في صباح الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني، كان شارع طالقاني وسط طهران يغصّ بتلاميذ المدارس واليافعين الذين يرتدون بزّاتهم الموحدة ويحملون أعلام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
كان علي أصغر، ابن الخامسة عشرة، يمسك بيديه نموذجًا صغيرًا لصاروخٍ كرتوني ملوّن، صنعه معزملائه في ورشة المدرسة قبل أسبوع. كُتب على جسمه بخطٍّ واضح: "سجّيل – إرادة وطن".
إلى جانبه، كان رفاقه يحملون نماذج أخرى لأجهزة طردٍ مركزي مصنوعة من الكرتون والأنابيب البلاستيكية، يعلوها شعار: "الطاقة النووية حقّنا".
تقدّم الموكب باتجاه مقرّ السفارة الأميركية السابقة، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في استعراضٍ سنويّ تحت عنوان "اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار"، يختزل عقودًا من التحدّي والذاكرة والدماء.
لا يعرف علي أصغر تمامًا معنى "الاستكبار" ربما، لكنه دون شك يشعر بشيءٍ يشبه الفخر حين يهتف الآخرون، وحين يصعد المذيع المحلي على منصة الشاحنة ويقول: "لن نركع، ولن نبيع كرامتنا مقابل وعودٍ جوفاء".
مشهد يعيد إلى الأذهان صورة اقتحام مجموعة من الطلاب الإسلاميين في إيران السفارة الأميركية في طهران دعمًا للثورة الإسلامية، واحتجازهم 52 أميركيًا من دبلوماسيي السفارة وموظفيها كرهائن لمدة 444 يومًا، من 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979 حتى 20 يناير/ كانون الثاني 1981، وهو ما سجّله التاريخ باسم "أزمة الرهائن".
أزمة لا تزال أبعادها مستمرة حتى اليوم، لا على مستوى العلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية أو علاقات إيران بالدول الغربية عمومًا فقط، وإنما تلقي بظلالها حتى على المشهد الداخلي الإيراني.
للتيارات السياسية الإيرانية مقاربات مختلفة حيال الكثير من القضايا، ومنها هذه القضية؛ فحتى آراء بعض من شاركوا أو شهدوا الواقعة في حينه تبدلت وتغيّرت.
تاريخ واحد وروايات متعددة
يقول السياسي الإيراني ناطق نوري اليوم: "احتلال السفارة الأميركية كان خطأً.. والمشكلات بدأت من هناك". ثم يعيد التلفزيون الإيراني نشر مقطع مصوّر له من كلمة سابقة، عندما كان رئيسًا للبرلمان الإيراني أواخر الألفية الماضية، يقول فيها: "من يتحدث عن التفاوض (مع أميركا) لا يدرك الظروف الدولية ولا يفقه السياسة، وأبسط ما يمكن أن يقال عنهم إنهم سُذّج".
اليوم، بعد حرب الاثني عشر يومًا، تُناقَش من جديد الكثير من القضايا التي كانت قد بدت أنها أصبحت من المسلّمات، وتبدو طهران اليوم كمن يسير على حبلٍ مشدود بين حربٍ لا يريدها أحد وسلامٍ لا يثق به كثيرون، لكنها في الوقت ذاته ترفض رسميًا معادلة "اللاسلم واللاحرب" هذه، كما يقول المرشد الأعلى.
من جديد، يوضح رئيس البرلمان الإيراني الحالي محمد باقر قاليباف، خلال كلمة له أمام المشاركين في مسيرة "يوم مقارعة الاستكبار" أمام مبنى السفارة الأميركية السابقة وسط طهران، أن شعار "الموت لأميركا" يعني الموت للهيمنة، وليس الموت للشعوب؛ إنه التعبير عن الثبات في وجه الظلم والتسلّط والاستكبار. ويضيف: "ترمب يريد نزع استقلالنا مقابل وعودٍ بالرفاه والتقدّم".
وبهذه المناسبة، يعبّر الجميع في إيران عن تصوّراته. يقول الحرس الثوري في بيان:
"العداء مع الولايات المتحدة ليس سوء فهمٍ سياسيًّا عابرًا، بل نابع من تعارضٍ بنيويٍ في المصالح بين الجانبين، واقتحام وكر التجسس الأميركي (السفارة الأميركية في إيران) كان تجسيدًا لاختيارٍ استراتيجي بين طريق المقاومة والعزّة والاستقلال من جهة، وطريق الاستسلام والخضوع للهيمنة من جهة أخرى".
ترمب وخامنئي.. شروط متبادلة
منذ ولايته الأولى، خطا دونالد ترمب سلسلة خطوات محدّدة تجاه إيران. بدأ ذلك بانسحابه من الاتفاق النووي، مرورًا بسياسة "الضغوط القصوى"، وصولًا إلى إشراك قاذفات أميركية في حرب الاثني عشر يومًا إلى جانب إسرائيل في استهداف المنشآت النووية الإيرانية. وإلى جانب هذه الخطوات الميدانية، طالب طهران بالاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وتحدّث عن مجموعة شروط تتعلّق بالملف النووي الإيراني وملفات أخرى بوصفها مدخلًا لتطبيع الأمور مع إيران.
