عينٌ على الماضي وأخرى على المستقبل؛ هكذا تعيش سارة هذه الأيام، وهي ترصد التطورات المتسارعة في حاضر وطنها. غادرت سارة إيران قبل سنوات كسمكة تغادر مياه البحر؛ كمن يخرج من غرفة ضاقت بجدرانها عليه، وهو لا يزال يحمل مفتاحها في جيبه.
استقرّت في دبي، حيث أصبحت حياتها أقرب إلى ما كانت تتمناه، وإن أقل صخبا. هنا لا يهتم أحد بماضيها، ولا ذاكرة بديلة تُصنَع لها. لكنّ قلبها ظلّ معلّقًا في مكان آخر: في مدن تعرف أسماء شوارعها، وتحفظ تضاريسها، وتفهم أوجاعها كما تعرف ملامح وجهها.
كانت تتابع الانهيار المتسارع للريال الإيراني أواخر عام 2025. وفي وقت كان زوار دبي يتابعون ببهجة احتفالات رأس السنة الميلادية الجديدة أمام برج خليفة، كانت بمشاعر متخبطة تترصد التطورات الإيرانية، وتتواصل مع أهلها في طهران، ومع أصدقائها وصديقاتها... تتحدث إليهم طويلا.
الإيرانيون، ككثير من شعوب الشرق الأوسط، يحدثونك في كل شيء: السياسة، والاقتصاد، والدين... لكن ليلة الثامن من يناير/ كانون الثاني 2026 غيّرت كل شيء.
لم يرتفع مستوى القلق دفعة واحدة، بل تسلل مثل رطوبة باردة. بدأ الأمر بإشعارات متلاحقة، ثم بصمت مفاجئ.
ما بعد احتجاجات البازار
كانت المدن الإيرانية تغلي. احتجاجات خرجت من رحم الغلاء، ومن انهيار العملة، ومن شعور عام بأن الحياة باتت أثقل من أن تُحتمل. ثم غيّرت عناوينها: شعارات المطالبة بالإصلاح الاقتصادي صارت شعارات سياسية، وتحركات تستهدف المؤسسات الحكومية وتطالب بإسقاط النظام.
لم تعد طهران وحدها في الصورة، ولا بازارها تحديدًا حيث انطلقت الشرارة الأولى للاحتجاجات من شارع جمهوري، عند سوق الإلكترونيات. مشهد الغضب امتد إلى مدن أخرى. كانت سارة تتابع مقاطع الفيديو المهتزة وغير الواضحة على منصات التواصل الاجتماعي: هتافات، دخان، وجوه مغطاة، وركض لا يعرف إلى أين. ثم، فجأة، انقطع كل شيء: قُطع الإنترنت في عموم إيران.
عرفت سارة ما يعنيه ذلك؛ فالصمت في إيران ليس هدوءًا، بل مقدمة لشيء أشد. انتقلت إلى شاشات الشبكات العالمية، وفي الأخبار التي تلت ظهرت أرقام باردة: قتلى، معتقلون، اشتباكات، رجال شرطة وأمن، حرائق... لكنها لم تر أرقاما. رأت وجوها وأماكن وذكريات.
ليست هذه الاحتجاجات الأولى التي تعيشها سارة، لكنها الأولى وهي بعيدة عن مكان الحدث. سبق أن شهدت احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، واحتجاجات 2017 و2018، واحتجاجات البنزين عام 2019، وشاركت في الاحتجاجات التي أعقبت وفاة مهسا أميني عام 2022.
احتجاجات داخلية وتدخل دولي
يراقب العالم في كل مرة... ومع مرور الوقت يبدأ بالكلام. هذه المرة يبدو المشهد أشد تعقيدًا، وكأن الأحداث في شوارع وساحات المدن الإيرانية مرتبطة ليس بما يُطلق من تصريحات فقط؛ من دونالد ترمب الذي توعد السلطات الإيرانية بـ"ردّ قاس"، حسب وصفه، إذا استُخدمت القوة المميتة ضد المتظاهرين، إلى مايك بومبيو الذي بارك العام الجديد "لكل إيراني في الشوارع... وكذلك لكل عميل للموساد يسير بجانبهم"، مرورًا ببنيامين نتنياهو وغيرهم؛ بل أيضا بما يدور في الغرف المغلقة في عواصم القرار حول العالم.
شعرت سارة بتناقض وتخبط وحيرة. جزء منها أراد أن يصدق أن الضغط الخارجي قد يحدّ من القمع، أو ربما يسقط النظام. وجزء آخر كان يخشى أن تتحول معاناة الداخل إلى ورقة في لعبة دولية أكبر، أو أن تغرق البلاد في أتون صراعات لا تنتهي، أو أن يكون مشهد المستقبل أكثر ضبابية. فالمعارضات الإيرانية، وإن توحدت في سعيها لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، تنقسم ضد بعضها بشدة.
