إيران.. من عام المواجهة المباشرة إلى عام التغيير
لا يطرق العام الميلادي الجديد أبواب طهران بالمعنى الحرفي؛ فإيران لها تقويمها الخاص، وحسابات الإيرانيين ترتبط بالنوروز قبل أي شيء. ومع ذلك، ثمة مظاهر فرضتها "العولمة" وتسللت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فتظهر في مناطق متناثرة من المدينة، وتتركز أكثر في أحياء يغلب عليها الطابع المسيحي مثل مجيدية وميرزاي شيرازي وغيرها. ويستفيد منها البعض لأغراض تسويقية، أو لسبب نفسي بسيط: البحث عن ذريعة للفرح، أو إظهار انفتاح على العالم.
قبل أيام قليلة من ليلة رأس السنة الميلادية هذا العام، بدت طهران كمن يحبس أنفاسه. ليس انتظارًا لشيء، بل خوفًا من خيبة جديدة.
آرش، الصحافي الذي يعمل مع إحدى وسائل الإعلام الأجنبية، والذي خسر مؤخرًا موافقة السلطات على عمله لأسباب لم يفهمها، جلس قرب النافذة في شقته الصغيرة بالطابق الرابع، حيث تُرى المدينة من بعيد بلا أن تُلمس. زجاج النافذة كان باردًا، والهواء المتسلل من أطرافها يشبه ذكرى قديمة لا تريد أن تموت.
صحيح أنه لم يُخفِ ارتياحه لبرودة الطقس التي أعادت الأمطار والثلوج إلى طهران بعد جفاف كبير، كان الرئيس الإيراني قد حذر بسببه من احتمال إخلاء العاصمة، لكنه لم يُخفِ قلقه أيضًا. ليس من التلوث المستمر والأوضاع الاقتصادية والمعيشية فقط، بل من احتجاجات كانت متوقعة بعد أن ضاقت السبل بالإيرانيين.
على الطاولة، ساعة رقمية تومض: 23:54. لم يكن يعدّ الدقائق، لكنه كان يشعر بها وهي تمر فوقه، واحدة تلو الأخرى. عبر النافذة، بدت المدينة كمن يغسل وجهه قبل عام جديد، متمنيًا أن يكون أقل قسوة.
في الداخل، كان التلفزيون يعمل بلا اهتمام حقيقي. مذيع التلفزيون الرسمي يعرض تقريرًا عن الاحتجاجات ويشير إلى أول قتيل. خفّض آرش الصوت. لم يكن بحاجة إلى من يخبره أن الأوضاع صعبة؛ يعرف ذلك، وذاكرته لا تزال تحتفظ بتفاصيل احتجاجات سابقة لم تُمحَ. فتح هاتفه. الإنترنت كان متقطعًا، كأنه هو الآخر متردد في العبور إلى عام جديد، رغم تبرير وزير الاتصالات تباطؤ الشبكة بإحباط إحدى أكبر الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية للاتصالات في البلاد.
ظهرت على الشاشة رسالة من صديق قديم هاجر إلى كندا: "Happy New Year. Hope 2026 is kinder". ثم سؤال مباشر عن الأوضاع في إيران.
تأمّل آرش البطاقة الإنجليزية، وكرر السؤال في رأسه أكثر من مرة. ولا يعرف كيف قفز إلى ذهنه ما كان حسين مرعشي قد كتبه قبل أسابيع في افتتاحية صحيفة "سازندغي"، محذرًا من "ثورة الجياع"، وواصفًا الأوضاع في البلاد بأنها تجاوزت مرحلة "الأزمة الكبرى".
الاحتفال برأس السنة الميلادية هنا فعل فردي، أشبه باعتراف سري بأن العالم يمضي سواء أُذن له أم لا. لكن كما قال له أحد أصدقائه: "هذا العام.. شمال المدينة صخب حفلات، ووسطها وجنوبها صخب احتجاجات متجددة".