في المقابل، اعتبر المرشد الإيراني أن "حديث أميركا عن نيتها التعاون مع إيران لا معنى له في الوقت الذي تقوم فيه بدعم جرائم إسرائيل أمام العالم". ومن هذا المنطلق، حدّد شروطه هو أيضًا قائلًا:
"عندما تقوم أميركا بترك المنطقة، وتوقف دعمها للكيان الصهيوني، ولا تتدخل في شؤون المنطقة، يمكن حينها مناقشة فكرة التعاون مع طهران".
كما شدّد على أن "المشكلات في البلاد لا تُحلّ سوى بتعزيز قوّتنا على الصعد كافة".
جهوزية العسكر
"إن لم تكن مستعدًا للحرب فإنها ستقع".. حين يُطلِق السياسيون مثل هذه العبارة، فإنهم يعكسون حالة تناغم بين "الدبلوماسية" و"الميدان" (ساحة المعركة). في هذا السياق، يضيف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي موضّحًا:
"الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يومًا أثبتت قدرة إيران على خوض مواجهة مباشرة مع الكيان الإسرائيلي، وأكسبتها خبرة عسكرية وفنية نوعية، وأثبتت فعليًا فعالية صواريخها في المعارك الحقيقية، وأكدت أن منظومات الدفاع الإسرائيلية يمكن اختراقها".
ويشير إلى أن الاستعدادات العسكرية الإيرانية "بلغت مستويات غير مسبوقة، وأن الكيان الإسرائيلي لن يجرؤ على شن حرب جديدة، لإدراكه أن الرد الإيراني سيكون مدمّرًا"، مع تأكيد أن طهران تتعامل مع كل الاحتمالات بجدية، وتضع في حسبانها إمكان صدور أي سلوك عدواني من جانب إسرائيل.
وبوضوح أكبر، يقول عراقتشي، الذي يستعد لإضافة فصل جديد تحت عنوان "دبلوماسية تحت النار" إلى الطبعة الجديدة من كتابه "قوة التفاوض": إن "الحرب الأخيرة مع إسرائيل بدأت بمطالبة إيران بالاستسلام دون شروط، وانتهت بمطالبة إيران بوقف إطلاق النار دون شروط".
في موازاة ذلك، لا يفتأ القادة العسكريون في إيران تكرار تحذيرهم "العدو" من مغبّة مهاجمة البلاد مجددًا. تقول هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية في بيان إنهم "مستعدّون للرد على أي نظرة عدوانية تُوجَّه نحو أرض الوطن".
ورغم غياب توضيحات رسمية مفصّلة حول الخطوات التي اتُّخذت لترميم القدرات العسكرية بعد الحرب، تتناقل وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تزعم دخول مقاتلات جديدة إلى أسطول الجيش الإيراني، وأخبارًا عن تعاون عسكري بين إيران وعدد من الدول.
وفي حين يتفقّد قائد الحرس الثوري الإيراني قوات وفِرق الحرس في شمال البلاد وشمالها الغربي وجنوبها، يُعلن في الوقت ذاته عن مباحثات عسكرية رسمية بين طهران ومينسك. ويزيد المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني المشهد وضوحًا بقوله:
"استعداداتنا العسكرية ازدادت، والقدرة الردعية تتعاظم؛ ونقاط ضعف العدو باتت واضحة، ونحن جاهزون لإلحاق هزيمة أشدّ بالعدو".
غموض نووي
حتى الآن، تتمسّك إيران رسميًا بنهجها النووي المعلن، فهي لا تتجه، كما تقول، نحو تصنيع السلاح النووي، ولا تتخلى في المقابل عن برنامجها النووي، بل تعمل على تعزيزه وتوسيعه.
تشرح المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية هذا الموقف بقولها:
"لن نتجه أبدًا نحو تصنيع قنبلة نووية لثلاثة أسباب أساسية: أولًا لأنها تتعارض مع أسسنا الثقافية والتاريخية، وثانيًا لإيماننا الراسخ، واستنادًا إلى فتوى صريحة، يحرّم إنتاج واستخدام الأسلحة النووية، وثالثًا لأن منطق الأمة الإيرانية يستند إلى الإنسانية والأخلاق".
هكذا تواصل طهران الإمساك بالعصا من وسطها: لا مضيّ نحو السلاح النووي ولا تخلّي عن التخصيب، لا انسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي ولا تساهل في التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويضيف وزير الخارجية الإيراني موضّحًا أن "البقاء أو الخروج من معاهدة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل له أبعاد كثيرة على أمن إيران"، معربًا عن استغرابه ممن يتجاهلون تصريحات المرشد الأعلى ويتحدثون كثيرًا عن الخروج من المعاهدة، ومشيرًا إلى أن "هذه المسألة تُدرَس ويُبتّ فيها على مستويات عليا".
