الأربعاء 19 أغسطس / أغسطس 2026
Close

بين إدارة الوقت في السياسة وفرض الوقائع في الميدان.. هل دخلت مفاوضات روما مرحلة استنزاف لبنان؟

بين إدارة الوقت في السياسة وفرض الوقائع في الميدان.. هل دخلت مفاوضات روما مرحلة استنزاف لبنان؟

Changed

شارك القصة

الدمار في قرى جنوب لبنان يحوّل الوقت الفاصل بين التفاوض والتنفيذ إلى جزء من الصراع على الأرض
الدمار في قرى جنوب لبنان يحوّل الوقت الفاصل بين التفاوض والتنفيذ إلى جزء من الصراع على الأرض - غيتي
الدمار في قرى جنوب لبنان يحوّل الوقت الفاصل بين التفاوض والتنفيذ إلى جزء من الصراع على الأرض - غيتي
الخط
تدخل مفاوضات روما اختبار التنفيذ وسط خلاف على آليته، فيما تستثمر إسرائيل الوقت لفرض وقائع ميدانية جديدة ورفع موقعها التفاوضي.

ليست الجولة السابعة من المفاوضات التي تستضيفها روما مجرد محطة جديدة في مسار دبلوماسي طويل؛ فهي تبدو اختبارًا حقيقيًا لحدود الرهان اللبناني على الوساطة الأميركية. فكلما اقتربت المفاوضات من الانتقال من مرحلة المبادئ إلى مرحلة التنفيذ، ارتفعت العراقيل، واتسعت المسافة بين ما يُعلن في البيانات وما يُترجم على الأرض.

لعل أكثر ما اختصر هذا الواقع هو تصريح السفير الأميركي في بيروت، لا بيان رسمي، إذ أكد وجود فارق بين ما كُتب على الورق وما يمكن تنفيذه ميدانيًا، وأن التنفيذ يحتاج إلى وقت. في الظاهر، بدا الكلام تقنيًا، أما في جوهره، فحمل رسالة سياسية واضحة:

واشنطن لا ترى أن لحظة تنفيذ الالتزامات قد حانت بعد.

من يعرف موقع السفير الأميركي في متابعة الملف اللبناني، والدور الذي يؤديه داخل دوائر القرار في واشنطن، يدرك أن مثل هذه الرسائل لا تُطلق عادة عشية جولة تفاوضية مصيرية من باب الصدفة. فقد بدت أقرب إلى رسم سقف النتائج المنتظرة، وتهيئة اللبنانيين لواقع عنوانه أن المفاوضات ستستمر، فيما سيبقى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه رهينة توازنات سياسية وأمنية لم تنضج بعد.


أين تتعطل آلية الاتفاق
أين تتعطل آلية الاتفاق؟

روما تفاوض على الوقت قبل الانسحاب


هنا تكمن المفارقة. فلبنان يذهب إلى روما حاملًا مطلبًا واضحًا يتمثل في انسحاب إسرائيلي جديد ضمن منطقة تجريبية ثانية، فيما تبدو الولايات المتحدة منشغلة أولًا بصياغة آلية التنفيذ قبل الانتقال إلى أي خطوة ميدانية جديدة. وبين المطلب اللبناني والإيقاع الأميركي، تتحرك إسرائيل في مساحة زمنية تمنحها فرصة لإعادة تشكيل الوقائع على الأرض بما يخدم موقعها التفاوضي.

العقدة لم تعد في الاتفاق نفسه، وإنما في الجهة التي تملك مفاتيح تطبيقه. إذ ينص اتفاق الإطار على إنشاء لجنة تشرف على التنفيذ، إلا أن الخلاف حول هوية الطرف الثالث المحايد لا يزال يمنع ولادة هذه الآلية، ما يجعل الاتفاق قائمًا سياسيًا، لكنه معلق عمليًا.