نظر إلى الساعة. كانت تشير إلى 23:59. ظل يحدق بها حتى تجاوزت منتصف الليل. لم يشعر بانتقال واضح. لم تهتز الأرض، لم تُفتح السماء، ولم يطرق العام الجديد بابه. فقط رقم تغيّر، وصوت بعيد خفت ثم اختفى. خرج إلى الشرفة. البرد كان قاسيًا، لكنه حقيقي. في البنايات المجاورة، رأى نوافذ مضاءة وأخرى مظلمة. عاد إلى الداخل وجلس إلى حاسوبه، يتابع كيف ترسم إيران نفسها أمام العالم، وكيف يرسمها العالم، وهو ما يفعله يوميًا مسجلًا ملاحظات يقرأها هنا وهناك.
رأس سنة يحبس الأنفاس
كان يعرف أن ما يراه في الشارع ليس خبرًا عابرًا، بل علامة على شيء يتبدّل في عمق الجمهورية.
قرأ للأكاديمي الإيراني–الأميركي، أستاذ السياسة الدولية في جامعة تافتس، ولي نصر، مقاربة لافتة يصف فيها ما يجري في الجمهورية الإسلامية هذه الأيام بأنه "نقطة تحول تاريخية وحاسمة"، قد تكون الفصل الأخير في حياتها الأيديولوجية. وكما عبرت الصين نموذج ماو متبنية نموذج الإصلاح الاقتصادي على يد دينغ شياو بينغ، فإن إيران تنتظر من يتبنى عمليًا نهجًا خاصًا شبيهًا. يدلّل نصر على ذلك بأن طهران، رغم قراءتها لـ"حرب الاثني عشر يومًا"، تواجه "إعادة تفكير" واضحة.
مشاهد كثيرة توحي بذلك: من تصاعد "القومية الإيرانية" الذي ظهر في مواقف عدة، آخرها تداول صورة تمثال الملك الساساني شابور الأول على صهوة جواده والإمبراطور الروماني فاليريان راكعًا أمامه، إلى طريقة تعاطي السلطات مع الحجاب هذه الأيام، مرورًا بتصاعد النقاش بين نخب سياسية مختلفة الانتماءات حول العقيدة النووية لإيران:
"ماذا جنت منها حتى الآن، وإلى أين يجب أن تمضي بها؟".
نظرة أعمق للمشهد الإيراني
الاحتجاجات المتزامنة مع نهاية عام ميلادي وبداية آخر ليست إلا تجلّيًا من تجليات مشهد أعمق بكثير، يجد ترجمته في كلام المرشد علي خامنئي الذي قال في كلمة له خلال الأسابيع الماضية:
"الولايات المتحدة في قلب جهود واسعة تهدف إلى محو آثار وأهداف ومفاهيم الثورة، وإضعاف الهوية الدينية والتاريخية للشعب الإيراني، والشعب أفشل حتى الآن تلك الجهود".
لكن وسائل إعلام عديدة توقفت طوال الأشهر الستة الماضية عند مواقف لافتة للمرشد أيضًا، تتصل بأبعاد قومية إيرانية إلى جانب الدينية.
إيران، في العمق، تواجه تحولًا مفاهيميًا واسعًا على مستويات كثيرة. ليس في السياسات المعلنة فقط، بل في "البارادايم" (نمط التفكير) الذي يحدد أولويات الدولة وعلاقاتها الداخلية والخارجية. وهذا التحول لا يُختزل في شعارات أو تصريحات متفرقة، بل يتجلى كنداء متكرر لإعادة تعريف العلاقة بين الشعب والدولة، وبين إيران والعالم.
فبعد أكثر من أربعة عقود على سيادة بارادايم الثورة، حيث تُستمد الشرعية السياسية من "قيم الثورة" لا من المؤسسات القانونية فقط، وحيث تُقدّم أولوية استمرار المشروع الثوري على النتائج الاقتصادية والاجتماعية، وحيث تُقرأ السياسة الخارجية بوصفها "صراعًا حضاريًا وأخلاقيًا" ضد ما يُنظر إليه كهيمنة وقوى معادية… تبحث إيران عن بدائل، أو عن حلول على قاعدة "التكيف من أجل البقاء"، وفق منطق يرى أن الحفاظ على النظام يتطلب إصلاحات اقتصادية، وتبنيًا أوسع لمفردات القومية الإيرانية.
