العدالة الانتقالية حجر أساس وضرورة وطنية.. هل تتعلم سوريا من التاريخ؟
في خضمّ التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا منذ سقوط نظام الأسد، تتجلى الحاجة الملحة إلى العدالة الانتقالية باعتبارها حجر الأساس في بناء السلم الأهلي ومنع تكرار دائرة العنف الانتقامي والانتهاكات.
فالأحداث المأساوية التي شهدها الساحل السوري في مارس/ آذار 2025 ليست مجرد حوادث معزولة، بل هي انعكاس عميق للإرث الدموي الذي تركه الأسد، حيث استخدم العنف الطائفي أداة للبقاء، مما زرع بذور الكراهية والانتقام في نسيج المجتمع السوري.
وتعرّف الأمم المتحدة العدالة الانتقالية بأنها "مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية التي تُنفّذها الدول لمعالجة إرث انتهاكات حقوق الإنسان السابقة"، وتشمل هذه التدابير الملاحقات الجنائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات. ولعلَّ تجربة جنوب إفريقيا بعد الإطاحة بنظام الفصل العنصري تقدم مثالًا بارزًا على كيفية استخدام العدالة الانتقالية لإعادة بناء مجتمع مزّقته الصراعات والهويات المتناحرة.
من هنا، فإنّ ما حدث في بانياس ومدن أخرى من الساحل السوري في مارس 2025، يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة الجديدة على تحقيق العدالة وعدم الوقوع في فخ الانتقام. وبصورة أكثر دقة مدى قدرة الدولة الجديدة على ضبط العناصر المنضوين في الشأن الأمني والدفاعي سواء كانوا نظاميين أو رديفين. فما إن تقع جريمة في الساحل حتى يظهر مسؤولون أمنيون ينفون انتماء العناصر التي نفَّذت الجريمة إلى كيان الدولة، لكن لا نرى صورًا ولا متورطين، بينما تغرقنا وكالة سانا ومنصات التلغرام بصور مختلفة لعناصر من فلول نظام الأسد تم اعتقالهم في أماكن مختلفة على امتداد سوريا.
وفقًا لمنظمة العفو الدولية، فإن ما حدث في الساحل يرقى إلى مستوى "جرائم حرب"، مما يجعل محاسبة مرتكبيها أمرًا لا يحتمل التأجيل. ويعكس التقرير الحقوقي الصادم الذي يقول إنه تم إجبار عائلات الضحايا على دفن أحبائهم في مقابر جماعية دون مراسم دينية، خللًا كبيرًا في مقاربة السلطات الحالية لفكرة العدالة ومفهومها. فالعدالة ليست فقط في المعاقبة، بل أيضًا في الاعتراف بمعاناة الضحايا ومنحهم حقهم في الحداد والمواساة.
إرث المجازر في سوريا: بين 1860 و2025
المجازر الطائفية حاضرة في التاريخ السوري بشكل لا يمكن إنكاره، تعود بنا الذاكرة إلى أحداث ما يعرف شعبيًا بـ"طوشة النصارى" في دمشق عام 1860، حين اندلعت موجة من العنف الطائفي ضد المسيحيين، راح ضحيتها مئات السوريين على أقل التقديرات، وتم تدمير أحياء بكاملها.
وبمراجعة الإجراءات التي قامت بها الإمبراطورية العثمانية حينها رغم تراخيها في بداية الأمر وفقًا للمصادر التاريخية، فإن السلطان عبدالمجيد أرسل وزير خارجيته بعد المجزرة بأسبوع، ورافقه جيش مؤلف من ثلاثة آلاف جندي لاستعادة الأمن، كما أمر بتشكيل لجنة تحقيق قُسمت فيها التهم إلى ثلاثة أقسام " سالب ومهيِّج وقاتل".
طبعًا هذه الإجراءات لم ترضِ فرنسا التي جهّزت جيشًا لدخول سوريا مع التهديد والتلويح بتشكيل لجنة تحقيق دولية، ولقطع الطريق على التدخل الدولي أصدرت السلطة العثمانية أحكامًا بإعدام والي الشام العثماني ومعه قائد حامية حاصبيا وقائد حامية راشيا والقائد العسكري لمنطقة باب توما التي انطلقت منها الأحداث. هذه إجراءات اتخذتها السلطات العثمانية حينها قبل أن يتم إقفال المحضر في سبتمبر/ أيلول من عام 1860 وفقًا للمصادر والروايات التاريخية.
