تسللت الموسيقى التراثية الإيرانية مع نسمات رطبة، فيما لم تغب الأجواء عن رائحة الزعفران المتصاعدة من أطباق إيرانية كانت بانتظار الحضور. في هذا التوقيت تحديدًا، كانت مواقع إخبارية أميركية وإسرائيلية تنقل أخبارًا عن انهيار المفاوضات النووية الإيرانية - الأميركية المقررة في مسقط يوم الجمعة، قبل انطلاقها.
وسائل إعلام عديدة انشغلت بتحليل الحدث وسيناريوهاته المحتملة: من وصفه بالانهيار المتوقع، إلى من اعتبره حربًا نفسية، وآخرين رأوا فيه ضغوطًا إسرائيلية للتأثير على مسار التفاوض. غير أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وضع حدًا لكل التكهنات، قائلاً:
المحادثات النووية مع الولايات المتحدة ستُعقد في مسقط حوالي الساعة العاشرة صباح يوم الجمعة. أتقدم بالشكر لإخواننا العُمانيين على اتخاذهم كافة الترتيبات اللازمة.
في الحفل، قال السفير الإيراني في الدوحة علي صالح آبادي أمام الحضور إن سياسة إيران الخارجية "متوازنة، وملتزمة بتعزيز العلاقات مع دول الجوار والقوى الصاعدة"، مؤكدًا أن دور إيران في المنطقة "فاعل ومسؤول ومؤثر ومستقل". وأضاف أن بلاده "تدعم الحوار والدبلوماسية لإرساء السلام والأمن والتنمية المستدامة"، لكنها في الوقت نفسه "عازمة على التصدي بحزم للحملات العسكرية والسياسية والإعلامية، والدفاع الجاد عن أمنها القومي".
وتحدث السفير عن نمو الإنتاج الصناعي وزيادة الصادرات غير النفطية خلال العام الماضي، وسعي طهران إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، في وقت يكرر فيه المسؤولون الإيرانيون، من المرشد الأعلى إلى الرئيس، توصيف المرحلة بـ"الصعبة"، مع الإقرار بوجود مشكلات اقتصادية ومعيشية.
داخلٌ يغلي
من قلب بازار طهران، أواخر عام 2025، انفجر الشارع الإيراني بعد تراكم أزمات اقتصادية متعددة، شملت العجز في موارد الطاقة، وأزمة تأمين الموارد المالية، فضلًا عن تبعات الحرب التي استمرت 12 يومًا في يونيو/ حزيران الماضي، والتي شكّلت أول مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
الركود الاقتصادي - بحسب خبراء- أوقف محرك النمو في إيران إلى حد كبير، وانعكس مباشرة على مستوى رفاهية الإيرانيين وجودة حياتهم. وتشير تقديرات مركز الدراسات النقدية والمصرفية التابع للبنك المركزي الإيراني إلى أن النمو الاقتصادي ربع السنوي بين أغسطس/ آب وديسمبر/ كانون الأول لم يتجاوز 1%.
وسجّلت قطاعات حيوية مثل الصناعة والتعدين والنفط نموًا أقل من 1% في ديسمبر، فيما كان النمو الزراعي سلبيًا، وحقق قطاع الخدمات نموًا طفيفًا تجاوز قليلًا 1%.
أهداف طهران مقابل أهداف واشنطن
بين داخلٍ يغلي يبحث عن حلول لأزماته الاقتصادية والمعيشية، وخارجٍ يضيّق خياراته، تبدو إيران في حالة ترقّب. تُقابل التهديد بالتهديد، وتؤكد - وفق وزير خارجيتها- أن واشنطن فشلت، رغم العقوبات والضغوط القصوى وتأليب الشارع وحتى الهجوم العسكري، في دفع طهران إلى تقديم تنازلات تمس أمنها القومي.
ومع ذلك، فإن الاستعداد لمفاوضات مسقط لا يمنع الطرفين الأميركي والإيراني من رفع سقف الشروط عشية المحادثات.
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن أي محادثات يجب أن تتناول برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني "حتى تؤدي إلى نتائج ذات مغزى"، معتبرًا أن الاجتماع مع الإيرانيين "لا يعني إضفاء شرعية على النظام"، ومشيرًا إلى أن الاحتجاجات في إيران قد تخف حدتها مرحليًا لكنها مرشحة للعودة مستقبلًا.