📌 مصطلحات في السياق 📌
-
📝البارادايم: نمط التفكير الحاكم الذي يحدد أولويات الدولة وكيف تقرأ مصالحها وتهديداتها، داخليًا وخارجيًا.
-
📝FATF: مجموعة دولية تضع معايير لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والالتزام بها يؤثر على تعامل البنوك والاستثمار.
-
📝CFT وPalermo: اتفاقيات دولية مرتبطة بمكافحة تمويل الإرهاب والجريمة المنظمة؛ وتُعدّ جزءًا من متطلبات مواءمة إيران مع معايير FATF.
يقول ولي نصر إن القيادات الإيرانية، في معظمها من قدامى المحاربين في الحرب الإيرانية–العراقية، وهي قادرة على الصمود، فهي ليست "رجال دين متهوّرين"، بل في سبيل تجاوز الانتكاسات الإقليمية الحالية، ستتبنى مرونة تكتيكية مع استعداد للتفاوض مع إدارة ترمب لتأمين انفراجة اقتصادية.
وإذا كان أستاذ الاستشراف مهدي مطهرنيا يرى أن الظروف الراهنة في إيران نتاج "ثلاث أزمات" هي "الصراع على خلافة المرشد، وتحديد مكانة إيران في المنطقة، والبديل عن النظام أو البارادايم القائم"، فإن أستاذ الإعلام والناشط الإصلاحي هادي خانيكي يلفت إلى دراسات تشير إلى تزايد مستوى الاستياء الشعبي في إيران.
“تشير الدراسات إلى أن مستوى الاستياء الشعبي في إيران قد بلغ نحو 92%، وهو في ازدياد. المجتمع يعاني؛ ولا يمكن حل المشكلات السياسية بالتكتيكات الانتخابية؛ فالأزمات متشابكة؛ وهناك تمييز على جميع المستويات”.
ولا تبدو فائزة هاشمي بعيدة عن هذه المقاربة، وهي التي أشادت قبل شهرين فقط بما حققه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مستشهدة بتعليق قانون الحجاب، وإدخال أهل السنة إلى الحكومة، وتعيين وزيرة امرأة، وإعادة طلاب جامعيين طُردوا أو أوقفوا بسبب احتجاجات الحجاب بعد وفاة مهسا أميني، إضافة إلى إعادة أساتذة مفصولين، وتمكنه من انتزاع موافقة على اتفاقيتي CFT وPalermo ضمن مسار FATF. أما اليوم، فتعبّر عن موقف مختلف:
"أشعر أن الحكومة تسير وحدها، والرئيس بزشكيان لم يعد قادرًا".
تلخص أبحاث كثيرة المشهد بمعاناة اقتصادية متفاقمة في ظل ركود مزمن، وتضخم كبير، وغلاء فاحش، وعقوبات مستمرة. أجيال جديدة لم تعش الثورة مباشرة، تحمل تطلعات مختلفة عن الخطاب الرسمي السائد، وسط مشكلات متراكمة من الهجرة إلى تراجع فرص العمل، وصولًا إلى انخفاض معدلات الزواج وارتفاع متوسط أعمار الإيرانيين. فضلًا عن عزلة تفرضها العقوبات، وسياسات غربية تجاه طهران، أدت داخليًا خلال العقد الماضي إلى توترات اجتماعية وثقافية، وانسداد في الآفاق الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية على وجه التحديد.
تغيير البارادايم
تزامنا مع تصاعد الاحتجاجات في بلاده، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إنّ "مكاننا هو في جهنم، إن لم ننجح في حلّ أزمة المعيشة".
"مكاننا هو في جهنم، إن لم ننجح في حلّ أزمة المعيشة" - مسعود بزشكيان
ويذهب وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف أبعد من ذلك، حين يكشف أنّ إسرائيل "أحبطت كل فرصة لتحقيق السلام في المنطقة وللمصالحة بين إيران والولايات المتحدة"، مضيفًا:
"الخروج من هذه الحلقة ممكن، لكن فقط إذا اختارت الولايات المتحدة تقديم مصالحها الوطنية على المصالح الإسرائيلية”.
