شكّل لقاء رئيس الوزراء اللبناني نوّاف سلام مع الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق استكمالاً لمسار -على الأرجح- سيكون طويلاً في طريق ضبط العلاقات بين البلدين.
سلام الذي اصطحب معه وزراء الداخلية والدفاع والخارجية أكد أن زيارته "من شأنها فتح صفحة جديدة على قاعدة الاحترام المتبادل، واستعادة الثقة، وحُسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية".
لكنّ المواقف الإيجابية من الزيارة سواء من الجانب اللبناني أو السوري، لا تعني -بالضرورة- أن ضبط العلاقة بين البلدين سيكون سهلاً. فالملفات العالقة كثيرة ومعقّدة. وإذا كان بعضها يرجع لسنوات، فإن بعضها الآخر يرجع لخمسة عقود.
ضبط الحدود بين لبنان وسوريا
يتصدّر الملفات التي تحتلّ أولوية مشتركة للبلدين، وأيضًا لعواصم كبرى، ملف ضبط الحدود التي تمتد على مسافة 330 كيلومترًا، تضم عشرات المعابر غير الشرعية، والتي غالبًا ما تُستخدم لتهريب الأفراد والسلع والسلاح.
ولا تكمن أهمية السرعة في معالجة هذا الملف فقط في منع التهريب والنزوح غير الشرعي، بل أيضًا، في بسط سلطة الأجهزة الأمنية من الجانبين على المنطقة الحدودية، والتنسيق لمنع تكرار الأحداث التي شهدتها المنطقة الحدودية الشهر الماضي وأوقعت قتلى.
ولا شكّ أنّ ضبط الحدود على الضفة اللبنانية لن يكون سهلاً، خاصة أنه يستلزم التفاهم والتنسيق مع حزب الله. فمعظم قاطني هذه المناطق ينتمون لما يُطلق عليهم "بيئة الحزب"، وليس من السهل ضبط هذه "البيئة" من دون التنسيق المباشر مع الحزب، ومن غير المعروف كيفية تعاطي الحزب مع هذا الملف.
ترسيم الحدود اللبنانية السورية
ضبط الحدود يتبعه -حسب مواقف البلدين- ترسيم الحدود البرية والبحرية. فيكفي النظر إلى الخريطة حتى يتبيّن التداخل الجغرافي بين لبنان وسوريا. فسوريا هي نافذة لبنان البرّية الوحيدة نحو العالم، وهذا الملف تعترضه عقبات سياسية وتاريخية وجغرافية. فعدد من القرى الحدودية سكانها لبنانيون وتقع عقاريًا على الأراضي السورية، والعكس صحيح، بل إن قرى لبنانية لايمكن الوصول إليها إلا عبر الأراضي السورية.
علاوة على ذلك، فإن ترسيم الحدود يتطلب حسم هوية مزارع شبعا التي تحتلها إسرائيل والتي تقع عند المثلث الذي يربط البلدان الثلاثة. فإذا تمسّكت دمشق بسورية هذه المزارع -وهو ما تمنّع عنه النظام السوري في عهد حافظ وبشار الأسد-، وأقرّت بيروت بذلك، يصبح عبء المطالبة بتحريرها على عاتق السلطات السورية. أمّا إذا سلّمت دمشق بلبنانية مزارع شبعا، حينها يكون على عاتق لبنان مطالبة إسرائيل بالانسحاب من هذه المنطقة في أي مفاوضات لترسيم الحدود البرية.
النازحون السوريون في لبنان
الملف الآخر الذي لن يكون أكثر سهولة مرتبط بالنازحين السوريين في لبنان. فالنازحون وفق إحصاءات غير رسمية يزيد عددهم عن مليون ونصف نازح، في ظل تزايد مستمر، سواء بسبب عدد الولادات المرتفعة بين النازحين، أو نزوح متواصل من سوريا باتجاه لبنان، خاصة بعد الأحداث التي شهدتها منطقة الساحل السوري.