في المقابل، جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعمه للمتظاهرين في إيران، معتبرًا أن البلاد "تعيش حالة من الفوضى"، ومركزًا على الملف النووي:
"لا يمكن تحقيق السلام في الشرق الأوسط دون تدمير القدرات النووية الإيرانية... وإذا حاولت إيران إعادة تشغيل برنامجها النووي، فسنعيد مقاتلينا".
إسرائيل على الخط
في هذا التوقيت، كان ستيف ويتكوف ينتقل من إسرائيل إلى عُمان مرورًا بأبو ظبي والدوحة، بعد اجتماع مطوّل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، شارك فيه قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن إسرائيل عرضت على ويتكوف أحدث المعلومات الاستخبارية حول البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية، إضافة إلى معلومات عن قمع المدنيين الإيرانيين، مكررة خطوطها الحمراء وهي:
- تصفير تخصيب اليورانيوم
- إخراج مخزون اليورانيوم المخصّب (450 كلغ) من إيران
- وقف برنامج الصواريخ الباليستية
- وقف دعم وكلاء إيران في الشرق الأوسط
هنا يستحضر وزير الخارجية الإيراني مقالًا لنتنياهو في وول ستريت جورنال كتب قبل غزو العراق عام 2003، دعا فيه إلى إسقاط نظام صدام حسين بذريعة امتلاكه قدرات نووية، وهو ما تبيّن لاحقًا أنه "كذبة كبرى".
يقول نتنياهو في المقال:
قبل عقدين من الزمن، كان من الممكن إحباط طموحات صدام النووية بقصف منشأة واحدة. أما اليوم، فلا بديل عن تفكيك نظامه. فقد تغير برنامج صدام النووي. لم يعد بحاجة إلى مفاعل ضخم واحد لإنتاج المواد الفتاكة اللازمة لصنع القنابل الذرية. بإمكانه إنتاجها في أجهزة طرد مركزي بحجم الغسالات، يمكن إخفاؤها في أنحاء البلاد - والعراق بلد شاسع. حتى عمليات التفتيش الحرة وغير المقيدة لن تكشف عن هذه المواقع المتنقلة لتصنيع الأسلحة النووية.
وتؤكد طهران أن المفاوضات تتركز على البرنامج النووي مقابل رفع العقوبات. وبينما قال المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي إن نقل مخزون اليورانيوم "يُبحث على طاولة المفاوضات"، صدرت مواقف أكثر تشددًا.
المستشار السياسي للمرشد الإيراني علي شمخاني قال إن حجم المخزون "لا يزال مجهولًا بسبب بقائه تحت الأنقاض"، مؤكدًا أن اليورانيوم المخصب بنسبة 60% مخصص للأغراض السلمية، ويمكن خفضه إلى 20% دون نقله للخارج. كما شدد علي باقري كني على عدم وجود نية لنقل مواد نووية مخصبة إلى أي دولة.
مقترحات روسية وتركية
في ظل الغموض الذي يلف تفاصيل المفاوضات، برزت مقترحات عدة، من بينها نقل مخزون اليورانيوم إلى تركيا أو فرض رقابة مشددة داخل إيران. وأعلنت الخارجية الروسية أن هذا المقترح لا يزال مطروحًا، مع التأكيد أن القرار النهائي يعود لطهران.
كما تشير مصادر إلى اقتراح تشكيل تحالف إقليمي لتخصيب اليورانيوم يضم إيران والسعودية ومصر ودولًا أخرى.
وتتزامن المفاوضات مع جهوزية عسكرية أميركية وإيرانية متواصلة. ترمب قال إن التحشيد الأميركي في المنطقة "أكبر من الذي جرى في فنزويلا"، فيما أكد نائبه جيه دي فانس أن الرئيس "سيسعى أولًا للحلول المدنية، لكنه لن يستبعد الخيار العسكري".
وأضاف فانس: "أدرك تمامًا أن الشرق الأوسط قد يؤدي إلى مستنقعات معقدة ومكلفة. صدقوني، رئيس الولايات المتحدة يرى ذلك أيضًا. نعلم بوجود هذه المخاطر، ولكن الأهم من ذلك، أننا نعي التاريخ، والرئيس لا يرغب في تكرار تجربة العراق".
