مع تبدّل الموقف الأميركي، وتزايد ثقة دمشق الجديدة، وتغيّر الحسابات الإقليمية، يقترب اتفاق 10 مارس/ آذار من نهايته، لتجد "قسد" (قوات سوريا الديمقراطية) نفسها أمام لحظة فرز سياسي حاسمة قد تحدد موقعها في المرحلة المقبلة، بين الاندماج في مؤسسات الدولة السورية أو البقاء في منطقة رمادية آخذة في التلاشي.
اتفاق العاشر من مارس لم يكن محطة تهدئة عادية في مسار الصراع السوري، بل هدنة سياسية قصيرة أُريد لها أن تمنح الأطراف المتداخلة فرصة لإعادة الحسابات، وتأجيل لحظة الانفجار ريثما تتضح ملامح المرحلة التالية.
ومع اقتراب انتهاء المهلة، يتبيّن أن الاتفاق أدّى وظيفته الأساسية: لم يحلّ الأزمة، لكنه كشف حدود القوة، وفضح هشاشة بعض الرهانات، ووضع الجميع أمام استحقاق لم يعد ممكنًا تجاهله.
اليوم، لم يعد السؤال مرتبطًا ببقاء الاتفاق أو سقوطه، بل بمصير القوى التي بنت حساباتها عليه، وفي مقدمتها "قوات سوريا الديمقراطية".
اتفاق لشراء الوقت لا لحسم الصراع
وُلد اتفاق 10 مارس في سياق إقليمي شديد الحساسية:
✅ قلق أميركي من انفلات أمني واسع في شمال وشرق سوريا،
✅ خشية دولية من فتح جبهة جديدة غير محسوبة،
✅ رغبة واضحة في تثبيت خطوط تماس هادئة بانتظار اتضاح صورة الدولة السورية الجديدة بعد مرحلة التحولات الكبرى.
جاء الاتفاق عامًا وفضفاضًا، خاليًا من التفاصيل المصيرية المُلزمة.
نصّ على خفض التوتر، وتنسيق أمني محدود، ومنع المواجهة المباشرة. أما القضايا الثقيلة، فقد جرى ترحيلها، ومن بينها: مصير السلاح، شكل الإدارة، ومستقبل "قسد" داخل الدولة السورية.
كان الاتفاق أشبه بجسر مؤقت، لا طريقًا نهائيًا.
مظلوم عبدي.. مرونة في الخطاب وقلق في العمق
منذ الإعلان عن الاتفاق، تغيّرت نبرة قائد "قسد" مظلوم عبدي بشكل ملحوظ:
☑️ حديث متكرر عن سوريا موحدة.
☑️ انفتاح على الحل السياسي.
☑️ استعداد مبدئي للاندماج ضمن مؤسسات الدولة.
هي لغة جديدة مقارنة بخطاب السنوات الماضية، توحي بالواقعية والمرونة. غير أن التدقيق في تفاصيل هذه التصريحات يكشف حدودها الفعلية.
عبدي لم يقدّم تصورًا واضحًا لآلية الاندماج. لم يتحدث عن مصير السلاح الثقيل. ولم يشرح كيف يمكن لقوة عسكرية نشأت خارج بنية الدولة أن تتحول إلى جزء منها دون أن تفقد جوهرها التنظيمي.
في المقابل، تعاملت الرئاسة السورية والحكومة الجديدة مع الاتفاق بقدر لافت من الهدوء والثقة: لا تهديدات، ولا اندفاع، ولا وعود مفتوحة.
الخطاب الرسمي واضح:
الاتفاق مؤقت. الدولة تستعيد وظائفها السيادية تدريجيًا. ولا صيغة دائمة لسلاح خارج مؤسساتها.
هذا الموقف لا يصدر عن تشدد بقدر ما يعكس قراءة سياسية تعتبر أن ميزان اللحظة يميل لمصلحة الدولة، وأن الزمن لم يعد يعمل لصالح الكيانات المسلحة المؤقتة، مهما طال عمرها.
واشنطن تغيّر أولوياتها.. لا تحالفاتها
التحول الأميركي يمثل العامل الأكثر تأثيرًا في هذه المرحلة. فإدارة الرئيس دونالد ترمب لا تنظر إلى سوريا بوصفها ساحة نفوذ طويلة الأمد، بل ملفًا يجب ضبطه وإدارته بأقل كلفة سياسية وعسكرية.
الأولوية باتت للاستقرار، وتقليص الالتزامات، ودعم الطرف القادر على ضبط الجغرافيا دون استنزاف. وفي هذا السياق، يظهر رضا أميركي متزايد عن أداء الرئيس أحمد الشرع وحكومته، لا بوصفه تحالفًا استراتيجيًا فحسب، بل اقتناعًا بأن الدولة السورية الجديدة قادرة على إدارة المرحلة دون الانزلاق إلى فوضى جديدة.
هذا التحول يضع "قسد" أمام واقع مختلف: الدعم الأميركي لم يعد مفتوحًا إلى الأبد، والغطاء السياسي بات مشروطًا بالانسجام مع مسار الدولة، لا بموازاته.
أما إسرائيل فتراقب المشهد من زاوية النتائج لا الشعارات. ما يهمّها شمال شرقي هادئ بلا مفاجآت، وجنوب سوري مضبوط تتحمّل الدولة مسؤوليته الأمنية.
تل أبيب يبدو أنها لا ترى في انفجار مواجهة مع "قسد" مكسبًا، ولا في استمرار كيان مسلح مستقل ضمانة طويلة الأمد.
التجربة في الجنوب السوري تقدّم النموذج المفضّل بالنسبة إليها: هدوء، ترتيبات غير معلنة، ودولة واحدة تتحمّل عبء الأمن.
ما الذي تغيّر قبل انتهاء المهلة؟
ثلاثة متغيرات فرضت نفسها بوضوح:
📌 واشنطن خفّضت سقف التزاماتها.
📌 دمشق رفعت سقف ثقتها بنفسها.
📌 البيئة الإقليمية ضاقت بالحلول الرمادية وتتجه نحو دعم سيادة الدولة.
ما بعد 10 مارس.. نهاية المنطقة الرمادية
على ما يبدو، لن تنتهي مهلة العاشر من مارس ببيان مدوٍّ، ولا يُنتظر أن تبدأ المرحلة التالية بضجيج عسكري.
ما سيأتي ربما سيكون أهدأ وأقسى في آن واحد: ضغط سياسي متراكم، وتضييق في الهوامش، وفرز صامت لمن يستطيع التكيّف مع التحولات، ومن يصرّ على البقاء خارج السياق.
سوريا تدخل مرحلة إعادة بناء مركز القرار، وفي هذه المرحلة لا يكفي امتلاك السلاح، ولا السيطرة على الأرض، بل القدرة على قراءة اللحظة قبل أن تُغلق.
ومن يفوّت هذه اللحظة قد لا يُهزم عسكريًا، لكنه سيخرج من التاريخ السياسي بصمت...