برأي محمد جواد ظريف، فإنّ الدعوة لإعادة التفكير في البارادايم ضرورة تاريخية. وفي مقال له نشر أخيرًا في "فورين أفيرز" بعنوان "نحو بارادايم جديد"، قال ظريف إن إيران "وصلت إلى نقطة حاسمة تستدعي تغييرًا يبدأ من الداخل ليشمل السياسة الإقليمية والدولية معًا"، مضيفًا أن "السلام والاستقرار يجب أن يكونا جزءًا من بناء المستقبل"، وأنه "لا يمكن التعاطي مع الأمور فقط على أنها تهديد يجب مواجهته".
أما الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، فيرى أن تغيير البارادايم لا يستهدف الثورة ذاتها، بل آليات عمل الدولة وعلاقتها بالمواطنين والعالم. وهو دعا في سياق نقاشات سياسية حديثة إلى تعزيز علاقة الدولة بالشعب بدل الانغلاق على خطاب الثورة وحده، وإلى إصلاحات في مؤسسات القضاء والإعلام لمنح شرعية أوسع للمجتمع، مع الحد من هجرة النخب، وتحسين الحياة اليومية للإيرانيين عبر سياسات أكثر توازنًا بين الأمن والتنمية.
يتفق كثيرون على ضرورة "التغيير"، وربما على بدء وقوعه فعليًا، وإن كان فهمه الكامل لا يزال صعبًا. في كتابه “استراتيجية إيران الكبرى”، يرى ولي نصر أن الأيديولوجيا الثورية كانت ولا تزال لغة السياسة الإيرانية، لكنها أصبحت في سياقها الحالي وسيلة لتحقيق مصالح سياسية ووطنية، لا مجرد مشروع عالمي.
"باتت الأهداف الاستراتيجية للنظام تمر عبر توازن بين البعد الديني والبعد الوطني، ما يجعل فهم البارادايم الإيراني أكثر تعقيدًا من أي تصور ثنائي مبسط".
ضبط لا تغيير
لا يعني هذا "التغيير" بالضرورة أن هناك إجماعًا داخليًا على أن إيران في طريقها إلى نهاية الثورة كمرجعية.
ما تواجهه الجمهورية الإسلامية أقرب إلى "إعادة ضبط" للبارادايم عبر تحولات داخلية تضمن مشاركة أوسع للمجتمع في رسم السياسات، وتحسين مستوى المعيشة من دون التفريط في العناصر الأساسية في الهوية.
ويترافق ذلك مع تحول في الخطاب الخارجي: من منطق التهديد إلى منطق التفاوض الواقعي والتعاون الدولي، ومع الترفع عن وهم التفرد الدائم بمواجهة الغرب، إلى إدراك أن المصالح الوطنية تتطلب تفاعلًا بناءً مع العالم.
ضرورة "التغيير" يجتمع حولها كثيرون لأن الاستمرار بالمشهد الحالي لا يصب في مصلحة إيران. لكن جهة التغيير تختلف: فهناك من يرى أن التغيير المطلوب هو "تمسك حقيقي بالمنهج الثوري"، ومن يستعرض سياسات الحكومات المتعاقبة بوصفها خاطئة، خصوصًا لناحية دعم "محور المقاومة"، وتطوير القدرات العسكرية وربما النووية، وعدم الرد بقوة على اغتيال قاسم سليماني وغيره لاحقًا.
ويستشهد هؤلاء بما كتبه روني بيرغمان في كتاب “قم واقتل أولًا":
"رد الفعل الإيراني المعتدل على اغتيال اللواء قاسم سليماني شجّع إسرائيل والولايات المتحدة على اغتيال محسن فخري زاده، لأن الإيرانيين أظهروا أنهم غير قادرين على الرد بقوة”.