تحذيرات إيرانية وتأكيدات صاروخية
في المقابل، تحذّر إيران من أي تحركات عسكرية أميركية ضدها، مؤكدة عبر وسائل إعلامها على قدراتها الصاروخية، وخصوصًا الصواريخ التي استخدمت في اليومين الأخيرين من حرب الإثني عشر يومًا (صاروخ خرمشهر 4 - خيبر)، أو مخزونها الصاروخي الذي استعرضه رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية قبيل المفاوضات، قائلاً:
"تمكّنت إيران من تعزيز قدرتها الردعية من خلال تطوير الصواريخ الباليستية في جميع الأبعاد الفنية. بعد حرب الـ12 يومًا، تغيرت العقيدة العسكرية الإيرانية من الدفاعية إلى الهجومية، عبر اعتماد سياسة الحرب غير المتكافئة وتوجيه ردّ حاسم وقوي للأعداء."
ويضيف المتحدث باسم الجيش الإيراني، محمد أكرمي نيا:
في حال اندلاع حرب، سيشمل نطاقها كامل المنطقة وجميع القواعد الأميركية؛ من الأراضي المحتلة إلى المياه الخليجية وبحر عُمان، حيث تتواجد قواعد أميركية.. وصولنا إلى القواعد الأميركية سهل، مما يزيد من ضعفها. على الرئيس الأميركي أن يختار بين التسوية أو الحرب.
انقسامات داخلية وخارجية
حرب أم مفاوضات؟ لا يوجد إجماع على أي منهما، إذ ينقسم العالم حيال التعاطي مع إيران، وتنقسم إدارة دونالد ترمب نفسها، كما تنقسم الآراء داخل طهران.
يقول النائب في البرلمان الإيراني أمير حسين ثابتي: "الشعب ينتظر هجومًا إيرانيًا استباقيًا على العدو، وليس مفاوضات."
ويضيف مهدي كوتشيك زاده: "السلام الذي يسعى إليه أصحاب الاتفاق النووي هو ذلّ أقسى من الاستسلام. هذه المباحثات مجرد ضرر لا أكثر كما في السابق. إن كان لا بد من معركة، فعلينا الهجوم أولًا".
بالمقابل، يقول الإصلاحي غلام حسين كرباستشي:
نتفاوض بشأن القضية النووية منذ أكثر من عشرين عامًا، ونتجادل ونتناقش مع العالم حولها؛ يومًا نقبل ويومًا نرفض. في يومٍ ما يقبلون، وفي يومٍ ما يأتي شخص مثل ترمب وينكث بوعده، وحينها لا ندري ماذا نفعل. لقد سئم الناس من عملية التفاوض، وأصبحت كلمة 'تفاوض' مملة بالنسبة لهم. مطلب الشعب من الرئيس هو إنهاء التوترات المدمرة. العالم قاسٍ، وأميركا متسلطة، وأوروبا أسوأ، لكن يجب علينا مراعاة قضايا الشعب والعمل على تحسين حياة وأمن واقتصاد الشعب.
ورغم ذلك، تتجه إيران إلى التفاوض، متمسكة بالقلم من جهة والبندقية من جهة أخرى. المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي لطالما صرّح بعدم ثقته بالجانب الأميركي وبنجاعة التفاوض معه، يدرك واقع بلاده ويدعم خيارات مؤسسات النظام.
كما ساعدت مرونته البطولية في التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015، ويدعم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وحكومته، وكذلك أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني. وبين تنفيذ الرغبات والتماشي مع الواقع، تبقى هذه المسافة التي يحافظ عليها المرشد بصفته مرشد الثورة في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
النتائج المتوقعة للمفاوضات
على نحو مختلف عن حفل السفارة الإيرانية في الدوحة، سيجلس الدبلوماسيون الإيرانيون إلى المبعوثين الأميركيين في فندق قصر البستان (Al Bustan Palace) الذي يعرفونه سابقًا، أو في مكان آخر مطل على خليج عُمان في مسقط. وهم يدركون حجم التحشيد العسكري فوق المياه وتحتها وعلى الشواطئ، وما يريده الشعب الإيراني، كما أن الجانب الأميركي يعرف ما يريده شعبه. كما يعلم الطرفان ما تهدف إليه إسرائيل وما تريده دول المنطقة التي بذلت جهودًا كبيرة في الأسابيع الماضية لترتيب طاولة الحوار.
التنازلات الطفيفة تطمئن كل طرف حيال الآخر، دون أن تمنعه من تقديم نفسه كمنتصر أمام شعبه. وربما توجد بعض المطامع أيضًا، إلى جانب حلول مبتكرة تُطبّق وفق معادلة "رابح-رابح"، لضمان نجاح مفاوضات جديدة بين خصمين متناحرين منذ 47 عامًا.