اللافت هنا هو أنَّ الدولة العثمانية حينها سارعت إلى احتواء الوضع عبر محاكمات علنية للجناة وتعويضات للمتضررين، الأمر الذي ساهم في استعادة الاستقرار ولو نسبيًا. استحضار هذا المثال يضع المقاربات التاريخية في سياقها رغم تباعد السنون، فكثير من الباحثين يشيرون إلى أن الحرب الأهلية اللبنانية في ذروتها كانت امتدادًا لأحداث دمشق 1860، وهذا يعني أن عدم العلاج الكلي والشامل للحدث يُبقي تداعياته وإن كانت مثل نار تحت الرماد. ففكرة العدالة الانتقالية ليست ترفًا سياسيًا أو مفهومًا نظريًا معلقًا في الفراغ، بل هي ضرورة ملحّة لضمان استقرار الدول الخارجة من النزاعات والحروب الأهلية.
في التجربة السورية الراهنة، حيث تتشابك الانقسامات الطائفية والعرقية والسياسية بشكل أفقي وعمودي في المجتمع، يصبح تحقيق العدالة الانتقالية شرطًا لا يمكن الاستغناء عنه لتحقيق المصالحة الوطنية ومنع تكرار جرائم الماضي والحاضر في المستقبل.
في هذا السياق، يمكن مقارنة تعامل الدولة الحالية مع أحداث الساحل السوري بتصرفات نظام الأسد بعد مجازر حماة عام 1982، حين أقدم النظام على ارتكاب واحدة من أبشع المجازر في تاريخ سوريا الحديث، قتل فيها الآلاف من المدنيين ودُمرت أحياء بكاملها، من دون أي مساءلة أو محاسبة. لم يكن هناك تحقيق، ولا تعويض للضحايا، بل مُورست سياسة التعتيم والإنكار، ما أسس لاستمرار وترسيخ عقلية الإفلات من العقاب في بنية النظام السوري لعقود لاحقة.
على العكس من ذلك، فإن الدولة السورية اليوم، رغم التحديات الجسيمة، تجد نفسها أمام مسؤولية تاريخية تفرض عليها نهجًا مغايرًا. العدالة الانتقالية هنا ليست مجرد خيار سياسي، بل هي الضمانة الوحيدة لمنع دورة جديدة من العنف والانتقام. وتكاد أن تكون مخرج الطوارئ الوحيد لضمان السلم الأهلي. لكنَّ تحقيقها يتطلب آليات واضحة تشمل المحاسبة، وكشف الحقيقة، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات لضمان عدم تكرار الانتهاكات. أي إهمال لهذا المسار، كما تعمّد وفعل نظام الأسد سابقًا، يعني فقط تأجيل الأزمة إلى حين انفجارها مجددًا في المستقبل.
إن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يتم على ركام المظالم السابقة من دون معالجتها، فتلفيق الجريمة جريمة، لكنَّ إنكار وقوعها جريمة أكبر، ولا يمكن للبلاد أن تستقر إلا إذا شعر كل مواطن بأن حقوقه محفوظة، وأن المجرمين لن يهربوا من المحاسبة. فالعدالة الانتقالية ليست مجرد تصفية حساب مع الماضي، بل هي القاعدة الصلبة التي يُبنى عليها المستقبل.
اليوم، نجد أنفسنا أمام مشهد مشابه للعديد من مواقف تاريخ الجغرافية السورية، ولكن بأبعاد أكثر تعقيدًا، إذ إن الانتهاكات الحالية ليست مجرد أعمال عنف طائفي عشوائي، بل هي جزء من ديناميكيات الحرب التي انتهت للتو. فكيف يمكن للدولة السورية الجديدة أن تتعلم من التاريخ، وألا تقع في فخ الانتقام والتمييز؟
العدالة الانتقالية مشروع وطني
في مواجهة هذه الجرائم، لا مناص للدولة الجديدة التي يقع على عاتقها بالدرجة الأولى حماية مواطنيها، من القيام بعدة خطوات تجعل من العدالة الانتقالية مشروعًا وطنيًا متكاملًا يشمل:
- لجان تحقيق مستقلة قوية الصلاحيات: رغم تشكيل لجنة تحقيق وطنية، إلا أن نجاحها يعتمد على مدى استقلاليتها وحيادها. يجب أن تملك سلطة استدعاء الشهود، والاطلاع على الأدلة، وحماية الشهود، وهذا ما بدأت السلطة السورية أولى خطواتها به.
