشاركون تباعًا من بوابة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى باحته الواسعة، وقد خفّ ضجيجها بعد انتهاء الندوة الثانية المعنونة: "الولادة الجديدة للجمهورية الإسلامية"، التي نظمتها وحدة الدراسات الإيرانية في المعهد، وذلك عقب ندوة سابقة بعنوان "إيران في أزمة: التداعيات الداخلية والإقليمية"، وأخرى نظمها التلفزيون العربي بعنوان "هل اقتربت المواجهة؟".

كان يومًا باردًا في فبراير/ شباط بالدوحة، لكن النقاش لم يكن كذلك. صحافيون وباحثون، وبينهم دبلوماسيون أجانب مقيمون في المدينة، تبادلوا الانطباعات الأخيرة قبل المغادرة. الجميع تحدث عن الحرب والدبلوماسية، وحافة الهاوية، والتغيير في إيران وسط تحولات إقليمية ودولية كبرى. كان واضحًا أن إعادة تعريف العلاقات باتت مشهدًا علنيًا: تحالفات تُرسم وأخرى تتفكك أو تفقد دورها.

لكن المفارقة وسط ذلك كله، بدت إيران أولوية قصوى لواشنطن، حتى مع رفع شعار "أميركا أولًا" الذي ردّده دونالد ترمب، بل يمكن القول إن إيران أصبحت أولًا.. بالنسبة للجميع.


إيران أولًا في حسابات الولايات المتحدة


في يونيو/ حزيران 2015، رفع دونالد ترمب شعار "أميركا أولاً" استعدادًا لترشحه للانتخابات الرئاسية في ولايته الأولى، بينما كانت الدبلوماسية العالمية منشغلة بإتمام الاتفاق النووي الذي أعلن عنه بعد شهر، في يوليو/ تموز 2015، باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.

بعد فوزه، انسحب ترمب من الاتفاق النووي وأطلق سياسة الضغوط القصوى على إيران. ومع عودته لاحقًا بعد ولاية جو بايدن، رفع شعار "اجعل أميركا عظيمة مجددًا"، إلا أن الملف الإيراني ظل حاضرًا في صدارة أولويات واشنطن. خلال ولايته الأولى، أمر باغتيال قاسم سليماني، وفي ولايته الثانية، أقر بقصف المنشآت النووية الإيرانية، مؤكدًا استمرار الاهتمام الأميركي بالملف الإيراني.

لم يكن الملف الإيراني محصورًا في إدارة ترمب فقط، بل امتد عبر الإدارات الأميركية كلها:
  • اعتبر نظام الجمهورية الإسلامية ثوريًا ومعاديًا بالنسبة لـجيمي كارتر، الذي واجه أزمة رهائن السفارة الأميركية في طهران.
  • صنف رونالد ريغان إيران كدولة راعية للإرهاب.
  • تعامل جورج بوش الأب معها بمنطق "حسن النية مقابل حسن النية"، معتبرًا إيران خصمًا يمكن اختباره.
  • فرض بيل كلينتون حظرًا اقتصاديًا شاملاً على إيران وربطها بالإرهاب ضمن سياسة الاحتواء المزدوج.
  • أدرج جورج بوش الابن إيران ضمن محور الشر.
  • ونجح باراك أوباما في إنجاز الاتفاق النووي بطريقة غير تقليدية من خارج الصندوق الأميركي الكلاسيكي.

اليوم، يبدو أن حلّ هذه المعضلة الممتدة منذ الثورة الإيرانية يمثل اختراقًا تاريخيًا في السياسة الخارجية الأميركية. فقد أكد ترمب بعد انسحابه من الاتفاق عام 2018: "القيادة الإيرانية لا تفهم سوى لغة القوة.. وسنفرض أقصى ضغط اقتصادي لتحقيق اتفاق أفضل"، وهو ما تعزز لاحقًا بتحركات عسكرية أميركية ضد إيران في 2025. ويمكن وصف هذا النهج بمفهوم "السلام بالقوة" مقابل "حياكة السجاد" الدبلوماسية التقليدية.

بالنسبة لواشنطن، لم يعد البرنامج النووي العنوان الوحيد في التعامل مع إيران، وبات يشمل أيضًا البرنامج الصاروخي ونفوذها الإقليمي ودعم حلفائها.

كما أن الرهان الأميركي يتجاوز كل ذلك إلى الجيوسياسة، إذ تقع إيران على تماس مع أهم شريان طاقة عالمي: مضيق هرمز. السيطرة غير المباشرة على هذا الشريان تمنح واشنطن قدرة ضغط إضافية على منافسين كبار، وعلى رأسهم الصين، ما يجعل أي تسوية أو مواجهة مع طهران ذات تبعات استراتيجية واسعة وإعادة رسم خرائط النفوذ.