يرى كثيرون أن عدم رد طهران على اغتيال قاسم سليماني في المقام الأول هو الذي شجّع إسرائيل على التصعيد - غيتي
ما بعد مشهد اليوم
يقول أستاذ الفلسفة الإيراني بيجن بعيد الكريمي إنّ استمرار التوترات وسقوط نظام الجمهورية الإسلامية “سيحوّل إيران إلى أرض محروقة"، وهذا ما يتقاطع معه فيه الخبير الاقتصادي والناشط الإصلاحي سعيد ليلاز، إذ يقول إنّ مشكلة الغرب مع إيران ليست النووي، ولا حتى الاعتراف بإسرائيل، ولا حتى الرغبة بأخذ النفط والسيطرة على الخليج، "وإنما مشكلتهم إيران القوية، خاصة مع استعدادات الولايات المتحدة لمواجهة الصين التي تعتمد على النفط الإيراني خصوصًا، بشكل كبير”.
"لا بديل عن نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ فالخياران الموجودان إما البونوبارتية أو السقوط، لذا على المرشد الأعلى الاختيار بين الحكومة (الدولة) أو أجزائها".
ويذكر بمقولة للمستشرق اليهودي البريطاني–الأميركي برنارد لويس، ألمح فيها إلى تقسيم إيران، يوم وصفها بأنها "كبيرة جدًا".
ورغم أن 17 ناشطًا سياسيًا، من بينهم نرجس محمدي الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، أعلنوا دعمهم للاحتجاجات الحالية في إيران واعتبروها لحظة مصيرية، قائلين إن "الطريق الوحيد لنجاة إيران هو العبور عن نظام الجمهورية الإسلامية"، فإن سؤال "ماذا لو سقط النظام الإيراني؟" لم يعد حكرًا على التحليلات السياسية وحدها. وحتى حين يُطرح على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تأتي الإجابات متقاربة في جوهرها: فراغ سياسي، صراع على السلطة، اضطرابات داخلية، وتداعيات إقليمية كبيرة.. مع احتمال مسار إصلاحي، لكن بلا ضمانات.
ماذا لو سقط النظام الإيراني؟
تطبيقات الذكاء الاصطناعي تجيب..
شبح الحرب
في لقاء قبل أسابيع مع موقع “خبر أونلاين”، كشف وزير خارجية إيران عباس عراقجي، بتفصيل، مضمون رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المرشد الإيراني علي خامنئي:
"أمامكم خياران: إما الحرب وإراقة الدماء، أو المفاوضات المباشرة للقضاء على برنامج التخصيب والصواريخ الإيرانية".
وعلى المنوال نفسه واصل ترامب ضغوطه، وكتب على "تروث سوشيال" أنه "إذا أطلقت إيران النار على المتظاهرين السلميين وقتلتهم بعنف كعادتها، فإن واشنطن ستتدخل لنجدتهم".
وتكرّ سبحة الردود الإيرانية على التهديد بالتهديد، فيما تبعث طهران برسالة احتجاج إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي تحمل واشنطن تبعات تهديداتها. وفي حين تؤكد وزارة الخارجية الإيرانية أنّ "ردّ إيران على أي اعتداء سيكون سريعًا وحاسمًا وشاملًا"، يقول رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إنّه "على الرئيس الأميركي غير المحترم أن يعلم أنه بهذا الاعتراف الرسمي ستكون جميع المراكز والقوات الأميركية في جميع أنحاء المنطقة هدفًا مشروعًا لنا ردًا على أي مغامرة محتملة"، وفق قوله.
أما ممثل المرشد الإيراني في المجلس الأعلى للدفاع ومستشاره السياسي علي شمخاني، فيكتب على إكس:
الشعب الإيراني يعرف جيدًا تجربة “الإنقاذ” الأميركية؛ من العراق وأفغانستان إلى غزة.
أي يدٍ تدخلية تمس أمن إيران بأعذار واهية، وقبل أن تتمكن من الوصول، ستلقى رد فعل يبعث على الندم وستُقطع.
أمن إيران القومي خط أحمر، وليس موضوعًا لتغريدات متهورة.