- محكمة خاصة بجرائم الحرب: لا يمكن ترك المحاكمات في يد القضاء التقليدي الذي تلوث لعقود بفساد نظام الأسد. ولذلك، يجب إنشاء محكمة مستقلة على غرار المحكمة الخاصة بيوغوسلافيا السابقة.
- إنصاف الضحايا وعائلاتهم: لا تقتصر العدالة على المحاسبة، بل تشمل أيضًا جبر الضرر، سواء عبر التعويضات المالية، أو الاعتراف الرسمي بما جرى، أو تقديم الدعم النفسي والمجتمعي.
- إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية: من الأساسي والضروري ضمان عدم استمرار المتورطين في الانتهاكات سواء بالأمر أو الفعل في مواقع صنع القرار أو السماح لهم بأن يكونوا قريبين منه.
- الحقيقة قبل المصالحة: المصالحة الحقيقية لا تتحقق من دون كشف الحقائق كاملة. يجب على الدولة نشر نتائج التحقيقات بشفافية، وعدم الاكتفاء بخطابات سياسية تدعو للوحدة الوطنية من دون إجراءات فعلية.
العدالة طريق السلام
ما من سلام يولد من رحم الانتقام، وما من أمة تعبر إلى المستقبل فوق ركام الظلم دون أن تعترف أولًا بالحقيقة، بكل قسوتها، بكل مراراتها. العدالة ليست سيفًا مسلطًا، بل جسرًا يبنى فوق الهوة السحيقة التي خلفتها الحروب والصراعات. ما تعيشه سوريا اليوم، خصوصًا في الساحل الذي تهزه التحولات، ليس مجرد مخاض سياسي أو صراع على السلطة، بل امتحان أخلاقي يقول: هل نستطيع أن نواجه ما حدث ويحدث من دون أن نصبح أسرى له؟
التاريخ لا يرحم أولئك الذين يدفنون رؤوسهم في الرمال، ولا يسامح الأمم التي تخون ذاكرتها. العدالة الانتقالية ليست رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على وحدة المجتمعات، على نسيجها الذي مزقته الطائفية، والدماء، والخوف. هناك من يرى العدالة في القصاص، لكن القصاص بلا حكمة ليس إلا شكلاً آخر من الفوضى. السلام الحقيقي لا يعني غياب الرصاص، بل حضور الإنصاف، حضور الاعتراف بالأخطاء، حضور إرادة العيش المشترك دون خوف من الغد.
سوريا اليوم ليست كما كانت، ولن تكون كما كانت. لكن السؤال الجوهري: إلى أين تتجه؟ هل تبني مستقبلاً يسوده العدل، حيث لا يُقصى أحد بسبب اسمه أو طائفته أو رأيه، أم تكرر أخطاء الماضي بثياب جديدة، فتعود إلى الدوران في ذات الدوامة القاتلة؟ إن المصالحة لا تعني النسيان، بل أن نواجه الحقيقة ونعمل على ألا تتكرر. فإما أن يتم التأسيس لدولة تحمي حقوق الجميع، أو لنحفر قبورًا جديدة لحروبٍ لن تنتهي أبداً.
إن سوريا، كما العالم كله، لا تحتاج إلى انتصارات زائفة، بل إلى عدالة حقيقية تُرسي السلام، لا على جراح غير ملتئمة، بل على قلوب متصالحة مع الحقيقة.
العدالة شرط للسلم الأهلي
العدالة شرط للسلم الأهلي وإن تجاهلها يعني إعادة إنتاج الماضي بكل مآسيه. فالماضي الذي لا يُعالَج، يظل حاضرًا، ويواصل إنتاج آثاره. وسوريا اليوم أمام مفترق طرق فإما أن تسلك طريق العدالة الانتقالية وتؤسس لدولة قانون ومواطنة، أو أن تبقى رهينة لتاريخ متكرر من العنف والانتقام.
الحكومة السورية الجديدة أمام اختبار حقيقي، وعليها أن تبرهن عمليًا على التزامها بمبدأ "لا إفلات من العقاب"، ليس فقط من أجل الضحايا، بل من أجل مستقبل البلاد ككل. وحدها العدالة القادرة على إغلاق جراح الماضي، وفتح أبواب مستقبل أكثر أمانًا لكل السوريين.