عرف العالم سيناريوهات كثيرة راقبتها طهران، بل وانخرطت في بعض جوانبها أو كانت معنية بتفاصيل منها: من "سيناريو العراق أو أفغانستان" حيث التدخل العسكري الأميركي المباشر، إلى “سيناريو بعض ما حصل في الربيع العربي” خاصة في ليبيا وسوريا واليمن... لكن الجديد الذي فتح الجميع أفواههم له هو "السيناريو الفنزويلي".
ردع ايراني مختلف
تدرك إيران ما أصاب دوائر النار التي أحاطت بها إسرائيل خلال العقود الماضية، من حزب الله في لبنان مرورا بنظام الأسد في سوريا وصولا إلى الفصائل العراقية... ومجمل "محور المقاومة". لذا تعلن، في خضم هذه التحليلات والتهديدات، عن تغيير استراتيجي.
في بيان مختلف عن البيانات الكثيرة الصادرة في إيران تقول أمانة سر المجلس الإيراني الأعلى للدفاع:
"في إطار الدفاع المشروع، لا تعتبر الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها مقيدة برد الفعل بعد وقوع العمل فحسب، بل تعتبر المؤشرات الملموسة للتهديد جزءا من المعادلة".
لم يكن المشهد على الأرض قد وصل ربما إلى ما كانت احتجاجات سابقة قد وصلت إليه من حيث الانتشار والحجم، لكن توقيت الاحتجاجات وشكلها في ظل الأدوار التي تمارس من أطراف المعارضة الإيرانية والولايات المتحدة وغيرهم دفع المرشد الإيراني لتوجيه كلامه لدونالد ترامب مباشرة:
"عليه أن يعلم أن طغاة العالم، أمثال فرعون ونمرود ورضاخان ومحمد رضا، سقطوا وهم في ذروة غرورهم؛ وهو أيضا سيسقط".
كلام جاء في ظل قناعة إيرانية كاملة بأن المحرك الأساسي للاحتجاجات عناصر مرتبطة بالخارج.
في طهران، وفي أماكن أخرى، قامت مجموعة من المخربين بتدمير مبان تابعة لبلدهم، إرضاء لرئيس الولايات المتحدة... يداه ملطختان بدماء أكثر من ألف إيراني.
في حرب الأيام الاثني عشر... يجب أن يعلم الجميع أن الجمهورية الإسلامية، التي وصلت إلى السلطة بدماء مئات الآلاف من الشرفاء، لن تتراجع أمام من يسعى لتدميرها.
"إنها لا تتسامح مع المرتزقة الأجانب. مهما كانت هويتهم، فقد أصبحوا مرتزقة أجانب لأنهم عملوا لصالح الأجنبي، فالأمة ترفضهم، والنظام الإسامي كذلك".
كلام المرشد تبعه تأكيدات رسمية إيرانية على كل المستويات بالحسم، من المدعين العامين في السلطة القضائية إلى قوى الأمن مرورا بأجهزة الاستخبارات وحتى القوات العسكرية.
يقول قائد قوى الأمن الداخلي الإيرانية أحمد رضا رادان:
"تم التعرف على عدد من هؤلاء الأفراد واعتقالهم، وقد أقر بعضهم في اعترافاتهم بتلقيهم دولارات من الخارج مقابل أفعالهم".
بطرق مختلفة تعمل الأجهزة الإيرانية على إنهاء المشهد الحالي في شوارع المدن الإيرانية: رسائل نصية تحذر من التجمع، واعتقالات لمن تصفهم السلطات بمثيري الشغب، وبيانات تؤكد حماية الثورة والنظام.
يقول أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني:
"مثيرو الشغب هم جماعة شبه إرهابية حضرية"."التحرك السريع نحو المراكز العسكرية والأمنية بهدف الاستيلاء على السلاح يُعد مؤشرا على السعي لإشعال حرب داخلية...
قواتنا المسلحة في حالة جاهزية كاملة، لكن نسعى لمنع اندلاع مواجهات".
بوابة الدبلوماسية
تزامنا مع التطورات الميدانية، كان وزير خارجية إيران عباس عراقتشي يوقع في بيروت الطبعة الجديدة من كتابه "قوة التفاوض" بفصل إضافي عنوانه: "دبلوماسية تحت النار"، يستهله بالقول:
"تُعرف الدول العظيمة، كالأفراد العظماء، في أوقات الشدة؛ فالألماس يتشكل تحت الضغط الشديد.
من الواضح أن التفاوض هو الطريق الأقل مخاطرة والأقل تكلفة لتحقيق الأهداف، ولكن عندما تتجاوز تكلفة التفاوض تكلفة الدفاع عن أرض الوطن وسيادته، فلا ينبغي الخوف من المواجهة".
يسترجع عراقتشي في حديثه للصحفيين حرب إسرائيل على حزب الله، ويقول:
"إيران لن تُهزم ولن يصلوا إلى أهدافهم.
في لبنان حدث الأمر نفسه وحزب الله استطاع القتال لـ66 يوما وأجبر العدو على وقف إطلاق النار".