حسب الحكومة اللبنانية، فإنها تسعى "لتسهيل العودة الآمنة والكريمة للاجئين إلى أراضيهم ومنازلهم"، لكن القيادة السورية لا تشاطرها هذه الرغبة، أقلّه في الوقت الحالي. فدمشق ترى أن استقبال النازحين يجب أن يسبقه رفع العقوبات الدولية عن سوريا، للبدء بترميم البنية التحتية، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب السورية.
ومن الواضح أن الأمم المتحدة أقرب لهذا الخيار، في ظل استمرار رفضها طلب السلطات اللبنانية وقف تقديم المساعدات للنازحين السوريين في لبنان وحصرها بمن يعود إلى سوريا.
الموقوفون السوريون في لبنان
ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية لا يقلّ تعقيدًا عما سبقه. فحسب إحصاءات غير رسمية يوجد في السجون اللبنانية قرابة 2100 سجين سوري، يشكلون 30% من مجموع السجناء.
كثير من هؤلاء لم يخضع لمحاكمة، والمئات منهم متهمون بتهم تتعلق بالانتماء لجماعات "إرهابية" و"تنظيمات مسلحة"، تناغمًا مع توجّه النظام السوري السابق. هذه التهم أصبحت اليوم من دون مضمون، بعدما سقط النظام، ومن كان يتهمهم بالإرهاب باتوا على رأس السلطة السورية.
ولا يخفى على أحد أن السلطات اللبنانية حريصة على تسليم أكبر عدد ممكن من الموقوفين السوريين لتخفيف الاكتظاظ في السجون، لكن عقبات قضائية تعترض تسليمهم. فعدد من هؤلاء الموقوفين متورط بجرائم قتل خلال مواجهات شهدتها المناطق الحدودية بين فصائل المعارضة السورية ومن بينها جبهة النصرة -التي كان يتزعمها الرئيس السوري نفسه- وبين الجيش اللبناني.
كما أن عدداً آخر من الموقوفين حُكموا بجرائم جنائية، كجرائم القتل والسرقة والنهب، وتسليم هؤلاء يتطلب إقرار قانون عفو أو تعديل الأحكام القضائية الصادرة بحقهم.
المفقودون اللبنانيون
من الملفات العالقة بين لبنان وسوريا كذلك، المفقودون اللبنانيون الذين يقدّر عددهم بـ17 ألف مفقود اختفى أثرهم خلال الحرب الأهلية التي أحيا اللبنانيون قبل أيام مرور 50 عامًا على اشتعال فتيلها.
ويتهم عدد كبير من ذوي المفقودين النظام السوري السابق بالمسؤولية عن اختفاء أبنائهم بعد توقيفهم على حواجز تابعة له خلال سنوات الحرب التي استمرّت 15 عامًا، وتمّ نقلهم إلى داخل الأراضي السورية لتختفي آثارهم بعد ذلك.
ومن الملفات العالقة أيضًا مطالبة السلطات اللبنانية دمشق بتسليم عدد من مسؤولي نظام الأسد الذين ثبت تورّطهم بارتكاب جرائم على الأراضي اللبنانية، كتفجير مسجديْ التقوى والسلام بطرابلس عام 2013.
وحسب مواقف المسؤولين في لبنان وسوريا، فإن الرغبة للتنسيق والتعاون بين سلطات البلديْن صادقة وحقيقية. ومن الواضح أكثر، أن هذه الرغبة تستند لدعم وتشجيع إقليمي ودولي لايكتفي بالمشاهدة، بل يعمل على تذليل العقبات التي تعترضها.
لكنّ ذلك لا ينفي أن الطريق في سبيل تحقيق ذلك، لن يكون سهلاً، خاصة أن التأزّم والتوتر رافق العلاقة بين البلدين طوال أكثر من خمسة عقود.