خلال حرب الاثني عشر يومًا على إيران، دُمّرت منشآت نووية مهمة، واغتيل عدد من العلماء النوويين، لكن "الإرادة النووية" الإيرانية، كما تصفها طهران، لم تتزعزع. فالعقود المقبلة مخصَّصة، بحسب الخطط المعلنة، لبناء مزيد من المحطات الكهروذرية على السواحل الجنوبية والشمالية للبلاد بالتعاون مع روسيا.
في الوقت نفسه، لا تكشف إيران عن تفاصيل دقيقة لنشاطاتها النووية، بعد أن ربطت السماح بوصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى منشآتها بموافقة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. ويقول المدير العام للوكالة رافائيل غروسي في هذا الإطار:
"لم نعد نمتلك إمكانية الوصول الكاملة إلى المواد النووية الإيرانية، لكننا لا نرى حاجة لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن بشأن ذلك، وإيران ما زالت تحتفظ بجميع كميات اليورانيوم المخصب التي تمتلكها".
هذا "الغموض النووي" لا يبدو أن إيران ترغب في تبديده قريبًا. وبينما يتساءل كثيرون عن مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، والمقدَّر بأقل من نصف طن بقليل، يؤكد عباس عراقتشي أن هذا المخزون "دُفن تحت أنقاض المنشآت النووية المستهدفة" خلال الحرب.
تقرير خاص من داخل مفاعل طهران النووي ترصد فيه كاميرا التلفزيون العربي جزءًا من البرنامج النووي الإيراني الذي تحيطه طهران بهالة من الغموض والسرية
العودة الى طاولة المفاوضات
بالموازاة مع شدّ الحبال الميداني، تواصل إيران نقاش الملف النووي مع أطراف عديدة. فهذا الملف لا يكاد يغيب عن جدول أعمال الدبلوماسيين الإيرانيين في لقاءاتهم واتصالاتهم المختلفة؛ من وسطاء تقليديين كسلطنة عُمان وقطر، إلى قنوات رسمية عبر مكتب رعاية المصالح الأميركية في طهران (السفارة السويسرية)، مرورًا بتواصلات شبه مباشرة غير رسمية بين طهران وواشنطن، ووصولًا إلى تحرّكات أطراف معنية أخرى كالترويكا الأوروبية، ولا سيما فرنسا، فضلًا عن المشاورات الدائمة مع حلفاء مثل روسيا والصين. وفي خضمّ هذا الحراك، يبرز هذه المرة دور جديد لمصر، لا سيما في ما يتصل بالتعاطي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
يقول أمين سر لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية البرلمانية في إيران، بهنام سعيدي، إن طهران تدرس ما إذا كانت ستقبل الوساطة المصرية أم لا. وفي المقابل، ينفي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، وصول أي رسالة من الولايات المتحدة عبر مسقط حول مباحثات جديدة مؤخرًا، لكنه يضيف:
"رسائل الوساطات لا تعني استئناف المباحثات عمومًا، بل هي آلية طبيعية في ظلّ توقّف المباحثات لتبادل وجهات النظر".
ومع أن إيران تؤكد أن المفاوضات هي الحل، فإنها تحرص على التشديد على الفارق بين "التفاوض" و"الإملاء". ويعبّر أمين سرّ المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، عن هذا الموقف بقوله:
"يقول الأعداء اليوم: لا يجب أن يكون لديكم البرنامج النووي والتخصيب. نفسهم الذين أكدوا سابقًا أن لإيران حق التخصيب، يقولون الآن: يجب ألا تخصّبوا، ويجب أن يقلّ مدى صواريخكم… هذه المطالب لا تنتهي، ويريدون منا أن نطبّق ما يقولونه هم أنفسهم في المنطقة.
نحن لا نرفض التفاوض، لطالما قالت القيادة: يجب أن تكون لديكم معرفة بالتفاوض، لكن يجب أن تكون المفاوضات حقيقية، لا أن يحدّدوا مسبقًا ما يجب أن تكون عليه النتيجة".
إطار جديد
يتفق الخصوم والحلفاء على حدّ سواء على أن المفاوضات تبقى المخرج الأوحد الممكن للأزمة النووية، غير أن العودة إلى المربّع الأول بعد كل التجارب التفاوضية السابقة ليست خطوة سهلة، لا نفسيًا ولا سياسيًا.
وفي هذا السياق، يقول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني، إنه عازم على البحث عن صياغة "إطار جديد" للتفاوض، يسمح بالتوصل إلى نتيجة واضحة بين إيران والدول الغربية.
بين طريقين
في الميدان، يقف علي أصغر مجددًا مع رفاقه أمام جدار السفارة الأميركية القديمة في طهران، ذلك الجدار المكتظّ بصور ولوحات تتحدّى "الاستكبار"، وتستفزّ فضول المارّة لمعرفة الحكاية التي ترويها أو الرسالة التي تريد إيصالها. في الخلفية، يهرع عمال النظافة لجمع بقايا الأعلام الأميركية المحروقة والملصقات الممزّقة والصور الملقاة على الأرض.
وهنا يبرز سؤال معلَّق: هل ما يجري هو احتفالٌ بنصرٍ حقيقي، أو على الأقل بصمودٍ طويل، أم مجرّد إحياءٍ سنوي لذكرى صراعٍ لم ينتهِ بعد؟