سواء نُفذت ضربة عسكرية أم لم تُنفذ، أو اندلعت حرب إقليمية أم لم تندلع، فإن ما حدث وما قد يحدث يضع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أمام منعطف تاريخي، ومرحلة ما بعد التصعيد لن تشبه ما قبلها. كل هذه المعطيات تجعل إيران أولوية قصوى في حسابات الولايات المتحدة الأميركية.


إيران أولًا في حسابات إسرائيل


أما بالنسبة إلى إسرائيل، فالمواجهة مع إيران لم تنتهِ بعد. ما بعد "حرب الإثني عشر يومًا" - كما وصفها بعض المراقبين - بدا أقرب إلى هدنة تكتيكية منه إلى نهاية صراع.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كرر مرارًا:

"لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وسنفعل كل ما يلزم لحماية أمن إسرائيل".

بعد الضربات المتبادلة، وخاصة استخدام إيران لصواريخ باليستية وصواريخ تحمل رؤوسًا عنقودية، بدا أن إسرائيل اختبرت مستوى غير مسبوق من التهديد المباشر.

وفي المقابل، أدركت تل أبيب التي عملت خلال عامين تاليا السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 على تفكيك أو إضعاف ما يسمى بـ"دوائر النار" التي بنتها طهران عبر حلفائها في المنطقة حول إسرائيل، أن استهداف رأس الإخطبوط، كما تسميه، ليس كاستهداف أذرعه.

بنيامين نتنياهو

تل أبيب لوحت بالتحرك المنفرد ضد إيران ووضعت الخيار العسكري دائمًا على الطاولة - غيتي/ أرشيف 

لذلك، بالنسبة لتل أبيب، إنهاء المعركة مع إيران يعني تثبيت هيمنتها الإقليمية، أو على الأقل إبعاد الخطر الاستراتيجي الذي بات يصل مباشرة إلى عمقها.

تقول إسرائيل هذا اليوم وتدفع باتجاه الحرب على نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بعد أن وصف بنيامين نتنياهو الاتفاق النووي لعام 2015 بـ"الخطأ التاريخي".

تل أبيب، التي لوحت بالتحرك المنفرد منذ سنوات ووضعت الخيار العسكري دائمًا على الطاولة، رأت في إيران دائمًا تهديدًا استراتيجيًا، وتكرر هذا على لسان إسحاق رابين وأريئيل شارون وإيهود باراك وصولًا إلى بنيامين نتنياهو.

تحلم إسرائيل بالتاريخ، وتستحضر في نصوص (سفر عزرا وأشعيا) الملك الفارسي الكبير كورش بصورة إيجابية جدًا، وتذكر بتحريره اليهود في القرن السادس قبل الميلاد من بابل، حتى أن بعض النصوص تصفه بأنه "ممسوح الرب" (وهو لقب نادر لملك غير يهودي).

وفي سفر إستير، الذي تدور أحداثه في البلاط الفارسي، تنقذ الملكة إستير اليهود من مؤامرة إبادة، وهو ما يحتفل به سنويًا باسم عيد "بوريم" اليهودي.

كل هذا- الماضي والحاضر- يجعل إيران أولًا في حسابات إسرائيل...

إيران أولًا في حسابات المنطقة


إيران اليوم تشكل قوة فريدة في معادلة الشرق الأوسط، ليس فقط لنفوذها وحلفائها، بل لما تمتلكه من أوراق قوة قد تحوّل أي صراع محتمل إلى "كرة نار" تشمل المنطقة بأسرها.

قبل اتفاق النووي عام 2015، كان العنوان الإقليمي الأساسي هو "القلق الاستراتيجي العميق"، إذ لم يتطرق الاتفاق للصواريخ الباليستية أو الدور الإقليمي لإيران، مما أثار مخاوف من تدفق الأموال إلى حلفائها بعد رفع العقوبات، وسط شعور بأن إدارة أوباما كانت تسعى لإعادة التوازن في المنطقة. تصاعد خطاب "الانسحاب الأمريكي التدريجي" أضاف مزيدًا من الضغوط على علاقات إيران مع دول الجوار.

أصبح دعم المسار الدبلوماسي ضرورة أكثر من كونه خيارًا

أصبح دعم المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة ضرورة أكثر من كونه خيارًا - غيتي/أرشيف

اليوم، العنوان الإقليمي تحول إلى "الدعم العلني للمسار الدبلوماسي وتشجيع خفض التصعيد بين واشنطن وطهران"، لا سيما بعد المصالحة الإيرانية - السعودية عبر اتفاق بكين في مارس/ آذار 2023، الذي غيّر البيئة الإقليمية بالكامل.

هذه السياسة الإيرانية جاءت متزامنة مع إرهاق إقليمي بسبب الصراعات المستمرة، خاصة حرب اليمن، وسياسات تركز على "أولوية الاستقرار الاقتصادي بدل الصراع الجيوسياسي"، وتراجع الثقة بالضمانة الأميركية المطلقة بعد أمثلة مثل هجوم أرامكو 2019، الانسحاب من أفغانستان، وإدراك أن إيران باقية كجار تاريخي.