في طهران كان المشهد يتغير على الأرض لكنه مستمر في الغليان، وفي هذا التوقيت تماما، كما في مرات كثيرة سابقة، كان وزير خارجية عُمان في طهران لمواصلة "التشاور الوثيق والمنتظم دعما للسلام والاستقرار الإقليمي والمشاركة البناءة" كما قال.
ورغم أن نظيره الإيراني أكد أن الحوار والدبلوماسية هما السبيل الأمثل لمعالجة كافة الأزمات ولتجنب التصعيد والتوتر في المنطقة، فإنه قال بوضوح:
"الشؤون الداخلية لكل دولة تخصها وحدها، ولا يحق لأي طرف التدخل في شؤون الدول الداخلية أو تحديدها".
الميدان إلى أين؟
تصاعد التهديدات بتدخل عسكري خارجي قد يفتح المشهد على أوضاع لا يمكن توقعها.
يقول محسن آراكي، عضو مجلس خبراء القيادة في إيران:
"في حال تعرّض إيران لهجوم من قبل الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني، أو في حال استهداف القائد الأعلى آية الله علي خامنئي، فإن إعلان حكم الجهاد الشامل ضد الأهداف الأميركية والإسرائيلية في العالم سيكون قطعيا".
من جهته، يقول رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف:
"في حال هجوم عسكري أميركي ستكون الأراضي المحتلة والمراكز العسكرية والملاحية لأميركا هدفا مشروعا لنا.
هو خيار ديني-سياسي واضح لطهران، وهو مرتبط بثيوقراطية النظام الإيراني".
يدرك المتابعون بدقة للشأن الإيراني أن النظام لم يحرّك بعد كتلته الصلبة من أنصار عقائديين، ليسوا أيديولوجيين فقط وإنما دينيا أيضا؛ إذ يرون في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية آخر قلاع التشيع الإثني عشري ودولة التمهيد لظهور الإمام الثاني عشر.
هل سيسقط النظام؟
في تقرير له، يكتب موقع أكسيوس:
تقدير أجهزة الاستخبارات الأميركية هو أن الاحتجاجات في إيران تفتقر إلى الزخم الكافي لإسقاط النظام.
قد يكون هناك اختلافات في الرؤى بين التيارات السياسية في إيران، وهذا ما كان مستمرا منذ عقود، وربما يكون متصاعدا طردا مع الأزمات، لكن معظم المعنيين يؤمنون أن الجميع في "سفينة واحدة"، وكرروا ذلك دائما.
فإذا كان سعيد جليلي، الذي يصفه الغرب بالمتشدد، ممثل أكثر من ثلاثة عشر مليون إيراني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، يصف المشهد في إيران اليوم بأنه المرحلة الثانية من حرب الأيام الاثني عشر، فإن الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي كان قد قال قبل أيام:
"إذا زال هذا النظام بكل نواقصه وعيوبه، فإن مصير إيران سيكون أشد مرارة مما هو عليه اليوم. فالنزعات الانفصالية، والتدخل الخارجي، والاختراقات، ستؤدي إلى تدمير إيران".
خلاصة: الحلول.. وحبس الأنفاس
الحل كما تراه طهران هو إصلاحات اقتصادية واسعة، جراحة عميقة تهربت منها الحكومات الإيرانية المتعاقبة، ولم يعد أمام الرئيس مسعود بزشكيان إلا القيام بها، لمحاربة الفساد وتحقيق العدالة وتحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية للمواطنين الإيرانيين، كما يقول.
يدرك الطبيب الجراح، الذي يتقن الفارسية والكردية والتركية والإنكليزية والعربية، منذ فوزه بالانتخابات الرئاسية قبل سنة ونيف صعوبة المهام، فقد كان لسنوات ضمن مؤسسات النظام، سواء التنفيذية أو التشريعية. وكما يقول دائما هو ومن سبقه من الرؤساء: ليس هناك من عصا سحرية، والحلول الاقتصادية تحتاج إلى بعض الوقت على الأقل لتأتي أكلها.
من خلف نافذة منزلها في دبي، تراقب سارة المشهد الهادئ للطرق المضاءة؛ كل شيء يعمل كما يجب. لكن قلب سارة كان هناك: مدن بلا إنترنت، وهواتف بلا رنين، ومطارات بلا طائرات. تساءلت في نفسها: هل ما يجري بداية تغيير، أم حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الانكسارات؟ هل التصريحات الدولية حماية مؤقتة، أم وقود إضافي للنار؟ هل كل طرف يبحث عن مصالحه فقط؟ ماذا عن وعود الإصلاحات التي تكررت لعقود؟ وهل يمكن للغربة في بلد آخر، مهما طالت، أن تجعل منه وطنا؟
لم تكن تملك إجابات. كانت تملك فقط هذا الخيط الرفيع الذي لم ينقطع: متابعة، قلق، ذاكرة، وحب عنيد لبلد يرفض أن يغادرها، كما حال معظم الإيرانيين سواء كانوا في الداخل أو في الخارج.