كما كتب علي لاريجاني، أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على منصة “إكس”:
"ليعلم ترمب أن التدخل من قبل أميركا في المشكلة الداخلية سيؤدي إلى فوضى في المنطقة بأكملها وتدمير المصالح الأميركية.
ترمب هو من بدأ المغامرة، فليعتنوا بجنودهم".
يرى كثير من المراقبين أن تعاطي الحكومة الإيرانية مختلف هذه المرة مع الاحتجاجات: من اجتماع الرئيس بزشكيان مع ممثلي “البازار” حيث بدأت الاحتجاجات، إلى الوعد بتعديل ميزانية أثارت جدلًا بسبب رفع أجور أقل من نصف التضخم المتوقع، مرورًا بتغيير حاكم المصرف المركزي، وتوجيه وزير الداخلية للحوار مع ممثلي المحتجين والنقابات، وصولًا إلى طريقة تناول وسائل الإعلام الرسمية للاحتجاجات، عبر التفريق بين "محتجّين لأغراض معيشية واقتصادية محقة" و"مثيري شغب"، وهي ثنائية حضرت أيضًا في محطات سابقة.
"إيران وصلت إلى نقطة حاسمة تستدعي تغييرًا يبدأ من الداخل"
وقال المرشد الإيراني في أول تعليق له على الاحتجاجات:
“الاعتراض حق مشروع، ولكن الاعتراض شيء، والشغب شيء آخر… يجب وضع حد لمثيري الشغب… ينبغي معرفة كيفية عمل العدو؛ فالعدو لا يهدأ ويتحين كل فرصة".
لكن تصريحات ترمب ومسؤولين آخرين، من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإسرائيل، رجحت كفة “المؤامرة الخارجية” في الخطاب الرسمي الإيراني. وكتب مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، على “إكس”:
“النظام الإيراني في مأزق. استقدام المرتزقة هو أمله الأخير.
اضطرابات في عشرات المدن، وقوات الباسيج محاصرة في مشهد وطهران وزاهدان. المحطة التالية: بلوشستان.
47 عامًا من حكم هذا النظام؛ الرئيس السابع والأربعون للولايات المتحدة. هل هي مصادفة؟
كل عام وأنتم بخير لكل إيراني في الشوارع. وكذلك لكل عميل للموساد يسير بجانبهم”.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق أفيغدور ليبرمان قوله إنه “واثق من أن إسرائيل ستنضم إلى عمليات ترمب في إيران”.
دبلوماسية تحت النار
لكن المشهد بعد “حرب الاثني عشر يومًا” في يونيو الماضي مع إسرائيل بات مختلفًا. يقول حسين علائي، القائد الأسبق لبحرية الحرس الثوري الإيراني:
“الأميركيون يسعون لإبقاء شبح الحرب مخيمًا على إيران… بينما إيران ترغب في الخروج من هذا الوضع بأسرع وقت ممكن…
لا يبدو أن أحداثًا جسيمة ستحدث حتى عيد الفطر، ولكن لا توجد أحداث تبعث على البهجة أيضًا”.
وكان ترمب، خلال استقباله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أيام، قد قال: “إذا واصلت إيران برنامجها الصاروخي فأنا أؤيد مهاجمة إيران. وإذا واصلت برنامجها النووي فيجب أن يكون الهجوم فوريًا”.
وردت إيران عبر علي شمخاني: "في العقيدة الدفاعية الإيرانية، يتم تحديد بعض الردود حتى قبل أن تصل التهديدات إلى مرحلة التنفيذ… أي عدوان سيواجه برد شديد وفوري وخارج عن توقعات مخططيه".
رغم ذلك، وكما قاد عباس عراقجي، وزير خارجية إيران، دبلوماسية بلاده خلال حرب الاثني عشر يومًا، متنقلًا بين عواصم ووسطاء لاحتواء الحرب، كتب في "الغارديان":
"إيران مستعدة للتوصل إلى اتفاق يقوم على أساس الاحترام والمصلحة المشتركة. لا نخشى المباحثات إن كانت جدية ومنصفة وعادلة. هذا الهدف يتحقق فقط عندما تدرك أميركا الفرق بين الإملاء والمباحثات الحقيقية".