باختصار، إذا كانت المنطقة في 2015 تخشى صفقة أميركية - إيرانية على حسابها، فهي اليوم تخشى حربًا أميركية - إيرانية على أراضيها. لهذا أصبح دعم المسار الدبلوماسي ضرورة أكثر من كونه خيارًا، وإيران هي الحساب الأول لدول المنطقة.

إيران أولًا في الداخل الإيراني


أدرك النظام الإيراني حجم المخاطر المحدقة به؛ فما بعد "حرب الإثني عشر يومًا" ليس كما قبلها. وقد قال المرشد الأعلى علي خامنئي في إحدى خطبه:

"الأمة الإيرانية لن تستسلم للضغوط.. وسنقاوم حتى النهاية".

غير أن اللافت في الخطاب الإيراني هو المزج المتسارع بين الوطنية القومية والمرجعية الدينية الشيعية. لم يعد الحديث مقتصرًا على "محور المقاومة"، بل اتسع ليشمل مفاهيم مثل "الكرامة الوطنية" و"سيادة إيران التاريخية".

أما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي كرر اعتذاره للشعب أكثر من مرة، خصوصًا بعد احتجاجات يناير التي خلّفت أكثر من ثلاثة آلاف قتيل، وفي ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، فيؤكد أن "إيران لن تقبل الإملاءات، لكنها لا تغلق باب الدبلوماسية". ويعكس هذا التوازن بين التحدي والانفتاح إدراكًا بأن مرحلة ما بعد التصعيد تختلف جذريًا عما سبقها.

كثير من الإيرانيين، حتى من منتقدي النظام، يدركون أن التدخل الخارجي قد يقود إلى فوضى تشبه تجارب إقليمية مريرة. فالذاكرة العراقية والسورية والليبية والأفغانية حاضرة بقوة في النقاشات الداخلية. لذلك يتقاطع الحس الوطني لدى شريحة واسعة مع رفض الضربات الخارجية، حتى وإن اقترن ذلك بانتقاد واضح لأداء النظام.

في الداخل، يبدو المشهد محتقنًا. وفي المقابل، ترى قطاعات من المعارضة أن اللحظة الراهنة قد تمثل فرصة لتجاوز نموذج الجمهورية الإسلامية نفسه، وهو ما يفسر التحركات الشعبية في أكثر من عاصمة لأنصار الملكية أو لتيارات معارضة أخرى.

وإذا كان لكل طرف "إيرانه" الخاصة، وفق منطقه وموقعه - نظامًا كان أم معارضة أم شعبًا - فإن الإيرانيين يتفقون، رغم تباينهم، على أن إيران أولًا بالنسبة إليهم دون شك.

في باحة المركز، وقبل أن يتفرق الجمع، انتهى النقاش إلى اتفاقٍ مفاده أننا ربما نكون فعلًا أمام ولادة جديدة. لكن السؤال يبقى مفتوحًا: هل ستكون ولادة نظام أكثر صلابة؟ أم بداية تحوّل جذري؟ أم أننا أمام سيناريوهات أخرى لم تتضح ملامحها بعد؟

فعندما تصبح إيران أولًا لدى واشنطن، وأولًا لدى إسرائيل، وأولًا لدى دول المنطقة، وأولًا لدى الإيرانيين أنفسهم، فإننا نكون أمام لحظة تاريخية استثنائية لا تشبه ما سبقها. لحظة يقترب فيها التغيير في إيران أكثر من أي وقت مضى مع تساوي سيناريوهات الحرب والسلم.

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من
تغطية خاصة
سياسة - لبنان

شارك القصة

Share
الجنوب اللبناني
تسعى إسرائيل لتوسيع المنطقة الأمنية العازلة في الجنوب اللبناني - غيتي

قالت هيئة البث الإسرائيلية، الثلاثاء، إن إسرائيل تسعى لتوسيع ما أسمته "المنطقة الأمنية العازلة" في الجنوب اللبناني.

سياسة - قطر

شارك القصة

Share
جددت قطر رفضها لأي تبريرات إيرانية للهجمات على أراضيها - إكس
جددت قطر رفضها لأي تبريرات إيرانية للهجمات على أراضيها - إكس

أشار الأنصاري إلى أن الظروف الحالية تدفع البلاد إلى تعزيز شراكاتها الدولية في مجالات الدفاع والأمن، واتخاذ إجراءات وطنية لضمان صلابة الاقتصاد القطري.

سياسة - العالم

شارك القصة

Share
أكد فيدان أن أنقرة ستتخذ إجراءات ضد الصواريخ التي تستهدفها - غيتي
أكد فيدان أن أنقرة ستتخذ إجراءات ضد الصواريخ التي تستهدفها - غيتي

تعزز تركيا دفاعاتها الجوية بنشر منظومة "باتريوت" بعد اعتراض صاروخين في أجوائها، وسط تحقيق إيراني في الحادثة وتصاعد التوتر العسكري في المنطقة.