هذا التأخير لا يبدو تفصيلًا إجرائيًا بقدر ما يعكس خيارًا سياسيًا. ففي النزاعات المعقدة، يتحول الوقت إلى عنصر قوة بحد ذاته؛ ومن ينجح في التحكم بإيقاع التنفيذ يمتلك عمليًا القدرة على إعادة صياغة مضمون الاتفاق، حتى من دون تعديله.

لهذا، لا تبدو مفاوضات روما مفاوضات حول الانسحاب فحسب، وإنما حول من يدير الوقت:
  •  لبنان الذي يسابق الوقائع لتثبيت سيادته،
  • أم إسرائيل التي تسابق الدبلوماسية لفرض وقائع جديدة،
  • أم الولايات المتحدة التي تحاول إبقاء المسارين، السياسي والعسكري، تحت سقف واحد من دون أن تسمح لأي منهما بحسم الآخر؟ 

ثلاثة أطراف.. ثلاثة إيقاعات
كيف يتعامل كل طرف مع الوقت ومسار التنفيذ؟

الميدان يحاول حسم ما تؤجله الدبلوماسية


غير أن ما تعجز الدبلوماسية عن حسمه يحاول الميدان فرضه بالقوة.

فبينما ينشغل المفاوضون في روما بصياغة آليات التنفيذ، تتحرك إسرائيل على الأرض وفق منطق مختلف، يقوم على فرض وقائع جديدة قبل أن تتحول أي تفاهمات إلى التزامات ملزمة. فالوقت الذي تطلبه الدبلوماسية تستثمره المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لإعادة رسم الخريطة الميدانية بما يعزز موقعها التفاوضي لاحقًا.

من هنا، تكتسب المواجهة الدائرة في مرتفعات علي الطاهر أهمية تتجاوز بعدها العسكري المباشر. فهذه المرتفعات لم تعد مجرد نقطة اشتباك، وإنما تحولت إلى اختبار لقدرة إسرائيل على توسيع نطاق سيطرتها الميدانية، بعدما أخفقت حتى الآن في فرض سيطرة كاملة عليها.

وفق المعطيات الميدانية، شهدت ليلتا الجمعة والسبت محاولات تقدم نفذتها مجموعات قتالية إسرائيلية مدعومة بآليات هندسية، سعت إلى الالتفاف والسيطرة على مساحة أوسع من المرتفعات. إلا أن تلك المحاولات اصطدمت بمواجهة خاضها عناصر حزب الله، وحالت دون تحقيق أي تغيير جوهري في خريطة الانتشار، لتبقى المنطقة، حتى الآن، خارج السيطرة الإسرائيلية الكاملة.


تؤكد مصادر في حزب الله لموقع "التلفزيون العربي" أن أي محاولة لتوسيع العمليات العسكرية في محيط علي الطاهر لن تكون معركة محسومة النتائج بالنسبة إلى إسرائيل، مشيرة إلى أن وحدات الحزب المنتشرة في المنطقة في جهوزية كاملة للتعامل مع أي محاولة تقدم نحو المنشأة الواقعة في المرتفعات.
تحولت مرتفعات علي الطاهر إلى اختبار لقدرة إسرائيل على توسيع نطاق سيطرتها الميدانية
 تحولت مرتفعات علي الطاهر إلى اختبار لقدرة إسرائيل على توسيع نطاق سيطرتها الميدانية

التدمير ورقة على طاولة التفاوض


في موازاة ذلك، يتواصل نمط آخر من العمليات العسكرية داخل الخط الأصفر، عنوانه التدمير المنهجي للبنى السكنية.

فعمليات التجريف ونسف المنازل لم تعد تقتصر على مقتضيات العمل العسكري، وإنما باتت تعكس سياسة تهدف إلى تغيير البيئة العمرانية والديموغرافية للقرى الحدودية، بما يجعل العودة إليها أكثر صعوبة، حتى بعد أي انسحاب مستقبلي.