عام جديد
بصخب، تطوي إيران صفحة عام 2025 الصاخب: عام بدأ بااتفاقية شراكة استراتيجية مع روسيا، وخاضت في نصفه الأول خمس جولات مفاوضات مع الولايات المتحدة، وسعت خلاله إلى فتح صفحات جديدة مع الجوار، وأعلنت في وسطه اختراقًا استخباراتيًا كبيرًا لإسرائيل. عام خرجت فيه علاقتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مسارها الطبيعي إثر تقارير مديرها العام، ما اعتبرته طهران تمهيدًا لحرب إسرائيلية–أميركية. وهو عام خرج فيه الصراع من حرب الظل والوكالة إلى المواجهة المباشرة.
ورغم بعض "الانفتاحات الاجتماعية" في محاولة للحفاظ على "اللحمة الوطنية والانسجام الاجتماعي" بعد حرب يونيو، فإن تفاقم الأزمات الاقتصادية وتشديد الإجراءات الأمنية في بعض المجالات، ومشكلات الطاقة والمياه، وتدهور العملة الإيرانية وخسارتها خلال عام تقريبًا 100% من قيمتها أمام الدولار، كلها عناصر تجعل السردية الجديدة أكثر التباسًا: إصلاحات موضعية في مقابل ضغوط متزايدة، وتكيف في مقابل خوف من الانفلات.
لكن كل هذه الأحداث تخفي خلفها مشهدًا أكبر: ما يدور في إيران اليوم ليس نقاشًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا عابرًا، بل صراع على تصور الدولة نفسها/ بين من يرى أن البقاء يكمن في استمرار، بل تعزيز، منطق الثورة الدائم، وبين من يرى أن تغيير البارادايم هو السبيل لضمان بقاء الدولة واستدامة المجتمع. وفي قلب هذا الجدل أسئلة وجودية:
هل يمكن لإيران أن تكون “دولة عادية” لها مصالح وتحالفات وتفاعلات دولية بنّاءة؟ أم أنها ستبقى نموذجًا ثوريًا يتعامل مع العالم كلعبة صراع بلا نهاية؟
الإجابة ليست قرارًا فوريًا، بل مسار تاريخي يتطلب وقتًا وتوافقات أوسع من مجرد تصريحات فردية.
في نهاية يوم جديد من أيام الاحتجاجات، فتح آرش حاسوبه يتابع آخر الأخبار: توقيف عدد من الشبان والشابات ممن تقول الوكالات الرسمية إن بعضهم “من قادة مثيري الشغب” وإن لبعضهم “صلات مع دول أجنبية”.
استوقفته فيديوهات لإنزال أعلام الجمهورية الإسلامية في بعض المناطق مثل برازجان وكوهدشت. ثم توقف طويلًا عند الأخبار الواردة من فنزويلا حول اعتقال القوات الأميركية لنيكولاس مادورو. خطر في باله دينٌ على فنزويلا لإيران تُقدّر قيمته بملياري دولار، وقبلها أكثر من 25 مليارًا لنظام بشار الأسد في سوريا. قرأ منشورًا لأحد الناشطين الإيرانيين على “إكس” يكرر ثلاثية واحدة: “الاقتصاد، الاقتصاد، الاقتصاد”، رابطًا بين تآكل الداخل وتردد القوات في الدفاع، وبين سقوط أنظمة حين يتصدع ما تحتها.
فتح ملفًا جديدًا وكتب: “العام الجديد لا يبدأ، نحن فقط نستمر”. لم يعرف إن كان ما كتبه حكمة أم استسلامًا. لكنه أدرك أن العيش هنا يعني أن تعيش عدة أزمنة في آن واحد: زمنًا رسميًا، وزمنًا شخصيًا، وزمنًا عالميًا. زمنًا تُحيي فيه إيران ذكرى مولد الإمام علي، وتحل فيه الذكرى السادسة لاغتيال قاسم سليماني، ويعلو فيه صخب الاحتجاجات… وكل ذلك بالتزامن مع رأس السنة الميلادية.