بالنسبة لهم، تبدو المياه الخليجية مفتوحة على احتمالات كثيرة، ومن هنا يبدو كل شيء مطمئنًا: بحر هادئ، قوارب صغيرة، وأفق لا يشي بشيء، لكن سرعان ما انجرف الحديث إلى الضفة الأخرى، إلى ما لا يُرى بالعين المجردة.
حقل ألغام جيوسياسي
هذه المياه تخبئ في أعماقها، وتحمل على سطحها، ما يكفي لإشعال المنطقة بأكملها. قطع عسكرية من كل الأطراف، أساطيل تتحرك بصمت، ورادارات ترصد كل تحرك، فيما يستمر شريان الطاقة والتجارة العالمي بالعمل دون توقف.
وبما أن الحاضرين على الطاولة صحافيون، فقد توافرت معلومات أكثر دقة. نقل أحدهم عن معهد كبلر لحركة النفط أرقامًا مقلقة: أي شرارة هنا لن تبقى محلية، إذ يمر عبر مضيق هرمز أكثر من 21% من استهلاك النفط العالمي، أي نحو 21 مليون برميل يوميًا، إلى جانب نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، و26% من مكثفات الغاز، وأكثر من 15% من المنتجات الكيميائية.
هذه الأرقام تجعل من البحر الهادئ حقل ألغام جيوسياسيًا، يهدد برفع أسعار النفط عالميًا، ويؤدي إلى أزمة طاقة كبرى، وربما يجرّ تدخلًا عسكريًا دوليًا.
الغموض والترقب في الداخل الإيراني
وبينما كان الحديث يدور حول "ماذا لو؟"، جاء الاتصال من طهران. صديق قديم، صوته غير واضح في ظل واقع الإنترنت الصعب في إيران، كمن يقف خلف باب غرفة عمليات مغلقة، كان يصف الأجواء؛ الغموض والترقب كانا العنوانين الأبرز.
وهو ما ينعكس على سماء المنطقة، إذ أعلنت خطوط جوية عديدة توقيف رحلاتها خلال الأيام الماضية، مع صدور نشرات NOTAM في أجواء عدد من الدول، وتحذيرات متكررة، بالإضافة إلى مناورات عسكرية مستمرة.
الدبلوماسية: سباق للتهدئة
في المقابل، تشهد الساحة حركة دبلوماسية واتصالات إقليمية مكثفة لا تهدأ، مع خطوط مفتوحة بين طهران والرياض والدوحة وأنقرة والقاهرة وموسكو وإسلام آباد وأبو ظبي وواشنطن، في سباق غير معلن لاحتواء الموقف ودفعه نحو التهدئة، بدل الانزلاق نحو أزمات أكبر.
جهود مستمرة أفضت إلى تبلور عملية تفاوضية ينتظرها الجميع، أعلن عنها رسميًا علي لاريجاني، أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، حيث يتمركز مركز التفكير الاستراتيجي الجمعي للنظام الإيراني. ومع ذلك، فإن المضي نحو هذه المفاوضات في إسطنبول يشبه عبور نفق مظلم نحو النور.
ويضع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الدبلوماسية في مواجهة الحرب بوضوح: "حل القضايا عبر الدبلوماسية أولوية، فالحرب لن تكون في مصلحة إيران ولا الولايات المتحدة ولا المنطقة".
لبدوره، يقول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: "الحرب ستكون كارثة على الجميع.. القواعد الأميركية في المنطقة ستكون أهدافًا"، لكنه يؤكد في الوقت نفسه على "الثقة بإمكانية التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي"، داعيًا إلى التركيز على الملف النووي فقط، "دون الحديث عن أمور مستحيلة".
ويعرب عراقجي عن اعتقاده بأن اتفاقًا عادلًا يضمن عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا قابلًا للتحقق في فترة وجيزة مقابل رفع العقوبات واحترام حق إيران في التخصيب السلمي. ومع ذلك، يكرر أن إيران مستعدة للحرب إذا فشلت المفاوضات، محذرًا من أن الصراع قد يتجاوز حدودها.
في الطرف الآخر من العالم، يقول دونالد ترمب في مقابلة مع فوكس نيوز: "إيران تتحدث معنا، وسنرى إن كان بالإمكان التوصل إلى شيء ما، وإلا فسنرى ما الذي سيحدث".
إيران والولايات المتحدة: تفاوض أم استعداد للحرب؟
يتأرجح الطرفان بين السلم والاستعداد للحرب؛ كل منهما يعلن أهدافه التفاوضية علنًا، ويلوح بقدراته العسكرية أيضًا. واشنطن تصر على تعطيل البرنامج النووي بحسم أمرين: الأول، مصير المواد عالية التخصيب؛ الثاني، تصفير تخصيب اليورانيوم في إيران، مع تقييد برنامج الصواريخ لتصبح مداها أقل من 500 كلم، ووقف دعم طهران لحلفائها في المنطقة.
بالمقابل، تؤكد إيران أن التفاوض يقتصر على الملف النووي فقط مع مراعاة حقوقها وفق القوانين الدولية، لا سيما تخصيب اليورانيوم. الهوة بين الموقفين كبيرة، ورَدْمُها يتطلب جهودًا كبيرة وتنازلات تضمن بقاء معادلة "رابح-رابح" في المفاوضات، وهذا يستلزم ابتكارات ومبادرات خلاقة من جميع الأطراف، بما في ذلك الوسطاء.
السؤال الأخير: الهدوء قبل العاصفة؟
في المقهى، خفتت الأصوات وغرق الحاضرون في هواتفهم مع ورود أنباء جديدة مرتبطة بإيران. انتقل الحديث تلقائيًا من الإقليم إلى الداخل الإيراني، إلى الشارع وما يشعر به الناس. محاولات رسمية لطمأنة الناس تتزامن مع سعي حكومي لإصلاحات اقتصادية واسعة: خطوات لتوحيد سعر الصرف، وإعادة توزيع الدعم لتستفيد منه الفئات الأكثر حاجة، في وقت تركت فيه انقطاعات الإنترنت أضرارًا اقتصادية واجتماعية ملموسة.
اجتماعيًا، تسعى الحكومة إلى إعادة بناء الثقة بعد الاحتجاجات عبر إعلان أسماء ومعلومات ضحايا الاحتجاجات الأخيرة، في خطوة تهدف إلى إغلاق بعض الجراح المفتوحة.
سياسيًا، يدور نقاش حاد بين النخب: فهناك من يدعو إلى استفتاءات حول القضايا الكبرى، ويرفع آخرون شعار "تغيير الباراديغم"، معتبرين أن الحل لا يكمن في تعديلات جزئية، بل في إعادة تعريف شاملة للعلاقة بين الدولة والمجتمع.
ورغم اختلاف الرؤى، يبدو أن الجميع يتفق على شيء واحد: التغيير في إيران قادم لا محالة، لكن أحدًا لا يرغب به في ظل قلق يتجاوز العقوبات أو الحرب، ويمتد إلى هواجس أعمق تتعلق بوحدة البلاد ومستقبلها. مفكرون مثل بيجن عبد الكريمي يحذرون من مخاطر التفكك إذا لم يُدار التحول بحكمة، في ظل ضغوط خارجية وتصدعات داخلية متراكمة.