تقدّم زوطر الغربية المثال الأوضح على هذه المقاربة. فالبلدة التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية ضمن المرحلة الأولى من المناطق التجريبية لم تستعد حياتها الطبيعية؛ إذ خرجت من التجربة محملة بدمار واسع طال المنازل والبنى التحتية، في مشهد يعكس أن الانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة إنهاء آثار الحرب.

بذلك، يبدو أن إسرائيل تفاوض على الطاولة، لكنها تفاوض بالنار في الوقت نفسه. فكل تقدم ميداني، وكل منزل يُهدم، وكل مرتفع تحاول إسرائيل تثبيت سيطرتها عليه، يتحول إلى ورقة تفاوض إضافية في أي جولة سياسية مقبلة، في وقت يجد لبنان نفسه مضطرًا إلى خوض معركتين متوازيتين: تثبيت حقوقه بالدبلوماسية، ومنع تبدل الوقائع بالقوة على الأرض.


أهالٍ يتفقدون الدمار في زوطر الغربية بعد الانسحاب الإسرائيلي
 أهالٍ يتفقدون الدمار في زوطر الغربية بعد الانسحاب الإسرائيلي

من يحدد إيقاع المرحلة المقبلة؟


في ضوء الصورة التي ترتسم بقلم التفاوض وسلاح الميدان، قد لا تنتهي جولة روما ببيان يحمل مفاجآت، لكن أهميتها تكمن في أنها ستحدد اتجاه المرحلة المقبلة:

هل سيبقى اتفاق الإطار مجرد مرجع سياسي يُستشهد به في البيانات، أم سيتحول إلى آلية ملزمة تُغيّر الوقائع على الأرض؟

حتى الآن، تميل المؤشرات إلى الاحتمال الأول. فواشنطن لا تريد انهيار مسار التفاوض، لكنها لا تبدو مستعدة أيضًا لفرض إيقاع سريع على إسرائيل. في المقابل، تستفيد إسرائيل من هذا الهامش الزمني لتوسيع مكاسبها الميدانية ورفع سقف شروطها قبل أي انسحاب إضافي.

أما لبنان، فيجد نفسه أمام معادلة دقيقة: فهو يحتاج إلى الحفاظ على الزخم الأميركي الذي وفره لقاء الرئيس جوزيف عون بالرئيس دونالد ترمب، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى إثبات أن الدولة قادرة على تحويل الدعم السياسي إلى وقائع سيادية على الأرض، عبر انتشار الجيش وفرض سلطته الكاملة.


في انتظار أن تتبلور الحسابات الأميركية والإسرائيلية المرتبطة باستحقاقاتهما الداخلية والإقليمية، يبقى لبنان ساحة لإدارة الوقت أكثر منه ساحة للحسم. وبين دبلوماسية تؤجل القرارات وميدان يفرضها بالقوة، لا تبدو المعركة الحقيقية اليوم معركة خرائط وحدود بقدر ما هي معركة على من يملك حق تحديد توقيت السلام والحرب.

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من
سياسة - الصين

شارك القصة

Share
صاروخ  صيني من طراز "دونغ فنغ-61" بعيد المدى يُحمل على منصات متحركة
صاروخ صيني من طراز "دونغ فنغ-61" بعيد المدى يُحمل على منصات متحركة - غيتي

تكشف الصين عن تطور ثالوثها النووي من البر والبحر والجو، وسط ترسانة صاروخية متنامية تثير قلق الولايات المتحدة.

سياسة - سوريا

شارك القصة

Share
استهداف إسرائيلي لمطار المزة العسكري في سوريا -
استهداف إسرائيلي لمطار المزة العسكري في سوريا - غيتي/ أرشيف

شنّ الطيران الإسرائيلي 8 غارات جوية استهدفت مدرج مطار أبو الظهور العسكري في محافظة إدلب، ما أدى إلى أضرار مادية في بنيته التحتية.